More
    Blog Page 5

    مداخلة جدلية الفكر والواقع الاجتماعي والسياسي

    منذ عقود طويلة من الزمن، واقطارنا تعاني من مشكلات التبعية وظواهر مرحلة ما بعد الاستعمار، ولازالت ايضا تواجه معضلات جدية تشمل مختلف النواحي، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تفاقمت بعد الهجمة الامبريالية لتحرم بلداننا من مكتسبات التحرر الوطني والسيطرة على ثرواتنا الوطنية، وطالت هذه الهجمة حتى الاصعدة الروحية والاخلاقية. وكان اخطرها التراجع الفكري والثقافي، الذي ادى بدوره الى تقويض اسس الوعي الجمعي بقضايا امتنا المحورية، والمحددة لنقاط قوتها وهزائمها، بل وجرى محاربة النخب الواعية أو إغرائها أو تجاهلها ، سواء عبر الترهيب او الترغيب، او عبر اعتماد ما يسمى بالقوة الناعمة، أو القمع اللطيف والغير المحسوس، لتنتهي الى خلق وضعية فكرية وعقائدية هشة عانت منها الأمة ولا تزال الأمرين. ناهيك عن ما تقوم به وسائل الاعلام الحكومي والمعادي والدورالذي تلعبه في تشكيل الوعي السياسي، وتاسيس افكار وثقافة تخدم مصالحها وتدفع الناس لتبنيها والقبول بصحتها. وقد ادى كل ذلك الى عجز المجتمع العربي واحزابه وقواه الوطنية، عن تحقیق الحریة والدیمقرا طیة في مواجهة الانظمة الدكتاتورية والرجعية والعميلة، وتحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزیع الثروة في مواجهة التفاوت الطبقي، وتحقیق الوحدة العربية في مواجهة التجزئة، والدفاع عن الوطن وتحرير الارض في مواجهة الغازي والمستعمر. وهذا امر طبيعي، فالتاخر في الجانب الفكري والثقافي اقترن دائما بالتخلف والرجعية، في حين اقترن امتلاك الوعي والفكر المنفتح بالتطور والتقدم الاجتماعي والحضاري والازدهار والرفاه. ولا يغير من هذه الحقيقة المكاسب والانجازات التي تحققت على يد هذه الاحزاب الوطنية والقومية في عدد من البلدان العربية، مثل تحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية ورفع مستوى الخدمات، فهذه قد جرى اجهاضها، اوالالتفاف عليها من قبل القوى المضادة باوجهها المختلفة.

    ومما زاد الحالة سوءا، امتداد هذا الداء ليشمل القوى والاحزاب الوطنية جميعها، ومن ضمنها الاحزاب القومية العربية، التي تهمنا اكثر من غيرها، وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب والاحزاب الناصرية، ليس لان قادتها ومفكريها ومثقفيها قاصرون عن التفكير، وانما لكون هذه الاحزاب عجزت عن تطوير فكرها، خشية من المساس به وبثوابته التي قام عليها، وتجاهلت في نفس الوقت الانفتاح على الافكار الاخرى، او ايجاد قواسم مشتركة معها. ليصل هذا الامر الى حد الخصومة بين بعضها البعض. بل تطور ذلك في فترات معينة الى محاولات اقصاء كل منها الاخر، والدخول احيانا في معارك فيما بينها. وقد نجد نموذجا صارخا عن ذلك، ما حدث من خصومة حادة بين تلك الاحزاب القومية، بصرف النظر عن الدوافع والاسباب، ومن ثم انتقال هذه الخصومة الى فئات واسعة من المجتمع، الذي انقسم ما بين مؤيد لهذا الطرف اومعارض لذاك. ليس هذا فحسب، وانما حرصت هذه الاحزاب، وحتى الشخصيات على اهمال الفكر كاساس لمنطلقاتها، جراء اهتمامها في تقديم برامج عمليه لتحقيق أهداف سياسية بعينها، الامر الذي ولد فجوة كبـيره بين المنطلقات والأهداف، في حين كان المفترض سعي هذه الاحزاب والقوى القومية لوضع برنامج فكري مشترك يحــدد عمل الثـورة الفكرية وماهيتها.

    لا نقصد من وراء ذلك الاقرار بان تلك الحالة المتخلفة التي نعيشها، اصبحت قدر حتمي ينبغي الاستسلام له، او انتظار حدوث معجزة تاتي من السماء تنقذنا من هذه الحالة البائسة فعلا، وانما اعني جردها وتدقيقها ، ووضع الحلول والوسائل الناجعة للتغلب عليها، والخروج من مستنقعها. فلقد مرت امتنا العربية في حالات مشابهة، وربما كانت اكثر سوءا وماساوية، وتمكنت من الخروج منها الى حد كبير. على يد نخبة من المفكرين العرب ورجال الدين المتنورين والقادة والسياسيين، من امثال الشيخ رفاعه الطهطاوي وبطرس البستاني واحمد لطفي السيد والشيخ العربي التبسي وجمال الدين الافغاني وعبد الرحمن الكواكبي وعباس محمود العقاد وعبد الحميد بن باديس ومصطفى المنفلوطي وانستاس الكرملي ومي زيادة وميخائيل نعيمة وشبلي شميل ونيقولا حداد وغيرهم الكثير. ونقصد هنا حالة التخلف التي عاشها مجتمعنا العربي في ظل الحكم العثماني، والتي وصلت لحد تهديد الهوية العربية، تحت ذريعة المشروع الاسلامي، وتراجع اللغة العربية جراء سياسية التتريك التي قامت في اواخر العهد العثماني. ولم تكن شعارات المشروع النهضوي العربي والاسلامي بعيدة عن شعاراتٍ الثورة الفرنسية التي تاثرت بها هذه النخبة مثل شعارات الحرية والعدالةِ والمساواةِ، وليست بعيدة ايضا عن افكار رجالات الراي في عصر الانوار الاوروبي. حيث بدات في مصر ‏‏نهضة ثقافية وادبية تردد صداها وامتد نفوذها إلى سوريا ولبنان وفاس ومراكش، لتنتهي الى ظهور حركات سياسية ذات طابع قومي عربي طالبت بالاستقلال والحرية في كل من مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق. ولولا هذه النهضة العربية وسواعد وعقول هولاء الرجال، لبقي العرب في ذلك الوقت على ما هم عليه، وربما عاشت امتنا عصور ما يسمى بالانحطاط.

    هذا المشروع النهضوي الذي حقق مثل هذه الانجازات، لم يكتب له الاستمرار ومواصلة مسيرته حتى نهايتها، حيث تعرض لاحقا الى انتكاسة مؤلمة، جراء الاشكاليات التي واجهها، وجراء عدم قدرته على التمييز او التدقيق في الفروقات بين الاسس الفكرية والثقافية له، وبين منظومته القيمية، بين تنفيذ هذا المشروع على ارض الواقع وبين حصره في مجموعة من النخب، لكنه ترك للاجيال المتعاقبة تجربة يقتدى بها، كبداية لاي مشروع نهضوي وفكري كالذي نحن بصدده، خاصة اذا عقدنا العزم على اعادة النظر في كل مسيرتنا الفكرية واجراء تغيرات جزئية او واسعة على قواعد صحيحة غير تلك التي تسود اليوم، او كما يقول الكاتب المصري زكي نجيب محمود، الابتعاد عن الثنائية التي تسير على طريق”اما التمسك بتراثنا القديم ولا مجال بالابتعاد عنه قيد انملة، كونها صواب لا تقبل المساس بها، واما الانسلاخ عنه وعن الهوية والتوجه شطر الفكر الغربي واعتناق معتقداته، والخلاص من ذلك الحِمل الثقيل الذي يسمى ثقافة عربية.” والتي تتمثل في التعامل مع كل فكرنا وثقافتنا العربية الاصيلة من جهة، والعيش في الحاضر في ظل تطوره العلمي والفكري من جهة اخرى. وفق منهج علمي تحت اشراف النخبة المفكرة في البلاد العربية التي بامكانها تقديم مشروع فكري جديد تتوفر فيه عناصر نظرية ملائمة لحركة المجتمع في جميع البلاد العربية.

    لقد وضع لنا في هذا الخصوص الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي يعتبر من اهم العقول التنويرية في اوربا، اربعة قواعد ذهبية تساعد في الوصول الى تحقيق الهدف المنشود، والتي وردت في كتابه الموصوف “مقال في المنهج” وكتاب “قواعد لهداية العقل” حيث سميت الأولى باليقين وذلك “ألا اقبل شيئا على أنه حق ما لم أعرف يقينا أنه كذلك، بمعنى أن أتجنب بعناية التهور، والسبق إلى الحكم قبل النظر، وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي في جلاء وتميز، بحيث لا يكون لدي أي مجال لوضعه موضع الشك”. وسميت الثانية بالتحليل وذلك “بتقسيم كل واحدة من المشكلات الى اجزاء قدر المستطاع”، وسميت الثالثة بالتركيب وذلك “ان اسير افكاري بنظام بادئا بابسط الامور واسهلها معرفة كي اتدرج قليلا قليلا حتى اصل الى معرفة اكثر ترتيبا بين الامور التي لا يسبق بعضها الاخر” وسميت الرابعة بالاستقراء التام وذلك “ان اجري في كل الاحوال الاحصائيات والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من انني لم اغفل شيئا”

    اما الية هذا المشروع فقد وضع، على سبيل المثال لا الحصر، المفكر السوري الراحل طيب تيزيني بعض ملامحها البسيطة جدا، حيث دعا الى تبني هوية عمل، هي هوية مشروع نهوض عربي تنويري جديد. وهذا المشروع إذا كان يبدأ بواحد من مليون،فهو صحيح حين توضع العلاقة بين الواحد والمليون على نحو استراتيجي دقيق. وهو لن يكون صحيحا حتى إذا بدأ بالألف من المليون،حين يكون هذا الألف مبعثرا متناثرا وفاقدا القدرة على النمو باتجاه الهدف الكبير والبعيد، كون المشروع النهضوي متغير على أرض الواقع وفي داخله ، ولإنجاز مثل هذا المشروع الواعد، ان تتمتع نخبة المشروع بالمثابرة واستعداد عميق للتضحية ، وإيمان واسع كي تكون مستندة إلى وعي لمعنى المشروع النهضوي” ، بمعنى اخر أن يتحسس الإنسان انتماءه العربي في شخصيته الوجودية، فعندما أفكر أنني عربي ينفتح وعيي على هذا التفكير ومن ثم أتحرك فردا ً ونتحرك جماعة أو أمة نحو العناصر الأساسية في العروبة وفي الفكر وحركة الحياة”.

    اما من جهتي، ومن دون العودة الى الجدلية بين الفكر والواقع وايهما نتاج الاخر، او تحديد الصلة بين الواقع والافكار، او ايهما يسبق الآخر، تجنبا من الدخول في المقارنة الشهيرة بين الدجاجة والبيضة وايهما جاء اولا. فالفكر بمجموع مفرداته، يبقى في كل الاحوال نتاج حرب مستمرة بين القديم والجديد لن تنتهي الا بنهاية العالم نفسه، وهذا ما اكد عليه علماء العصر الحاضر، بعد أن كان أسلافهم من علماء القرن التاسع عشر يعظمون من قدرة العقل الانسانى على امتلاك حقائق العالم. بمعنى اخر ليست الافكار التي تشكل الظروف الاقتصادية والسياسية لوعي الانسان، وانما العكس هو الصحيح وبالتالي نحن بحاجة اذن الى فكر عربي حديث يكون بامكانه الوصول الى جميع فئات المجتمع، عبر تحديد الكيفية للكيان الاجتماعي للوعي لينتج نظم إيمانية وقيمية محددة حسب البنية التحتية الاقتصادية السائدة. ويمر ايضا عبر النشاط السياسي الفعال بهدف الوعي السياسي واعادة يقظة الجماهير لدورهم السياسي والفكري وليس حصره على مجموعة من النخب والمثقفين والمتعلمين، ليجري الوصول الى تفجير ثورة في الوعي العربي تتلائم ونتاجات الواقع الذي نعيشه بكل مفرداته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، سواء كانت ذاتية او موضوعية، لتخدم في النهاية تطور هذا المجتمع وصولا الى تحقيق وحدته وحريته وتقدمه. ومن حسن حظنا، فان تطور وسائل النشر والاتصال في عصرنا هذا يمهد لعهد جديد من التغييرات الفكرية، بل والثورية في العالم المعاصر، جراء نضوجه في رحم عالمنا الحالي، وما علينا سوى ادراكه واستخدامه في تغيير نمط حياتنا بصورة دقيقة ومنضبطة، خاصة بعد سقوط تلك النظريات الأوربية العنصرية التى حاولت تقسيم المجتمعات والشعوب إلى فصائل مختلفة، ومتباينة المستويات الفكرية والعقلية ، وذهبت في غمرة الاعجاب بالتقدم الاوربي الناشيء حينئذ الى افضلية بعض الاجناس على بعضها
    ان السير بهذا الاتجاه ضروري جدا ليكون بمثابة اللبنات الاولى لثورة سياسية واجتماعية وثقافية وفلسفية رصينة وقادرة على تحصين نفسها من الاختراق من قبل الافكار المضادة وقواها ذات الباس الشديد، خاصة وان المجتمع العربي يعيش حالة ضبابية منذ نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، فمن جهة فان عموم الناس قد اصابهم الارتباك الذي ترك فراغا كبيرا، بعد فشل عموم المشاريع ومنها المشروع القومي والشيوعي ومن ثم الاخواني المتشدد، وكذلك المشروع الديمقراطي او اليبرالي بعد تصديره عبر دبابات المحتلين وسيادة شريعة الغاب. ومن جهة اخرى تدني الانتاج الفكري والثقافي، وقلة الرموز الفكرية المؤثرة وذات الطابع الملتزم بالثوابت الوطنية والقومية، وعجزها عن الوصول او بلوغ مشروع فكري عربي قومي جراء سيادة الاتجاهات المختلفة واحيانا المنفصلة بعضها عن البعض الاخر رغم تجانسها، كونها جميعا وليد الحضارة العربية والاسلامية. في حين فشلت هي الاخرى مشاريع تحديث الاسلام، كمشروع بديل لكل هذه الافكار المختلفة، بل زادت الطين بله حين فرضت في الاونة الاخيرة المرجعيات الدينية نفسها، لتكون بديلا عن المرجعيات السياسية والوطنية والديمقراطية، الممثلة في قوى واحزاب سياسية لها تاريخ عريق وماضي مجيد.

    ولكي نقف على ارض صلبة وتكون خطواتنا الاولى صحيحة، لابد من الشروع في رحلة معرفية وميدانية لسبر غور المجتمع وفهم الواقع العربي بكل تفاصيله، وايجاد القواسم المشتركة للفكر العربي المشتت بين اكثر من عشرين دولة عربية، او لنقل بين مجموعات فكرية مختلفة تخص مجموعة من الدول. وجرد المستودعات السياسية والاقتصادية بدرجة رئيسية والفروق الجزئية بين المجتمعات العربية، فالتشابه يبلغ درجة التماثل احيانا وخاصة في السمات الاساسية والجوهرية اقتصاديا وثقافيا، وليس كما تروج بعض الجهات في التركيز على العارض وليس الجوهري والثانوي في المشتركات العربية. وفقرة النهوض القومي هي فقرة رئيسية في نضال اقطارنا سواء في المغرب العربي او المشرق، يضاف الى ذلك حاجتنا ايضا الى تعميق الاحساس بضرورة اصلاح وضعنا المتردي والنهوض به وتطويره من داخله لتحقيق طموحاته في الحرية والعدالة والتقدم الاجتماعي والعيش الكريم. ان تحقيق هذا الطموحات المشروعة تمثل مهمة تاريخية كبيرة قد تتجاوز طاقتنا، ولكن ما يسهل هذه المهمة التاريخية ان هذه النخبة التي جرى اختيارها ستحقق مراميها، كونها نخبة متحررة من الاوهام عن ذاتها، وستكون قادرة على نزع اوراق الخريف الصفراء من شجرة الفكر العربي، وكونها قادرة في نفس الوقت على تجسير العلاقة بين النخب الفكرية والثقافية وبين عموم الناس، وعبر مختلف الوسائل لترسيخ هذا الفكر في عقول الناس والايمان به والاستعداد للتضحية في سبيله
    بالمقابل وعلى الجهة الاخرى، فانجاز هذه المهمة التاريخية يقودنا الى الانتباه بالقدر الكافي الى الفرق الهائل بين واقعنا الحالي وبين الصورة التي نحلم بها كما حلم بها الرواد الاوائل، وهذا الفرق ادى الى عجز احياء اي مشروع نهضوي او تجديد الفكر العربي، اي انفصال النخب الى حد كبير عن واقعها. وهذا يتيح لنا التعرف على طبيعة الإشكالية التي تواجهنا، وما تحيط بها من تجارب ومن ظروف ذاتية وموضوعية وهذا شان كل حراك فكري وسياسي واجتماعي جدي يمهد الانتقال الى المجال الاوسع الذي بامكانه صياغة المستقبل واعاد بناء القيم وتنسيقها على قواعد جديدة حيث يبقى التاريخ يحمل معه النبض الحي وان كان بدرجات متفاوتة فعدم التمييز بين المجالين والتداخل بينهما سيوقعنا في اخطاء فادحة وأفضل مثال على ذلك، تلك الجهود الضائعة للمدافعين عن الهوية والتراث، الذين لايرون فرقاً بين الأسس الثقافية للنهضة ومنظومتها القيمية. بمعنى اخر نحن امام احداث نهضة عربية جديدة اكثر تطورا وتاثيرا من النهضة العربية، التي شملت حينها مصر وسوريا في القرن التاسع العاشر وامتدت لتشمل عواصم عربية اخرى مثل بغداد وفاس ومراكش وحققت انجازات مهمة مثل انتشال اللغة العربية من حالة التقهقر، وقدمت أدبا عربيا معاصرا للمرة الأولى منذ قرون، وعبر الجمعيات السياسية، بعثت النهضة مشاعر الهوية العربية مجددًا، كما ناقشت قضايا الهوية للبلاد العربية المختلفة وعلاقتها بالرابطة العثمانية.
    وفق هذا السياق ينبغي لهذا المؤتمر المبارك، ان يكون بمثابة نهضة او ثورة فكرية حديثة، تتجاوز قصور ما سبقها من محاولات، ومن ثم تطويرها الى حركة ثقافية وفلسفية واسعة تشمل عموم الناس. خاصة وان مجتمعنا، يعج بافكار مختلفة، كالفكر الشيوعي واليبرالي والعلماني وفكر الاسلام السياسي المتطرف، وهذه الافكار بمجملها تعمدت تشويه معالم الفكر القومي العربي واعتبرته فكر متخلف عفى عليه الزمن وتجاوزته الاحداث، ثم جرت محاربته بكل الوسائل المشروعة والغير المشروعة، من قبيل وصف الفكر القومي بالايدلوجية الخطرة والافق الضيق او اعتبار القومية سم ايدلوجي لا أخلاقي، وحين اشير الى هذه الملاحظة لا اقصد اطلاقا رفض التعامل مع كل هذه الافكار التي لها حواضن شعبية، او الانعزال عنها، وانما اقصد التعامل معها بحكمة وصبر والحوار معها وفق مبدا الإعتراف بالاخر، ليتسنى لنا الدفاع عن مشروعنا التحديثي لتمهيد الطريق لنشره في صفوف اوسع فئات المجتمع وطبقاته وقومايته ومذاهبه المختلفة، ليكون مؤهلا لنقل هذا المجتمع من حالة التخلف الى حالة متقدمة.
    نعم لقد جرت في العقود الماضية محاولات لقيام نهضة فكرية، من قبل مفكرين ومثقفين لتلافي هذا النقص الفكري الخطير، مثل المؤتمر القومي العربي او انشاء بعض مراكز دراسات عربية وفكرية الخ. لكن هذه المحاولات عجزت عن تحقيق نجاحات ذات اهمية، او الوصول الى غاياتها المنشودة، وذلك بسبب محدوديتها، وعدم القدرة على صياغة متطورة ودائمة من جهة. وعدم الربط بين الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية من جهة اخرى. يضاف الى ذلك عجز هذه المحاولات عن تاسيس قواعد التلازم، او الثنائية الجدلية بين الفكر وممارسته العملية، او كما يقال الربط بين النظرية والتطبيق، او الربط بين الهدف المطلوب والطريق المؤدي اليه، حيث جرى حصر هذه المحاولات بين فئة من المثقفين والمتعلمين بدل نشرها وتعميم افكارها بين عموم الناس، لتنتهي الى نوع من انواع الترف الفكري او الثقافة الاكاديمية، بدل تحولها الى حركة مجتمعية شاملة في السياسة والثقافة والفن والاقتصاد.
    امام هذا المؤتمر المبارك فرصة كبيرة لتحويل حلم النهضة العربية الذي تعثر الى حقيقة ونكون نحن المجتمعين الوجه المشرق للرواد الاوائل لتلك النهضة العربية لنتمكن من التغلب على جميع المخاطر التي تتعرض اليه ثوابتنا الوطنية والقومية واولها حب الوطن والتمسك به والانتماء اليه، وكاتب هذه السطور يطمح بداية التركيز على الثوابت الوطنية والقومية في الفكر الحديث جراء غزو الافكار الشعوبية وفي مقدمتها الافكار الفارسية الصفوية التي يكره اصحابها امة العرب وما يمت اليها من تاريخ وحضارة وثقافة اصيلة. ولا اجانب الحقيقة بالقول باننا قادرون على تحقيق هذا الهدف النبيل وبناء الوعي الذي نريده ونجعله ونجعل الناس قادرين على التمييز بينه وبين الوعي الفاسد والمزيف. خاصة اذا تظافرت هذه الجهود مع جهود الاحزاب الوطنية والقومية بالذات، اذا ما تمكنت من سد الفجوة التي حدثت بين منطلقاتها السياسية وبين المنطلقات الفكرية، وتحدد الاسس والاطر الفكرية الواضحة والمتكاملة.
    عوني القلمجي

    الإعلام الدولي والدبلوماسية الرقمية

    الدبلوماسية الرقمية ووسائل التواصل الحديثة واهميتها في العمل السياسي والعلاقات الدولية
    ورقة مقدمة إلى الندوة الفكرية التي يقيمها
    معهد الحوار العربي للتجديد
    مدريد
    للفترة من 2-6 ولغاية 30-6-2019

    إعداد
    الأستاذ الدكتور / وليد حسن الحديثي
    أستاذ وسائل الاتصال الجماهيري

    الإعلام الرؤية والمفهوم
    الإعلام مصطلح شغل حياة الناس و لازال يخترق كل شيء، ومصطلح الإعلام المعاصر من المصطلحات الحديثة التي ظهرت نتيجة تطور وسائل الاتصال التقليدية وظهور وسائل أخرى. والإعلام المعاصر قدم لنا الكثير بحيث جعل الناس تتعامل كقائمين بالاتصال محترفين أو هواة ومتلقين ووسطاء ومتفاعلين.
    إننا نعيش اليوم عالم الاتصال التفاعلي و الإعلام جزء منه، وهو إعلام المواطن إذا جاز التعبير كون أن مرحلة الإعلام المعاصر تقدم لنا كل جديد وبسرعة كبيرة، ومن صناعة أناس عاديين.
    ويمكننا القول إن الإعلام الجديد هو إعلام عصر المعلومات، فقد كان وليداً لتزاوج ظاهرتين بارزتين عرف بهما هذا العصر :
    ظاهرة تفجر المعلومات Information Explosion
    ظاهرة الاتصال عن بعد Telecommunication

    الإعلام الدولي:
    تعددت التعاريف للإعلام الدولي وتنوعت واختلفت أيضاً سواء من ناحية المضمون والمحتوى، أو من ناحية الهدف والوسيلة؟ كثير من الباحثين وعلى رأسهم علي محمد شحو وغيره يرون على أنه اتصال يتم عبر وسيلة جماهيرية تتجاوز الحدود الوطنية للدولة(). وهذا فيه قصور في المضمون والوسائل كونه لا يعبر عن حالة شاملة وأهداف واسعة.
    وهناك تعريف ثان يقول أنه: عملية الاتصال التي تحدث بين الدول المختلفة عبر الحدود الدولية() ولا يتوقف عند ذلك بل إلى الإطارات العامة والخاصة.
    والإعلام الدولي مهمته ووظيفته الأساسية تزويد الجماهير في الدول الأخرى بالمعلومات الصحيحة والأخبار الصادقة وإقناعها بعدالة قضايا الدولة وبالتالي تبنىي جماهير الدول الأخرى لمواقف تلك الدولة.
    ويعرفه الباحث على أنه الإعلام الذي تمارسه الدولة عبر وسائل اتصال مختلفة لتنفيذ سياساتها ومعاونة السياسة الخارجية وأدواتها الدبلوماسية، لتحقيق أهداف إعلامية وعسكرية وثقافية إلى جانب الاقتصادية، وفي الغالب يكون موجه خارج نطاق الدولة لتعزيز السياسة الخارجية والوصول إلى المصالح المنشودة لهذه الدولة، ويهدف الإعلام الدولي في كثير من الأحيان إلى تقديم حقائق مرئية ولكنه في أحيان كثيرة ينهج المغالطة والمبالغة لما يخدم رغبات هذه الدول ويعزز وجودها في المجتمع الدولي. ()

    أهداف الإعلام الدولي
    يعتبر الإعلام الدولي أحد مكونات العملية الاتصالية الدولية وأحد أدوات السياسة الخارجية لأنه ومع غيره من الأدوات يمكنه من تحقيق أهداف هذه السياسة والتي جميعها تصب في تحقيق المصلحة الوطنية للدولة.
    إذا كان الإعلام الدولي أداة من أدوات السياسة الخارجية فإنه مع غيره من الأدوات يعمل على تحقيق أهداف السياسة وتتمثل هذه الأهداف في تحقيق المصلحة الوطنية للدولة في المقام الأول وتختلف قوة هذه الأهداف باختلاف وزن الدولة ودورها في النظام الدولي، بالإضافة إلى قوة الإعلام الدولي والوسائل الأخرى للسياسة الخارجية والدعاية مهما بلغت من قوة انعكاساً للأوضاع العسكرية والسياسية والاقتصادية القائمة بالإضافة إلى تفاعلها مع هذه الأوضاع وتأثيرها وتأثرها بها()

    تعريف الدبلوماسية:
    الدبلوماسية باختصار هي فن التفاوض بالعقل والحكمة، وفي نفس الوقت اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وهذا التعريف يمكن أن يعتبر قاسما مشتركا بين وجهات النظر المتباينة، كما أن هنالك الدبلوماسية غير الرسمية والتي تشكل مجالاً حيويا في عمل أي دولة من خلال المنظمات غير الحكومية. ومع الأسف هناك عدم إدراك لأهمية الدبلوماسية غير الرسمية في بناء الصورة الإيجابية للدول، وعادة ما نلج إلى هذا الأمر عند الاضطرار، في العمليات الدفاعية العاجلة و قد لا تعطي في العادة نتائج ايجابية، لان أفضل طرق الدعاية هي التي تكون بطريقة غير مباشرة، وفقا لعملية منظمة ومخطط لها بعناية.

    تعريف الدبلوماسية الرقمية:
    إن الدبلوماسية الرقمية هي امتداد للدبلوماسية التقليدية وكل ما تقوم به من عمليات في الاتصال بين الجهات الرسمية في الدول، وتتميز الاتصالات -وفق نموذج الدبلوماسية الرقمية- بأن الاتصالات فيها مفتوحة ومباشرة وتفاعلية، وتؤسس على المدى المتوسط والطويل لخلق قوة ناعمة تخدم أهداف الدول وتوجهاتها الدولية. 
    و لازال مصطلح الدبلوماسية الرقمية يبحث عن تعريف محدد، وهو كأي مصطلح جديد في العلوم الإنسانية، لا كن من المؤكد حسب جميع المؤلفين والباحثين أن الدبلوماسية الرقمية هي شكل من أشكال الدبلوماسية العامة، وتنطوي على استخدام التكنولوجيات الرقمية ومنصات وسائل التواصل الاجتماعية، مثل تويتر وفيسبوك وغيرها، من قبل الدول للتواصل مع الجمهور الأجنبي عادة بطريقة غير مكلفة. ()
    لقد أثر الفضاء الإعلامي الالكتروني على السياسة الخارجية الدولية، وجعلها تبحث عن طرق جديدة من أجل الحفاظ على المصالح القومية للشعوب من خلال تبادل المعلومات بين الحكومة والدول والجماعات الأخرى. إن عوامل الصراع والمنافسة تجسدت في العديد من بقاع العالم وأصبحت الحاجة ملحة الى ظهور الفاعلين الدبلوماسيين خارج نطاق الدولة، وهذا ما يميز ملامح العلاقات الدولية المعاصرة.
    وليس هناك تعريف متفق عليه للدبلوماسية الرقمية، الا ان ابسط تعريفاتها يشير إلى أنها تعبر عن “استخدام شبكة الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات للمساعدة على تنفيذ أهداف دبلوماسية.، أو أنها تعبر عن عملية تسخير الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال الحديثة للتواصل مع جمهور خارجي بهدف خلق بيئة تمكين للسياسة الخارجية لبلد ما.
    وتتحول المعلومات إلى صيغة رقمية بما يتيح إمكانية توظيفها من قبل الدبلوماسيين والقدرة على الاحتفاظ بها، والتنسيق مع أذرع أخرى للحكومة، واستخدام هذه الوسائل للاستمرار في تنفيذ دور الاشراف والتوجيه للسياسة الدولية عبر الحكومة حتى عندما تصبح الدوائر البيروقراطية مدوَّلة بشكل متزايد. وتتيح الدبلوماسية الإلكترونية للدبلوماسيين الاتصال بشعوبهم والشعوب الاجنبية والاستماع إليهم والحوار معهم، هؤلاء الناس الذين انتقلوا وتواجدوا على الإنترنت، إضافة إلى فرض تأثيرهم في عالم الإنترنت المزدحم على نحو متزايد.()
    “ووفقاً لما ذكره مانور و سيجيف، تشير الدبلوماسية الرقمية أساساً إلى الاستخدام المتزايد لمنصات وسائل الإعلام الاجتماعية من قبل الدول، من أجل تحقيق أهداف سياستها الخارجية وتحسين صورتها وسمعتها. وأشار المؤلفان إلى أن الدبلوماسية الرقمية موجودة على مستويين: وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية، الموجودة حول العالم. ومن خلال العمل على هذين المستويين يمكن للدول أن تصمم رسائل السياسة الخارجية ومضامينها الوطنية بحيث تشتمل على الخصائص الفريدة للجماهير المحلية فيما يتعلق بالتاريخ والثقافة والقيم والتقاليد، ما يسهل قبول سياستها الخارجية والصورة التي تهدف إلى ترويجها “.()
    منح الفضاء الإلكتروني العالم فرصة كبيرة وأثر على طبيعة المهام الدبلوماسية وظهرت الدبلوماسية الرقمية كأحد الافرع الهامة في أنشطة الخدمات الخارجية، و بما أن الدبلوماسية تعرف بأنها فن التفاوض، فقد برزت الدبلوماسية الرقمية كوسيلة و أداة للتفاوض بحيث أخذت أشكالاً جديدة في ظل التقدم التكنلوجي، من أجل اقناع طرف أو أطراف، وأنها تجمع بين بعض السمات مثل أنها فن يصنع برامج السياسة و توصيله إلى أكبر قاعدة جماهيرية وبلغات عدة.()
    أصبحت إدارة العلاقات الدولية، وعملية إدارة المعاملات بين الدول بأساليب الحوار و التفاوض، تعيش عالماً جديداً في ظل الدبلوماسية الرقمية باعتبارها الوسيلة التي تؤكد لغة الحوار والنقاش والاقناع وفن التعامل بين العالم والمنظمات الدولية

    سمات وخصائص الدبلوماسية الرقمية:
    كل شيء أصبح في عالمنا هذا أكثر قربا من بعضه البعض‏,‏ فما يحدث في اي دولة يمكن معرفته في دولة أخرى‏,‏ وهكذا أصبحت عملية الاتصال أسهل من أي وقت مضى وسادت الشفافية في نشر المعلومات وحرية الوصول إليها ونقلها والتفاعل برمشة عين، وما تريده بين يديك على مدار الدقيقة وحسابات الثانية وانت جالس في أي مكان وبالوضعية التي تختارها.
    فالدبلوماسية الرقمية خلقت لنفسها قنواتها الجديدة التي تختلف عن القنوات الدبلوماسية التقليدية، والفاعلون داخل هذا العالم الدبلوماسي الجديد يختلفون عن نظرائهم في عالم السياسة التقليدي، حيث أصبحت الشركات الرقمية الكبرى تأخذ مكان الدول والمنظمات الدولية الكبرى. إنها ليست دبلوماسية موازية، مثلما يطلق اليوم على أنواع من الدبلوماسيات التي تستعين بها الدول لدعم سياساتها الخارجية، وإنما هي دبلوماسية قائمة بذاتها لها أسلوبها الخاص وطرق اشتغالها التي تختلف عن الدبلوماسية التقليدية.
    ومنذ انتهاء الحرب الباردة ونحن نعيش صراعاً دولياً تكمن معظم أدواته في استخدام تكنلوجيا المعلومات، وشهد تحولا جذريا في الطريقة التي يتعامل بها الفاعلون الدوليون في إدارة علاقاتهم الدولية التي تتعلق بالدبلوماسية والسياسة الخارجية، وكان للنمو المتسارع في انتشار تكنولوجيا الاتصال والمعلومات تأثيره الكبير على ممارسة الدبلوماسية، كما مثل ذلك أيضا تهديدا لعمل المسئولين الدبلوماسيين ودورهم المركزي في رسم السياسة الخارجية، وعمل ذلك أيضا على تقويض بعض المهام الدبلوماسية، وأصبحت ثورة الاتصال والمعلومات تقوم بدور كبير في نقل المعلومات حول ما يدور في الخارج وبصورة اسرع وبطريقة مباشرة وهذا ما شكل في حد ذاته إحلالا لمهمة السفير أو المبعوث الدبلوماسي.()
    وهذه الدبلوماسية الجديدة لها ما لها وعليها ما عليها. ميزتها أنها شفافة وسريعة وقوة تأثيرها ظاهرة للعيان، وهي ليست حكرا على الدول وإنما يمكن أن يمارسها أشخاص وجماعات ومنظمات، والعلاقات داخلها لا تحددها دائما المصالح وإنما يمكن أن يكون للقيم داخلها دور مهم إذا وجدت من يدافع عنها ويتبناها كخطة دبلوماسية هجومية، او تعريفية حضارية اقناعية تتسم بالترويج للبلد.
    وسلبيات هذه الدبلوماسية كثيرة، أولها عدم وجود قانون دولي يؤطرها، وغياب عادات وتقاليد يمكن البناء عليها لتأسيس علاقات دبلوماسية دولية رقمية متوازنة، كما أن هاجس الربح السريع الذي حول بعض الشركات الرقمية إلى شركات عملاقة في أسواق البورصات العالمية، يمكن أن يدفع أصحابها إلى كل أنواع الحيل التي تتيح لهم الربح الكبير والسريع.
    اما البعد الآخر الذي كان له دور في تفعيل استخدام تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في نقل المعلومات والانفتاح على الخارج وسرعة نقل المعلومات بين الداخل والخارج هو بروز دور الفاعلين من غير الدول كفاعلين دبلوماسيين وبشكل مكنهم بأن يكون لهم دور أساسي في العلاقات الدولية الجديدة، والتي من أهم ملامحها ان الدولة لم تعد الفاعل الوحيد في صنع السياسة الخارجية وأصبح إلى جانبها فاعلون آخرون يقومون بالعديد من المهام الدبلوماسية وأدى بروز الفضاء الإلكتروني وتحوله إلى أداة فاعلة في الدبلوماسية الدولية في تطوير عمل اجهزة إدارة الشؤون الخارجية لدول العالم، وأدى أيضا إلى بروز دور قوى للقوة الناعمة في العلاقات الدولية وتطور في إدارة الأزمات الدولية ومنع الصراع الدولي وبشكل جديد في إدارة التفاعلات الدولية.()
    ويتضح من خلال المتابعة والبحث في النشاط الرقمي للدبلوماسية العالمية نجد أن هنالك أربعة محاور أساسية تحدد تواجد الدبلوماسية الرقمية للدول ويقيم أداءها وهي :
    الحضور والتواجد.
    التخصيص.
    مستوى التفاعل.
    المواكبة.
    وفي ظل ذلك نجد هنالك تقرير سنوي يصدر فيه الترتيب العام لنشاط الدول ودورها في الدبلوماسية الرقمية.

    وتتميز الدبلوماسية الرقمية بعدة مزايا هي :
    الأولى: المركزية واللامركزية :عن طريق تنقية الجهاز البيروقراطي وتقليل التكلفة وتوفير قنوات اتصالية سهلة داخل المنظمة بما بما يزيد من الكفاءة والفعالية.
    الثانية: التفتت والاندماج : عبر سهولة إنشاء روابط إلكترونية افتراضية بين المجتمعات المختلفة بما عمل على سهولة الاندماج وفي نفس الوقت القدرة على التعبير عن الهوية الذاتية.
    الثالثة: الشفافية :بحالة الانكشاف العالمي ودعم التكتل والتحالف وراء قضايا عالمية وشكل ذلك لصانعي القرار قضايا تتعلق بكيفية التعامل مع المعلومات والضغوط ،
    الرابعة: التعبئة والتوجيه :بتوافر المعلومات في اتخاذ القرارات و الموازنة بين التعبئة وبين والتوجيه في اتخاذ القرار.
    الخامسة: السرعة :بتجاوز الزمان والمكان وقيود الجغرافيا بما ينعكس في تسريع الخطى لاحتواء الصراعات، والتدخل الإنساني،
    السادسة: الافتراضية : يعني المحاكاة عبر الكمبيوتر للواقع الفعلي، فالدبلوماسية الافتراضية هي دبلوماسية حقيقية،تتم عبر وسائل تكنولوجية، وبرز ما يطلق عليه بـ “الدبلوماسية الضخمة”Mega-diplomacy.. والتي تعبر عن شبكة من التفاعلات السريعة بين فاعلين رسميين وغير رسميين.()
    منح الفضاء الالكتروني كل العاملين في الحقل الدبلوماسي الفرصة للتعبير عن إمكانياتهم وقدراتهم وطموحاتهم وابداعاتهم وشكل لهم حيزاً كبيراً في جمع المعلومات وإيصالها إلى دولهم و تعزيز قدراتهم وتسهيل المتابعة لما يجري داخل بلده أو داخل الدولة التي يتواجد بها،بغية خدمة وطنه والتقدم في سلمه الدبلوماسي ويكون احد المتميزين، إذا ما أراد أن يضع بصمة متميزة تميزه عن زملاءه، كما أتاح الفرصة للدبلوماسي للتدريب عن بعد عن طريق الإنترنت والعمل على رفع قدراته العلمية واللغوية.
    لقد منح الفضاء الالكتروني فرصة فريدة لوزارات الخارجية من خلال تأسيس سفارات افتراضية في المناطق التي لا تمتلك الدولة حضور دبلوماسي لذلك بتطوير مواقع إلكترونية تؤسسها الوزارة بالدولة المعنية, وتكون ذات خدمات موسعة وحية ومتطورة.()
    ويتم توظيف الفضاء الإلكتروني في العمل الدبلوماسي عبر أدوات جديدة مثل مواقع الإنترنت الخاصة بالبعثات الدبلوماسية أو عبر استخدام الشبكات الاجتماعية مثل “تويتر” و”فيسبوك” و”يوتيوب”، والتي اتاحت فرص الوصول مباشرة إلى جمهور الدولة بدلا من الاقتصار على العلاقات مع المؤسسة الرسمية، وأصبحت تلك الأدوات الجديدة تساهم في خدمة أهداف السياسة الخارجية، ويتطلب تفعيل الدبلوماسية الرقمية العمل على تحقيق عدة اعتبارات لعل اهمها،
    الأول: عبر دمج التكنولوجيا ونشاطات الإدارة.
    الثاني: تمويل برامج تطوير التكنولوجيا,في مختلف المناصب الدبلوماسية.
    الثالث: تأسيس مركز تكنولوجيا والتعاون مع السفارات في الخارج.
    الرابع: العمل على اعتماد تمويل خاص للابتكار التكنولوجي واستخدام البرامج الإلكترونية الإدارية.
    الخامس: توسيع التشارك في المعلومات والمعارف.
    السادس: العمل على إقامة نظام موسع لإدارة العلاقات.
    السابع: تحسين قدرات البحث والاسترداد للمواد الرقمية وتوسيع استخدامها للمؤتمرات المنقولة عبر الأقمار الصناعية.
    الثامن: تبني أدوات اتصال جديدة مثل منتديات النقاش الحي الإلكترونية وخدمات الفيديو عبر الإنترنت ,والتي تغير طريقة التفاعل بين الناس في أرجاء العالم.()
    إن العالم الرقمي يطالب الدول باللحاق بالسرعة الفائقة لإنجازات هذا العالم العجيب في كل شيء، لقد أصبحت قوة الدول اليوم تقاس بمدى قوة تأثيرها داخل العالم الرقمي، وداخل هذا العالم تهيمن شركات كبيرة هي التي تقوم اليوم برسم معالم الثورة الدبلوماسية الرقمية الجديدة التي غيرت قواعد وأساليب السياسة الخارجية، وسمحت للاعبين جدد بدخول الساحة الدبلوماسية أصبحوا ينافسون بقوة تأثيرهم قوة الحكومات والدول والمنظمات الدولية.
    تتمتع الدبلوماسية الرقمية في هذه الأيام بعصر ذهبي حيث خلقت لنفسها قنوات جديدة وهي تختلف عن القنوات الدبلوماسية التقليدية، حيث أصبحت الشركات الرقمية الكبرى تأخذ مكان الدول والمنظمات الدولية الكبرى، كما أن هنالك قنوات أخرى،ومن هذه القنوات المهمة الجامعات التي تشكل زخما وتنوعا من حيث الاعداد والتنوع الثقافي وتعدد اللغات، حيث أنهم افضل السبل لتحقيق الدبلوماسية الرقمية وأن الطلاب هم الفاعلون في مجالات الإنترنت المتعددة. نحن بحاجة إلى وجود استراتيجية موصى بها لاستقطاب الطلاب وتوظيف المؤسسات التعليمية لسد الثغرات التي تواجهها وزارة الخارجية في هذا الشأن، على أن تكون لهم مرجعية تحددها الوزارة لإنجاز هذه المهمة الوطنية.
    وعلى الرغم من وجود إيجابيات لهذه الثورة الرقمية إلا أن هناك سلبيات تفرض نفسها، وهو ما شدد عليه نيك جونيج المذيع الدولي بهيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سي»، والأستاذ الزائر بكلية كينج، بقوله إن «هناك فرصا ومخاطر يفرضها العصر الرقمي على السياسة، فكل شيء مرئي، وبالتالي خاضع للمساءلة»، مؤكدا أن «العالم يشهد نهاية التحكم الرسمي في الفضاء الافتراضي، وحرب معلومات خاصة أن العامة يضغطون على الحكومات، وأن على هذه الحكومات اتخاذ قرارات خاصة فيما يتعلق بالحروب بناء على ضغط الشعوب، لكن القادة الأكثر وعيا لا يتسرعون في اتخاذ مثل هذه القرارات».()
    ويصف الدكتور تايلور أوين الأستاذ المساعد للإعلام الرقمي والشؤون الدولية في جامعة «بريتيش كولومبيا» بكندا هذه الثورة الرقمية في مجال السياسة الخارجية بأنه «تحول في بنى القوة يحدث نتيجة بنى متناسقة تسبب تغيرات كبرى في السياسة الخارجية عبر تحدى المؤسسات الهرمية التقليدية، والتى فقدت الاحتكار الذى كانت تستغله من أجل موقف موحد، ودفع الناس من أجل فعل أشياء معينة، لكن هذا لم يعد يحدث، وهو ما يمثل تهديدا أساسيا لهذه المؤسسات».()
    إن الدبلوماسية الرقمية تقوم على نموذج الاتصال الرقمي المبادر أو المسترجع ثم التغذية الراجعة، والتحليلات الاجتماعية القائمة على حجم المشاركة التفاعلية، ثم تأتى عملية التأثير المعروف بالقوة الناعمة العاملة على توجيه الإدراكات والآراء والقيم والاتجاهات وصولا إلى إنتاج بيئة خارجية متعاونة وصديقة على صعيد السياسات الخارجية.
    خلاصه القول أن السياسة الخارجية النشطة تتطلب دبلوماسية رقمية نشطة، ويتعين على الدول دمج الدبلوماسية العامة الرقمية في عملية صنع قرار السياسة الخارجية وتنفيذه، خصوصا وأن جيل الإنترنت الذي تتصاعد أهميته في صنع السياسات الخارجية في العالم.
    أصبح العالم أكثر قربا من بعضه البعض‏,‏ فما يحدث في اي دولة يمكن معرفته في دولة أخرى‏,‏ وهكذا سادت الشفافية في نشر المعلومات وحرية الوصول إليها ونقلها والتفاعل بشأنها‏,‏ وبما يؤثر في تعبئة الرأي العام العالمي خلف ما يحدث ودفع الجماهير للقيام برد فعل قد يغلب عليه الاستجابات العاطفية تارة أو المساعدة في التوجيه في اتخاذ القرارات تارة أخرى‏,‏ وذلك من قبيل الموازنة بين التكلفة والعائد للصراع مع تجاوز الزمان والمكان وقيود الجغرافيا للكشف عن اماكن الكوارث والصراع‏,‏ وبما يعمل علي تسريع الخطى لاحتواء الصرإعات والتدخل الدولي في إطار الأمن الإنساني المشترك.
    وشهد العالم منذ انتهاء الحرب الباردة تحولا جذريا في الطريقة التي يتعامل بها الفاعلون الدوليون في إدارة علاقاتهم الدولية التي تتعلق بالدبلوماسية والسياسة الخارجية، ووقف خلف ذلك بعدان هامان يتعلق احدهما بمعدلات النمو المتسارعة في انتشار تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وتأثيرها الكبير على ممارسة الدبلوماسية، ومثل ذلك أيضا تهديدا لعمل المسؤولين الدبلوماسيين ودورهم المركزي في رسم السياسة الخارجية،وعمل ذلك أيضا على تقويض بعض المهام الدبلوماسية، وأصبحت ثورة الاتصال والمعلومات تقوم بدور كبير في نقل المعلومات حول ما يدور في الخارج وبصورة اسرع وبطريقة مباشرة وهذا ما شكل في حد ذاته إحلالا لمهمة السفير أو المبعوث الدبلوماسي.
    أما البعد الآخر الذي كان له دور في تفعيل استخدام تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في نقل المعلومات والانفتاح على الخارج وسرعة نقل المعلومات بين الداخل والخارج هو بروز دور الفاعلين من غير الدول كفاعلين دبلوماسيين وبشكل مكنهم بأن يكون لهم دور أساسي في العلاقات الدولية الجديدة، والتي من أهم ملامحها ان الدولة لم تعد الفاعل الوحيد في صنع السياسة الخارجية وأصبح إلى جانبها فاعلون آخرون يقومون بالعديد من المهام الدبلوماسية وأدى بروز الفضاء الإلكتروني وتحوله إلى أداة فاعلة في الدبلوماسية الدولية في تطوير عمل اجهزة إدارة الشئون الخارجية لدول العالم،وأدى أيضا إلى بروز دور قوى للقوة الناعمة في العلاقات الدولية وتطور في إدارة الأزمات الدولية ومنع الصراع الدولي وبشكل جديد في إدارة التفاعلات الدولية.()

    العصر الرقمي الجديد وأهميته في العلاقات الدولية والعمل السياسي
    ظهرت وسائل الإعلام الجديد كمصطلح واسع النطاق في الجزء الأخير من القرن العشرين ليشمل دمج وسائل الإعلام التقليدية مثل الأفلام والصور والموسيقى والكلمة المنطوقة والمطبوعة، مع القدرة التفاعلية للكمبيوتر وتكنولوجيا الاتصالات، وتطبيقات الثورة العلمية التي شهدها مجال الاتصال والإعلام، حيث ساهمت الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال في التغلب على الحيز الجغرافي والحدود السياسية، والتي أحدثت New media تغيير بنيوي في نوعية الكم والكيف في وسائل الإعلام. والمقصود بوسائل الإعلام الجديدة ببساطة هي وسائل الإعلام الرقمية وذلك لتفريقها عن وسائل الاعلام التقليدية .17 (Interactive) والتفاعلية (Internet) والشبكية Digital.
    نحن نعيش في عالم رقمي جديد زادت فيه المعرفة الاتصالية ، وخاصة من قبل الفتيان والشباب ، وخلق أجواء تفاعليه فقد تعددت الوسائل الإعلامية وكثر معها أصحاب الرسائل وتعددت موادهم الإعلامية والتي فيها الغث والسمين والصالح والطالح والصادق والكاذب وجعلت العالم يعيش في متاهات عديدة.
    ومن هنا كان لزاماً على الدول والباحثين والمختصين أن يبحثوا في جوهر هذه الوسائل من حيث الشكل والمضمون وخاصة في وطننا العربي الذي ومع الأسف يستهلك ولا يبدع ، وهذا ما يجعلنا أن نعمق البحث عن تلك الوسائل و معرفة فحوى المادة التي تبثها والتحقق من تاثيراتها ، وحقيقة من يقف خلفها وتحديد الأهداف التي يريدون الوصول اليها .
    إن تسليط الضوء على الدبلوماسية الرقمية ووسائل التواصل الحديثة واهميتها في العمل السياسي والعلاقات الدولية مسألة في غاية الأهمية ، وكيف تلعب هذا الدور ؟ وكيف يمكن استثمارها ، واكتشاف قدرتها على الوصول إلى كافة فئات المجتمع .
    قد لا يدرك عموم الناس خطورة الإعلام الرقمي الجديد وحقيقة تأثيره ، وان سلبياته متعددة ومخاطره على الأمن الشامل لا تتوقف على شكل واحد يمكن رصده بل هنالك أشكال متعددة للسلبيات المتأتية من هذا الإعلام .
    17 – د. فينان عبد الله الغامدي : التوافق والتنافر بين الإعلام التقليدي والإعلام الإلكتروني، ورقة بحثية مقدمة إلى ندوة الإعلام والأمن الإلكتروني، جامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية في (2012)
    سهلت التقنيات الحديثة طرق استخدامها ومعرفة قدرتها على إيصال المعلومة في كل زمان ومكان ، في إطار المضامين الإيجابية والسلبية والتي ليس من السهل السيطرة عليها
    وإذا كان بعض الأفراد أو الأسر يمارسون المنع والرقابة إلا ان الخطورة من إساءة استغلالها تبقى على درجة عالية جداً ويمكن أن تؤثر على المجتمع الكلي ضمن المنظومات الدولية وما يهمنا فان الأثر الأكبر يقع على مجتمعاتنا العربية . إن علينا أن نبحث في استخدام هذه الوسائل من حيث الإيجاب والسلب ولعلي أتحدث عن أهم الوسائل المؤثرة أو لنقل المسببة للفراغ الفكري لدى المجتمعات بشكل عام والمجتمعات العربية بشكلٍ خاص والتي تمثلت بالقنوات الفضائية بالإضافة إلى الوسائل التقنية الإعلامية الأخرى (الهاتف الجوال، الإنترنت، وسائل التخزين الصوتية والمرئية المختلفة، الألعاب الإلكترونية).
    إن ما كان يعتبر افتراضيا أصبح أمرا واقعيا. وأصبحت شركات الإنترنت العملاقة التي تهيمن على العالم الافتراضي، ولم تعد مجرد شركات لتقديم خدمات في العالم الافتراضي ، وإنما أصبحت قوى فاعلة ومؤثرة في عالمنا الواقعي وفي سلوكنا وفي تحديد سياسات الدول وبناء العلاقات الدولية.
    وقد تسبب ذلك في تهيئة المجتمعات لاستقبال ما يبث والانقياد له، ومن المعلوم أن ما يبث من مواد إعلامية ضارة هو أحد الأسباب الرئيسية لانحراف الشباب وارتكابهم المحاذير الأمنية المختلفة، وحين نتحدث عن الإعلام الجديد فيجب أن نشير إلى القنوات الفضائية ودورها في وطننا العربي كان محدوداً ، كان عدد الفضائيات العربية قبل 2003 لا يتجاوز 31 قناة ، أما اليوم فنحن نتحدث عن 1364 قناة تسبح في الفضاء العربي حكومية وخاصة واجنبية . ويتضمن خطابها الإعلامي الكثير من الخليط الآسن وخاصة القنوات الدينية والمنوعات إلى جانب السياسية والاخبارية والتي تبث التسميم السياسي .
    أن القائمين على الفضائيات والقنوات التلفزيونية العربية قد استمرأوا سياسة بث المادة الهشة بقصد استقطاب المشاهدين دون النظر أو الالتفات إلى المصلحة العامة، مع أنه يفترض أنهم على درجة من الوعي والإدراك بأن تلك المواد سوف تخرج أجيالاً لديها ثقافة سطحية جداً وليس لديها من مقومات النهوض بمستقبل الأمة ولا النزر اليسير، ولا أدل على ذلك من طبيعة المواد التي يتم بثها خاصة أوقات الذروة حيث نلاحظ أنه كلما زادت أهمية ساعة البث بسبب زيادة أعداد المشاهدين حيث تبث البرامج الهشة والضعيفة المحتوى. ومع الأسف وصلت بعض القنوات العربية ومنها تحديداً اللبنانية نزع الحياء من خلال برامج ذات اسقاطات لا أخلاقية ..
    يرى الباحث أهمية ملاحظة الدور الذي باتت تلعبه بعض القنوات الفضائية وتأثير بعضها السلبي الواضح على أفراد المجتمع، مع ضرورة التنسيق مع ملاك تلك القنوات لتوجيهها بما يخدم المجتمع ويعين على نشر ثقافته، لا تركها تبث ما يؤثر فيه سلباً من خلال بث مواد غير متوافقة مع شريعته، دون حسيب أو رقيب.

    وسائل التواصل الحديثة
    مسميات الاعلام الجديد :
    لقد تعددت أسماء الإعلام الجديد، ولم تقف كذلك على اسم موحد، ومن هذه الأسماء:
    الإعلام الرقمي: لوصف بعض تطبيقاته التي تقوم على التكنولوجيا الرقمية مثل التلفزيون الرقمي، الراديو الرقمي، وغيرهما، أو للإشارة إلى أي نظام أو وسيلة إعلامية تندمج مع الكمبيوتر.
    الإعلام التفاعلي: طالما توفرت حالة من العطاء والاستجابة بين المستخدمين لشبكة الانترنت والتلفزيون والراديو التفاعليين وغيرهم من النظم الإعلامية التفاعلية.
    الإعلام الشبكي: على خطوط الاتصال بالتركيز على تطبيقاته في الانترنت وغيرها من الشبكات.
    الوسائط السيبرونية: من تعبير الفضاء السيبروني الذي أطلقه كاتب روايات الخيال العلمي ويليام جبسون في روايته التي أصدرها عام 1984.
    إعلام المعلومات: للدلالة على التزاوج بين الكمبيوتر والاتصال وعلى ظهور نظام إعلامي جديد يستفيد من تطور تكنولوجيا المعلوماتية ويندمج فيها.
    إعلام الوسائط المتعددة: حالة الاندماج التي تحدث داخله بين النص والصورة والفيديو.18
    ومن أهمّ هذهِ الوسائل التقنيّة والتي تُعتبر القوّة الضاربة في عالم الاتصالات الحديثة هي تقنية شبكة الإنترنت، وهي شبكة المعلومات الدولية التي من خلالها استطاع العالم أن يتواصل بلا حُدود وكأنّهُ غرفة صغيرة تحتوي على الأجهزة المطلوبة ، حيث أصبح من المُمكن الوصول إلى أيّ معلومة من خلال المواقع الإلكترونيّة التي توفّرها هذهِ الشبكة، وكذلك تُمكّن هذهِ الشبكة مُستخدميها من التواصل مع بعضهِم، من خلال العديد من البرامج والتطبيقات التي تدعمها الشبكة، سواء عن طريق أجهزة الحواسيب أو أجهزة الهواتف الذكيّة، حيث يستطيع المُستخدمون للشبكة التواصل فيما بينهُم ولكن بشرط توافر التطبيقات المعنيّة بالتواصل الاجتماعيّ، وقد ابدع العقل الإنساني في العديد من وسائل التواصل الاجتماعي والتي هيَ تطبيقات وبرامج تستخدم شبكة الإنترنت للتواصل، ومن أهمّ الأمثلة عليها تطبيق الفيسبوك، الذي يُتيح التواصل بين الناس من خلاله عن طريق حسابات مُستخدمين لهؤلاء الناس، وبالتالي التواصل فيما بينهم من خلال التطبيق أو الموقع الإلكترونيّ، وكذلك من التطبيقات الشهيرة والوسائل المُستخدمة في التواصل الاجتماعيّ عبر الهواتف الذكيّة هو تطبيق الواتس اب، الذي يُتيح التواصل الكتابي والصوتي وتبادل الوسائط المتعددة من خِلاله، وعبر شبكة الإنترنت كوسط تقني لخدمة هذه الوسيلة للتواصل الاجتماعيّ.

    نسرين حسونة : الإعلام الجديد … المفهوم والوسائل والخصائص والوظائف. موقع إمداد 17-5-2015 أشكال المخاطر الأمنية المتأتية عن الإعلام الرقمي الجديد
    مخاطر وسلبيات الإعلام الرقمي
    أولاً: مخاطر متعلقة بالفكر الإرهابي ونشر ثقافة العنف:
    ثانياً مخاطر متعلقة بإشاعة الفوضى ونشر ثقافة إسقاط مؤسسات الدولة ومرافقها كما فعل بالعراق .
    ثالثاً: مخاطر متعلقة بإثارة النعرات الطائفية والعنصرية:
    رابعاً مخاطر متعلقة بالجريمة الجنائية الرقمية:
    بعد أن استعرضت بشكل موجز شيئاً من الدور الذي تلعبه مواقع الإنترنت وبعض القنوات الفضائية وتأثيراتها السلبية على الأمن بشكل عام، يجدر بنا أن لا نغرق في الحلول هنا، ولكني أشدد على أهمية دور المنظمات والأحزاب السياسية والأمم المتحدة بشكل خاص .19

    العلاقات الدولية والدبلوماسية الرقمية
    ظهرت العلاقات الدولية بمفهومها الحديث بعد احداث الحربين العالميتين الأولى و الثانية و ظهور عصبة الأمم و منظمة الأمم المتحدة حاليا
    و تعرف على انها مجموعة العلاقات الاقتصادية و السياسية و القانونية و الدبلوماسية التي تربط الدول و المنظمات و المؤسسات المالية و الغير المالية على المستوى الدولي
    الإعلام الرقمي( الإعلام الجديد ) .. أدوات تواصل متنوعة ومخاطر أمنية متعددة. موقع سماء الاعلام 2019.

    كما يمكن تعريف العلاقات الدولية بالعلاقات التي تربط بين الجماعات الانسانية و القوى السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الحركات الشعبية المتواجدة في الساحة الدولية أو مجموع العلاقات بين شعوب العالم بالمعنى الواسع للعبارة
    و يعرف دانييل كولار العلاقات الدولية على انها مجموعة العلاقات المرتبطة بعلاقات السلم و الحرب التي تعيشها الدول و المنظمات الدولية و تضم جميع المبادلات و التفاعلات و النشاطات التي تتعدى حدود الوطن الواحد.

    فعلى كل اطراف العلاقات الدولية في الوطن العربي الاعتراف ، أن الثورة الرقمية غيرت قواعد عملية ممارسة السياسة الخارجية، وسمحت للعلاقات الدولية أن تحتضن لاعبين جدد يسمح لهم بدخول الساحة الدبلوماسية وبشرت بعصر جديد من الشفافية والمحاسبة للاعبين الحاليين، ليس للحكومة فقط بل للشركات وصناعة الإعلام، وأبعد من ذلك الجماهير الواسعة، و أقرب الأمثلة وضوحاً ،كان في 2011، مع انطلاق شرارات الثورات العربية، حيث كان الإنترنت المحرك لأخبار الميادين حول العالم، وهو ما دفع الدبلوماسيين إلى استخدام وسائل التواصل من أجل توصيل رسائلهم. العشرات من وزراء خارجية الدول لديهم حسابات رسمية على تويتر إلى جانب الحسابات الشخصية.
    وفي هذا السياق فقد كشف تقرير أعدته شركة (تكنو وايرلس) المصرية المتخصصة في التسويق الاليكتروني وشبكات الهاتف المحمول عن زيادة كبيرة في استخدام الإنترنت في مصر بعد الثورة المصرية في 25 يناير 2011 حيث لعب الإنترنت بشكل عام وموقعا (الفيسبوك و تويتر للتواصل الاجتماعي بشكل خاص دورًا فاعلًا في الانتفاضة الشعبية في مصر التي استمرت 18 يومًا وأدت إلى تخلي مبارك عن السلطة وتسليمها للجيش في 11 فبراير 2011 وذكر التقرير أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر قبل 25 يناير كان يبلغ 21,2 مليون شخص لكنهم وصلوا خلال الثورة إلى 23,1 مليون بعد هذا التاريخ وذكر التقرير أن عدد مستخدمي فيس بوك قبل 25 يناير كان 4,2 مليون شخص لكنه ارتفع 23,8% بعد الثورة أي 5,2 مليون أما تويتر فكان عدد مستخدميه قبل الثورة 26,800 مستخدم زاد بعدها إلى 44,200 حسب التقرير. (20)
    فهل كان هنالك إعداد مسبق لاستغلال الانترنت في التدخل في شؤون البلدان ضمن إطار السياسة الخارجية وأحداث التغييرات ؟ وهل من حقنا و ضع أمريكا في أي جملة تصاغ و في أي مكان من العالم، فهي الدولة العظمى التي تنتشر قواعدها العسكرية في كل الدنيا، وتمتلك الأسطول الأقوى الذي يحرس تجارتها ومصالحها في محيطات وبحار العالم، ويمثل اقتصادها حوالي خمس اقتصاد العالم، ولذا فأميركا هي اللهو الخفي أحيانا والظاهر دائماً،وهي المشتبه فيه سواء كان الفاعل معلوماً أم مجهولاً. كثيرة هي النظريات التي تشير إلى أصابع امريكية وراء الثورات العربية، وهو الأمر الذي لا يبدو متسقاً مع المنطق للوهلة الأولى ؛ فكيف يمكن لأمريكا أن تتخلى عن حلفائها الذين خدموها بكل إخلاص؟ وكيف تزيح أمريكا حليفاً معلوماً من أجل قادم مجهول؟ طبقاً لنظرية المصالح ولكن إذا ما عدنا إلى عام 1979 وكيف تمت عملية إزاحة شاه إيران محمد رضا بهلوي والمجيئ بخميني ، يجعلنا أن نصدق السياسة الأمريكية وطريقة التخلي عن حلفائها.
    وارى ان موقع مثل “ويكيليكس” لا زال يلعب دوراً في التأثير على دبلوماسيات الدول الكبرى، والدور الكبير الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي مثل “تويتر” و”فيسبوك” في “الثورة الخضراء” في إيران، وفي ثورات “الربيع العربي” في المنطقة العربية. لكن الأمر هنا لم يعد يقتصر فقط على تأثير الإنترنيت في بعض الأحداث التي تعيد رسم السياسة الدولية والعلاقات بين الدول، وإنما بمفهوم جديد هو “الدبلوماسية” الرقمية كآلية جديدة في العلاقات الدولية.

    موقع رويترز العربي (زيادة كبيرة في مستخدمي الانترنت في مصر بعد ثورة يناير ) 17-3-2011

    لكن كيف يمكن أن تتم تنفيذ عملية الدبلوماسية الرقمية فى مناطق الصراعات والأزمات؟
    تجيب ديبورا سيوارد مديرة شعبة الاتصالات الاستراتيجية فى إدارة الأمم المتحدة للمعلومات العامة بأن «الناس ينظرون إلى الأمم المتحدة من أجل حلول سريعة، وأن أحد التحديات التى تواجه ذلك أن هناك كمية هائلة من المعلومات تأتى من مصادر مختلفة، والتى تقود بشكل دائم إلى الحاجة الدائمة لمحاسبة المسئولين».
    إن تكنولوجيا المعلومات في عصرنا الحالي أصبحت ذات أهمية عظمى حيث تحتوي في مضمونها على جميع نواحي الحياة الاجتماعية للشعوب وخصوصًا مجال الإعلام والاتصال وقد ظهرت أجيال جديدة تعتمد على التكنولوجيا بشكل رئيسي وبالتالي فإن الاتصال الرقمي الذي يتناوله العديد من علماء الاجتماع السياسي في دراساتهم كان له التأثير العظيم في تغيير الواقع السياسي والاجتماعي على المستوي المحلي والإقليمي والدولي وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط.
    وهنا تعددت محاولات التمييز بين المفاهيم المحورية المتداخلة، التي يثيرها تعريف العلاقات الدولية، ومن ذلك التمييز بين المجتمع الدولي والنظام السياسي الدولي، وبين السياسة الدولية والعلاقات الدولية:
    أولاً: التمييز بين مفهومي “المجتمع الدولي” و”النظام الدولي”:
    يشير مفهوم المجتمع الدولي إلى مجموع المجتمعات السياسية الفردية التي تسمى بالدول القومية، والتي تتكون كل واحدة منها من شعب وإقليم وحكومة واقتصاد فى إطار شخصية لها ذاتيتها القومية المميزة (الثقافة القومية) التي تعمل على توحيد هذا المجتمع فى مواجهة غيره من المجتمعات القومية المنافسة. ويتحقق المجتمع الدولي عندما يتاح له أن يضم فى عضويته هذه الدول القومية، وضمن هذه العضوية تحظى بعض الدول دون غيرها باعتراف دولي واسع بأنها دول كبرى ذات قوة ونفوذ ومكانه وتأثير.
    أما مفهوم النظام الدولي، فعرّفه “ولتز” بأنه عبارة عن مجموعة من الوحدات التي تتفاعل فيما بينها، فمن ناحية يتكون النظام من هيكل أو بنيان ويتكون من ناحية أخرى من وحدات تتفاعل معها، وكان “ستانلي هوفمان” أكثر تحديداً فى رؤيته للنظام الدولي، فهو يرى أنه عبارة عن نمط للعلاقات بين الوحدات الأساسية الدولية، ويتحدد هذا النمط بطريق بنيان أو هيكل العالم، وقد تطرأ تغيرات على النظام مردها التطور التكنولوجي أو التغير فى الأهداف الرئيسية لوحدات النظام أو نتيجة التغير فى نمط وشكل الصراع بين مختلف الوحدات المشكّلة للنظام. أما “مورتون كابلان” فقد عرّفه بأنه “وجود مجموعة من القواعد والقيم والمعايير المترابطة التي تحكم عمل العلاقات بين الدول وتحدد مظاهر الانتظام والخلل فيها خلال فترة معينة من الزمن”.
    ويختلف مفهوم النظام السياسي الدولي، عن مفهوم المجتمع الدولي، من عدة نواح، فالمجتمع الدولي هو المجتمع الذي ينتظم كافة الدول فى عضويته، وهو الذي يمنحها الاعتراف، كما أنه يتعامل معها جميعا على قدم المساواة دون تفرقة أو تمييز، وهو الذي يقر لها بصلاحيات السيادة الوطنية الكاملة وغير المشروطة على أراضيها، الخ، أما النظام السياسي الدولي فإنه أكثر تحديدا فى مفهومه وكذا فى الأسس التي يرتفع فوقها بنيانه.
    فالتفاعلات والأنشطة السياسية الدولية، ينتج عنها أنماط مختلفة ونماذج متباينة من العلاقات التي تتركز حول أطر وهياكل تنظيمية معينة، كما أن تلك العلاقات تحكمها وتنظمها قواعد ومعايير سلوكية دولية محددة، هي القواعد والمعايير التي يمكن أن تتطور بالوقت وفق ما تقضى به معطيات الواقع وتفرضه متغيرات الظروف.
    كذلك فإن النظام السياسي الدولي قد يكون عالميا، أو قاريا، أو إقليميا، وقد أخذ النظام العالمي طابعه المؤسسي المحدد مع عصبة الأمم أولا إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، ثم تطور فيما بعد مع قيام الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن النظام السياسي الدولي، ليس مرادفا للأمم المتحدة مثلا، فهو أكبر من ذلك بكثير، فجانب الأمم المتحدة توجد منظمات دولية إقليمية عديدة، تمثل روافد لهذا النظام السياسي الدولي، وهى بما تحويه من أنشطة وتؤديه من أدوار، تؤثر فى أدائه وفى توجهاته، كما أن هناك الكثير من العلاقات الدولية التي تتم خارج إطار الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية الإقليمية، وتؤثر بصورة أو أخرى فى أداء النظام السياسي الدولي.
    ثانياً: التمييز بين مفهومي “السياسة الدولية” و”العلاقات الدولية”:
    ينصب اهتمام السياسة الدولية على محاولة التعرف على الكيفية التي تتعامل بها الدولة، مع السياسات الخارجية التي تنتهجها القوى والأطراف الفاعلة فى النظام الدولي، وفى طليعتها الدول، سواء ما تعلق من ذلك بمواقف التعاون أو الصراع أو التعامل الروتيني المنتظم من خلال قنوات الاتصال والتنسيق والتشاور والتفاوض بالوسائل والأدوات الدبلوماسية المتعارف عليها دوليا.
    أما العلاقات الدولية فيتسع إطارها ويمتد ليشمل كل صور العلاقات والمجتمعات والشعوب والجماعات الحاضرة فى الساحة الدولية أو بالأحرى التي يضمها المجتمع الدولي، فهي مجموعة العلاقات عبر القومية من سياسية وغير سياسية، من رسمية وغير رسمية، الخ.21
    د. عصام عبد الشافي 15. فبراير، 2016 مفهوم العلاقات الدولية : إشكاليات التعريف ، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية 17-2-2016

    وفى إطار هذا الجدل، يمكن التمييز بين ستة تيارات أساسية، فى تعريف العلاقات الدولية، هي:
    الأول: يرى أن العلاقات الدولية هي “العلاقات بين الدول” ويهتم بالبحث عن أنواع الدول وأنماط العلاقات بينها، ودور الجماعات الأفراد فى صنع السياسة واتخاذ القرار فى هذه الدول.
    الثاني: يرى أن العلاقات الدولية هي “العلاقات بين الأمم”، أي بين الحكومات أو بين الجماعات والأفراد التي تنتمي إلى أمم مختلفة والتي تثير موضوع قوة الدولة. وهذا التعريف يغفل بعض العلاقات التي لا تثير بالضرورة مشكلة قوة الدولة، ففي حين تتضمن التجارة الدولية ذلك البعد فإنه لا يثور فى مسألة أخرى، كالاتصالات البريدية كما أن هذا التعريف ينكر وجود وحدات دولية أخرى غير الأمم.
    الثالث: يرى أن العلاقات الدولية هي “العلاقات بين مجموعات ذات قوة”، ويتسم هذا التعريف باتساع نطاقه لدرجة تظهر معها الحاجة إلى التمييز بين أنماط العلاقات السياسية والاقتصادية، والثقافية …، وتحديد أكثر دقة للمقصود بالجماعة ذات القوة.
    الرابع: يرى أن العلاقات الدولية هي “العلاقات العبر قومية”، وهذا التعريف لا يقصر موضوع العلاقات الدولية على العلاقات الرسمية بين الدول ومن ثم فهو يشير إلى اتساع حدود ونطاق مجال دراسة العلاقات الدولية، ويرى البعض أنه من الأجدر التركيز على علاقات القوى بين الوحدات السياسية فى العالم.
    الخامس: يرى أن العلاقات الدولية هي “العلاقات بين كل الجماعات التي تهم المجتمع الدولي ولكن مع التركيز على العلاقات بين الجماعات ذات الوزن الحقيقي فى التأثير على هذا المجتمع”، وهذا يثير صعوبة تحديد المقصود بالمجتمع الدولي والتحليل الهيراركي للمجتمعات المكونة له.
    السادس: ينظر إلى العلاقات الدولية على أنها “العلاقات بين المجموعات الأساسية التي ينقسم إليها العالم وبصفة خاصة تلك القادرة على التحرك المستقل”.
    وفي إطار هذه التيارات يمكن القول إن تعريف العلاقات الدولية يدور حول محورين أساسيين هما: أنماط العلاقات ونطاقها وطبيعتها، والوحدات الأساسية التي تقع بينها هذه العلاقات، وهو ما يثير التساؤل حول: الوحدات الأساسية في دراسات العلاقات الدولية، ومستويات تحليل الظاهرة الدولية، ونطاق امتداد مجال دراسة العلاقات الدولية، وهل يضم كل أنماط العلاقات بين كل الوحدات الدولية؟”2
    وهنا لابد من استثمار الدبلوماسية الرقمية من خلال توظيف وسائل التواصل الحديثة خدمة للعلاقات الدولية والعمل السياسي
    لما كان مصطلح « الدبلوماسية الرقمية » حديثاً نتيجة التطور التكنولوجي الهائل في مجال الاتصالات، وكيف أن المؤسسات العملاقة مثل فيسبوك وتويتر وغيرها فرضت ذلك التغيير في جميع مناحي حياتنا، وأصبح الواقع هو كيفية تسيير تكنولوجيا التواصل الرقمي في تطوير أعمالنا وجعلها في خدمة مصالحنا وتحقيق أهدافنا، فهذا يعني اننا أمام رؤية جديدة للدبلوماسية العامة والتي هي أحد أهم عناصر القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لترويج قيمها وأفكارها. وقد زاد الاهتمام بها في الدوائر البحثية والأكاديمية، وكذلك في دوائر السياسة الرسمية بمجال الدبلوماسية العامة، خصوصاً بعد أحداث سبتمبر، التي تلتها الكثير من التوترات في العالم، وكشفت هذه التوترات مدى الحاجة إلى مد الجسور بن الشعوب والأمم وإيجاد مساحات للتفاهم والحوار.
    وتعرّف الدبلوماسية العامة بأنها مجموعة متنوعة ومتداخلة من الأنشطة التي تقوم بها الدول في إدارة علاقاتها الدولية وصنع سياستها الخارجية وتحقيق مصالحها.
    ومع ثورة الإعلام الرقمي وصعود دور شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية، أصبحت هذه الشبكات إحدى أهم وسائل الدبلوماسية العامة، حيث يستطيع
    القائم بالدبلوماسية العامة مخاطبة الملايين من الناس عبر هذا الفضاء اللامحدود مباشرة، وهو الذي أصبح يعرف بمصطلح « الدبلوماسية الرقمية ». وقد لجأت الكثير من الدول إلى إنشاء دوائر مختصة بالدبلوماسية الرقمية في وزارات الخارجية ومكاتب الرؤساء وغير ذلك من الدوائر المختصة.22
    تضجّ غرف الأخبار يومياً بالتصريحات والآراء التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر حسابه الرسمي أو الشخصي في تويتر مكتفياً في ذلك بنشر جمل قصيرة تغيّر الشأن والاهتمام الدولي، كما تمتلك أغلب الدول حسابات وصفحات رسمية لمؤسساتها وقادتها وللمسؤولين فيها، تقوم بمهام تمثيل الدولة والتصريح عنها، وكثيراً ما شاهدنا قيام السفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي بالتصريح بآرائهم والرد حول تساؤلات تتعلق بمواقف دولهم تجاه أحداث جارية، لتتحول الأدوات الرقمية كوسائل للتواصل مع جماهير أجنبية يقدمون لها السياسات الخارجية لبلدهم ويبدون صورة أكثر قرباً معهم.
    لكن من جهة أخرى ينظر إلى هذه المساحة الدخيلة إلى الدبلوماسية بنظرات قلق وتخوّف من قبل بعض السياسيين والدبلوماسيين بوصفها بيئة نشطة لضخ الأخبار المزيفة ونشر الشائعات والمعلومات المغلوطة؛ بهدف التأثير سلباً على المجال العام وشحنه عاطفياً وتضليله لتأجيج الجمهور الرقمي تجاه قضايا أو شخصيات ما.
    نفس المصدر السابق أعلاه

    مع وجود الدبلوماسية الرقمية أصبح بالإمكان أن تكون طرفاً مساعداً للدبلوماسية التقليدية
    لسنوات طويلة اعتمدت الدبلوماسية في مفهومها التقليدي على التفاعلات بين المسؤولين الحكوميين، وعلى الرغم من تبني الدبلوماسية العامة لاتجاهات أكثر سعة، إلا أن التواصل والاتصال فيها كان عادة أحادي الجانب، ومع تطور وسائل التواصل وظهور منصات مثل تويتر وفيسبوك أصبح للمسؤولين الحكوميين القدرة على الحديث مباشرة مع الجمهور والتأثير المتبادل بين الطرفين.
    في مقال نشر في وقت سابق في مدونة تطبيق اسطرلاب، تحدثنا حول مفهوم الدبلوماسية الرقمية واختلافها عن التقليدية، ونتمم اليوم الحديث حول المنافع والتحديات التي تنطوي عليها، مستفيدين في ذلك من مقالين بحثيين تناولا الموضوع وأدرجناهما في نهاية التدوينة كمصدرين ينبغي الرجوع إليهما إلى من يريد المزيد من التفصيل.
    منافع الدبلوماسية الرقمية
    توسع مساحات وصول الجهد الدبلوماسي
    لا تنحصر جهود تعزيز وتقوية العلاقات الدولية بأنها بين طرفين رسميين، سواء أكان ذلك بين الروؤساء أو الوزراء أو السفارات أو الهيئات والمنظمات، ومع وجود الدبلوماسية الرقمية أصبح بالإمكان أن تكون طرفاً مساعداً للدبلوماسية التقليدية.
    أضحت المسافات البعيدة بين الدبلوماسيين والجماهير المستهدفة أقل أهمية مع تفشي استخدام التقنية في التواصل وإمكانية فرز الجماهير وفقاً للاهتمامات والمواقع الجغرافية والفئات العمرية وتقسيمات أخرى
     فهي تعزز عمل الدولة في تحقيق السياسات الخارجية بشكل سريع ومباشر، وتوسيع التواصل الدولي والتأثير على الأشخاص والجهات التي لا تصلها جهود الدبلوماسية التقليدية، والتخاطب مباشرة مع الهيئات المدنية الفعالة وقادة الرأي العام في الدول التي تدخل في نطاق استهداف وعمل الجهاز الخارجي للدولة.
    رسائل متعددة بمغزى واحد
    لقد أضحت المسافات البعيدة بين الدبلوماسيين والجماهير المستهدفة أقل أهمية مع تفشي استخدام التقنية في التواصل وإمكانية فرز الجماهير وفقاً للاهتمامات والمواقع الجغرافية والفئات العمرية وتقسيمات أخرى، إذ يمكن الآن توجيه رسائل متعددة ذات مغزى واحد لفئات مختلفة من الفئات المستهدفة بغرض تحقيق تواصل نافع أكبر معهم، ثم مراقبة ردود الأفعال وتحديد وتصنيف المتفاعلين مع الرسائل وفقاً لنوع التفاعل الذي أظهروه تجاه الرسالة، كما أن ذلك يساعد في فهم رغبات الجماهير وتقييم وتقويم السياسات المعمول به وتبادل الأفكار مع الجماهير المستهدفة بشكل أكبر من أجل تحقيق فهم أعمق لأفكارهم المتعلقة بالشأن العام.
    بيئة سريعة التحرك والاستجابة
    يتم ذلك كله من خلال تبادل سريع وفعّال للمعلومات ومعرفة بالأحداث الجارية، والتي يمكن أن تكون ميزة للمصلحة العامة، ففضلاً على أنها توفر معلومات مفيدة للغاية يمكن جمعها وتحليلها وتهيئة مسارات للاستجابة لها والتفاعل معها، فهي توفر أيضاً مساحة للتصدر وإجراء تحركات عاجلة تحقق عواقب إيجابية للبلد. 
    هذه العملية كلها لا تتطلب ميزانيات مالية ضخمة لتحقيقها، إذ يؤدي الاستخدام الصحيح للأدوات المتعددة مجانية الاستخدام إلى خفض التكاليف المالية بشكل كبير
    و عند أوقات الأزمات، تبرز الحاجة إلى تهيئة الأرضية للتداول الصحيح للمعلومات وإدارتها ثم اتخاذ خطوات ناجعة بالاعتماد عليها، وبواسطة أدوات الدبلوماسية الرقمية، فإن ذلك يتيح قدراً عالياً من المساحات للاجتماع بين أصحاب العلاقة دون ضرورة وجودهم في مكان فيزيائي واحد.
    تكلفة ضئيلة وعوائد مرتفعة
    هذه العملية كلها لا تتطلب ميزانيات مالية ضخمة لتحقيقها، إذ يؤدي الاستخدام الصحيح للأدوات المتعددة مجانية الاستخدام إلى خفض التكاليف المالية بشكل كبير، فلا تتطلب تخصيص استثمار مالي ضخم لذلك، بل إن الأرباح التي يمكن جنيها مرتفعة إذا ما كان هناك استخدام كفء للأدوات.
    مخاطر الدبلوماسية الرقمية
    على الرغم من أن هذه التكنولوجيا الحديثة تأتي مع العديد من الفوائد، إلا أنها تقدم أيضاً مجموعة من التحديات، منها:

    الاستخدام غير الصحيح من قبل الدبلوماسيين
    ليس كل المسؤولين قادرين على استخدام مساحات الدبلوماسية الرقمية والاستفادة من أدواتها، فالأداء الذي يظهر به بعضهم مخيب للآمال، كما أن بعضهم وبدلاً من أن يتجه لتوسيع نطاق تفاعله ينكفئ على نفسه بالتفاعل مع زملائه من نفس المؤسسة.
     ساهمت المنالية الكبيرة التي وفرها الإنترنت على القضاء على عنصر “السرية” في الدبلوماسية
    ومن الناحية العملية، لم يعد للأسرار مكان في الفضاء الرقمي، فما يرسل أو ينشر عبر الإنترنت من الاستحالة بمكان التراجع عنه أو حجبه أحياناً. لقد غيّرت وسائل الاعلام الاجتماعي الطريقة التي يرى الناس بها العالم، وكيف يتواصلون. فليس من السهل فقط أن تصل الحكومات والسفراء إلى جمهورهم مباشرة فقط، بل جعل الجميع أكثر قدرة على التعرف على التأثيرات الإيجابية والسلبية للقرارات على حد سواء، فالتغريدة والصورة والمقطع الفيديوي والتعليق يمكن أن يكون له أثرٌ سريع، ونقص المعرفة حول استخدام تقنيات الاتصال الحديث يؤدي إلى عواقب وخيمة وصراعات حادة ربما لا تكفيها إقالة مسؤول أو تقديم اعتذار رسمي، لذا يترتب على الأجهزة الخارجية تدريب طواقمها للتعامل الأمثل مع الأدوات الرقمية الجديد لتجنب أكبر قدر ممكن من المخاطر والأضرار، كما تحتاج أن يكون لديها موظفين دائمين متخصصين في التعامل هذه الملفات.

    استخدامات بأهداف مضرة
    يشجع تدفق المعلومات الحر ومقارنة السياسات على تقييم الإجراءات والأعمال الحكومية، ومع ذلك تساعد تكنولوجيا الاتصال الحر والسهل في إحداث تأثير سلبي عميق في بعض الأحيان. إذ استخدم ذلك من قبل الجماعات الإرهابية في أعمال التجنيد والتعبئة والتواصل بين الأعضاء والمؤيدين، وبهذه الحالة تتحول هذه المساحات الحرة إلى قنوات لانتشار التطرف وفرض أجندات معادية، فهي متاحة لأي منظمة أو جهة لكي يكون لها دور مؤثر في تحقيق أهدافها مهما كانت.
    تواجه الدبلوماسية الرقمية تحدياً يتمثل بثقافة عدم الكشف عن الهوية، إذ يمكن لأي شخص في أي مكان أن يتظاهر بأنه شخص آخر بمكان مختلف
    كما ساهم سهولة التناول الكبيرة التي وفرها الإنترنت على القضاء على عنصر “السرية” في الدبلوماسية، فما كان محصوراً تداوله بين أعضاء المسالك الرسمية أضحى سهل الوصول إليه وكشفه للرأي العام، ويرى البعض أن التداولية السهلة للمعلومات والآراء حول الأحداث الجارية قد تكون له مخاطر أعلى من فوائده، إذ يقضي الكثير من المواطنين أوقاتهم وهم يراجعون ويتابعون أعمال الحكومة، ونشر آرائهم حولها عبر الإنترنت مباشرة، مما يعرض الكثير من صنّاع السياسات وقادة المنظمات والسياسيين إلى جملة من ردود الفعل التي تكون أحياناً سلبية بدرجة كبيرة، ينطوي بعضها على الإهانات ورسائل التهديد والاستفزاز إذا ما استندت على معلومات غير صحيحة تمتاز بالكثير من الأكاذيب المثيرة والمحرضة على الكراهية والعنف والمشجعة على التصرفات غير السوية، الأمر الذي يضع على عاتق الحكومة والمنظمات والمجتمع على إجراء مناقشات ومداولات بشأن ما يمكن اعتباره حرية تعبير وما هي أخلاقيات التعامل الرقمي والقوانين الراعية لذلك.

    الاستهداف الرقمي
    تواجه الدبلوماسية الرقمية أيضاً تحدياً يتمثل بثقافة عدم الكشف عن الهوية، إذ يمكن لأي شخص في أي مكان أن يتظاهر بأنه شخص آخر بمكان مختلف، ويتسبب بتأثير وأضرار لجهات معينة، كما يحفز عدم الكشف عن الهوية إلى وقوع أزمات معقدة إذا ما نشر معلومات متضاربة أو مزيفة تجاه جمهور يعتمد على السوشيل ميديا كمصدر رئيسي للمعلومات عن حكوماتهم، لذا يتعين على المعنيين الظهور أمام الجمهور بمظهر المصدر الموثوق به.
    الدبلوماسية الرقمية تمثل أداة بالغة القوة لمن يتقن استخدامها بالطريقة الصحيحة، وهي مسار مكمّل للدبلوماسية التقليدية ومساند لها

    القرصنة
    ومع تزايد المستخدمين في العالم الرقمي، ارتفعت درجات الخوف من هجمات القرصنة التي تهدف إلى الاستيلاء على الحسابات والمعلومات الحساسة، ويتمثل الخطر في ذلك في الوصول إلى حسابات الرؤساء والمسؤولين والسيطرة عليها واستخدامها في تحقيق أغراض معينة، فما يمكن أن يكون معلومات سرية يمكن أن تنشر علانية ليكون لها تأثير سريع وعميق على الشؤون العالمية والدولية وتهديد سمعة الدول وقادتها.
    أخيراً، فإن الدبلوماسية الرقمية تمثل أداة بالغة القوة لمن يتقن استخدامها بالطريقة الصحيحة، وهي مسار مكمّل للدبلوماسية التقليدية ومساند لها، وعدم الانخراط فيها يفسح المجال للمنافسين للتقدم وكسب مساحات متقدمة بجهود وتكاليف قليلة.23
    23- عبد الله حمودات .الدبلوماسية الرقمية: لماذا علينا الحذر في استخدامها؟ موقع نون بوست 21-3-2019 .
    الخاتمة
    الدبلوماسية الرقمية وجدت لكي تخدم الدول وتسهيل عملها الدبلوماسي ، وتنفيذ السياسة الخارجية من خلال استثمار الإعلام الإلكتروني ضمن خطة علمية مدروسة تأخذ بنظر الاعتبار الإمكانيات المادية والبشرية ،أن الدبلوماسية الرقمية هي القوة الناعمة الجديدة.
    أصبح الاتصال الرقمي حجر الأساس في تسيير العمل وتطوير الأداء بكافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، ومنها وزارات الخارجية والبعثات الدبلوماسية ، وقامت بعض الدول ومنها الولايات المتحدة الامريكية بإقامة دورات تدريبة للناشطين الاجتماعيين لتدريبهم على الاستخدام الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي عبر شبكة الانترنت ، وتلقنهم الدروس في كيفية التخفي عن الأجهزة الأمنية في بلادهم ، وتنمية قدراتهم ومهاراتهم في اختراق الجدر النارية وتجاوز الحجب والرقابة وصولاً الى التخطيط ورسم المظاهرات الشعبية والتنسيق بين حشود المتظاهرين ، لمواجهة الحملات الأمنية خلال وقت الأزمات In real time during crises ، وتعاظمت قوة الإعلام الرقمي وأبعاد تأثيره المختلفة، و زادت أهمية دور المؤسسات الإعلامية كشريك في صناعة الأحداث والتطورات في المجتمع ، وسعت وزارات الخارجية إلى استحداث مكاتب إعلامية تقود العمل الإعلامي القديم والمعاصر ومن أحد أوجه النشاط الدبلوماسية الرقمية . فالإعلام يمكن أن يخلق بيئة داعمة للتطور أو مقاومة له، كما أنه يمكن أن يقود المجتمع بوعي، أو أن يسهم في تضليله وتزييف وعيه.

    لذا تصدرت أهمية الاتصال الرقمي؛ كتطبيقات، وآليات، ومفاهيم وقيم وتفاعلات إنسانية وتأثيراته في المجتمعات الإنسانية، قائمة أولويات اهتمام الباحثين العرب والأجانب في مختلف بلدان العالم، على مدار السنوات الأخيرة، وسعت الدول إلى الاهتمام بالدبلوماسية الرقمية .

    المصادر والمراجع
    1- علي محمد شمو، الاتصال الدولي والتكنولوجيا الحديثة، ط1، مطبعة ومكتبة الإشعاع، الإسكندرية، 2004م.76 ص.
    2- عواطف عبد الرحمن، راسم الجمال،سامي الشريف. الإعلام الدولي. القاهرة : التعليم المفتوح 2001م ص195.
    3- وليد الحديثي، الإعلام الدولي وبعض من اشكاليات الخطاب الإعلامي العربي.صنعاء دار الكتاب الجامعي 2007 مص 30.
    4- محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق، القاهرة : المكتبة الانكلو أمريكية 1995م ص 11-14.
    5- وائل عبد العال. الدبلوماسية الرقمية ومكانتها في السياسة الخارجية الفلسطينية.جامعة بيرزيت،مركز تطوير الإعلام 2018، ص 8-9.
    6- بيتر مارشال،”الدبلوماسية الفاعلة “، ترجمة، أحمد مختار الجمال،مراجعة وتقديم،”السيد أمين شلبي،توطئة، نبيل عياد،(القاهرة،المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 2005 )، ص ص 39-49.
    7- وائل عبد العال. الدبلوماسية الرقمية ومكانتها في السياسة الخارجية الفلسطينية. مصدر سابق ص9.
    أحمد عبد الونيس شتا، أحمد حسن الرشيدي،مقدمة في التنظيم الدبلوماسي والقنصلي، (القاهرة،كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة، 2001/2002.)، ص 7-9.
    8- عادل عبد الصادق.الدبلوماسية الإلكترونية والمدخل الجديد لإدارة السياسة الخارجية. المركز العربي لأبحاث الفضاء الالكتروني ديسمبر 2018.
    9- عادل عبد الصادق،الفضاء الالكتروني والعلاقات الدولية :دراسة في النظرية والتطبيق،(القاهرة،المكتبة الاكاديمية،2016) ص ص 435-440).
    10 Parag Khanna , How to Run the World : Charting a Course to the Next14- Renaissance, New York: Random House
    11- وائل عبد العال. الدبلوماسية الرقمية ومكانتها في السياسة الخارجية الفلسطينية. مصدر سابق، ص 8-9.
    عادل عبد الصادق.الدبلوماسية الإلكترونية والمدخل الجديد لإدارة السياسة الخارجية. المركز العربي لأبحاث الفضاء الالكتروني ديسمبر 2018. مصدر سابق
    12- رشا عبد الوهاب. ثورة الدبلوماسية الرقمية.. 3 تحديات تواجه الحكومات. القاهرة: جريدة الأهرام 20 يوليو 2015.

    13- رشا عبد الوهاب. ثورة الدبلوماسية الرقمية.. 3 تحديات تواجه الحكومات. القاهرة: جريدة الأهرام 20 يوليو 2015.
    14- عادل عبد الصادق،الفضاء الالكتروني والعلاقات الدولية :دراسة في النظرية والتطبيق،(القاهرة،المكتبة الاكاديمية،2016) ص ص 435-440).
    14 – د. فينان عبد الله الغامدي : التوافق والتنافر بين الإعلام التقليدي والإعلام الإلكتروني، ورقة بحثية مقدمة إلى ندوة الإعلام والأمن الإلكتروني، جامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية في (2012)
    15- نسرين حسونة : الإعلام الجديد … المفهوم والوسائل والخصائص والوظائف. موقع إمداد 17-5-2015

    الإعلام الرقمي( الإعلام الجديد ) .. أدوات تواصل متنوعة ومخاطر أمنية متعددة. موقع سماء الاعلام 2019.

    موقع رويترز العربي (زيادة كبيرة في مستخدمي الانترنت في مصر بعد ثورة يناير ) 17-3-2011
    د. عصام عبد الشافي 15. فبراير، 2016 مفهوم العلاقات الدولية : إشكاليات التعريف ، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية 17-2-2016.
    عبد الله حمودات .الدبلوماسية الرقمية: لماذا علينا الحذر في استخدامها؟ موقع نون بوست 21-3-2019 .

    الجرائم والعدالة

    The main thing that you have to remember on this journey is just be nice to everyone and always smile. Refreshingly, what was expected of her was the same thing that was expected of Lara Stone: to take a beautiful picture.

    We woke reasonably late following the feast and free flowing wine the night before. After gathering ourselves and our packs, we headed down to our homestay family’s small dining room for breakfast, where we enjoyed scrambled eggs, toast, mekitsi (fried dough), local jam and peppermint tea.

     We were making our way to the Rila Mountains, where we were visiting the Rila Monastery.

    March for our Lives 2020

    We wandered the site with busloads of other tourists, yet strangely the place did not seem crowded. I’m not sure if it was the sheer size of the place, or whether the masses congregated in one area and didn’t venture far from the main church, but I didn’t feel overwhelmed by tourists in the monastery.

    City Guide for Vienna

    Headed over Lions Bridge and made our way to the Sofia Synagogue, then sheltered in the Central Market Hall until the recurrent (but short-lived) mid-afternoon rain passed.

    Feeling refreshed after an espresso, we walked a short distance to the small but welcoming Banya Bashi Mosque, then descended into the ancient Serdica complex.

    We were exhausted after a long day of travel, so we headed back to the hotel and crashed. I had low expectations about Sofia as a city, but after the walking tour I absolutely loved the place. This was an easy city to navigate, and it was a beautiful city – despite its ugly, staunch and stolid communist-built surrounds. Sofia has a very average facade as you enter the city, but once you lose yourself in the old town area, everything changes.

    If You Have It, You Can Make Anything Look Good

    Clothes can transform your mood and confidence. Fashion moves so quickly that, unless you have a strong point of view, you can lose integrity. I like to be real. I don’t like things to be staged or fussy. I think I’d go mad if I didn’t have a place to escape to. You have to stay true to your heritage, that’s what your brand is about.

    المعهد العالمي للتجديد العربي-مدريد/اسبانيا

    The main thing that you have to remember on this journey is just be nice to everyone and always smile. Refreshingly, what was expected of her was the same thing that was expected of Lara Stone: to take a beautiful picture.

    We woke reasonably late following the feast and free flowing wine the night before. After gathering ourselves and our packs, we headed down to our homestay family’s small dining room for breakfast, where we enjoyed scrambled eggs, toast, mekitsi (fried dough), local jam and peppermint tea.

     We were making our way to the Rila Mountains, where we were visiting the Rila Monastery.

    March for our Lives 2020

    We wandered the site with busloads of other tourists, yet strangely the place did not seem crowded. I’m not sure if it was the sheer size of the place, or whether the masses congregated in one area and didn’t venture far from the main church, but I didn’t feel overwhelmed by tourists in the monastery.

    City Guide for Vienna

    Headed over Lions Bridge and made our way to the Sofia Synagogue, then sheltered in the Central Market Hall until the recurrent (but short-lived) mid-afternoon rain passed.

    Feeling refreshed after an espresso, we walked a short distance to the small but welcoming Banya Bashi Mosque, then descended into the ancient Serdica complex.

    We were exhausted after a long day of travel, so we headed back to the hotel and crashed. I had low expectations about Sofia as a city, but after the walking tour I absolutely loved the place. This was an easy city to navigate, and it was a beautiful city – despite its ugly, staunch and stolid communist-built surrounds. Sofia has a very average facade as you enter the city, but once you lose yourself in the old town area, everything changes.

    If You Have It, You Can Make Anything Look Good

    Clothes can transform your mood and confidence. Fashion moves so quickly that, unless you have a strong point of view, you can lose integrity. I like to be real. I don’t like things to be staged or fussy. I think I’d go mad if I didn’t have a place to escape to. You have to stay true to your heritage, that’s what your brand is about.

    القوة الناعمة وأهميتها في تعزيز التفاعل بين العرب والآخر

    بحثٌ مقدم إلى
    الندوة الفكرية التي يعقدها
    معهد الحوار العربي للتجديد

    مدريد
    للفترة من 26 إلى 30-6-2019

    إعداد
    الدكتور غانم السامرائي
    أستاذ الأدب المقارن والترجمة المشارك

    محاور البحث

    أولًا: مدخل

    ثانيًا: موضوع البحث

    ثالثًا: تعريف المصطلحات
    القوة الصلبة
    القوة الناعمة

    رابعًا: انتشار استخدام مفهوم القوة الناعمة

    خامسًا: موارد القوة الناعمة
    الثقافة
    القيم والسياسات الداخلية
    السياسات الخارجية

    سادسًا: أدوات القوة الناعمة
    الدبلوماسية العمومية / البرامج الثقافية والتبادل العلمي
    وسائل الإعلام

    سابعًا: الاستراتيجيات المقترحة

    ثامنًا: مصادر البحث

    مدخل:
    تمر الأمة العربية منذ عقود في واحدة من أسوأ مراحل تاريخها في الميادين الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية. وربما تتبادر إلى الذهن مراحل تاريخية دونتها ذاكرتنا وقراءاتنا على أنها مراحل انحطاط تفوق في درجة خطورتها ما تجابهه الأمة راهنًا من تحديات. لكني أعتقد أن الاستراتيجيات والأدوات المعاصرة، ومنها وسائل التوثيق الإلكتروني، تساهم بشكلٍ غير مسبوق في تأصيل عناصر هذا الانحطاط وهذا الارتداد المخيف والتراجع في منظومة القيم. فمثلًا حينما جاء الغزاة عبر الحقب الزمنية المختلفة بجيوشهم وعناصر قوتهم ليحتلوا هذا الجزء من الوطن العربي أو ذاك، وحاولوا أن تسود منظومتهم الفكرية وتهيمن على قلوب وعقول أبناء أمتنا، لم يكن تأثير ذلك ليمتد جغرافيًا وفي النسيج الاجتماعي إلّا بحدود قدراتهم المادية المباشرة. وبعد زوال الاحتلال المباشر لم يكن الأمر ليستغرق زمنًا طويلًا حتى تستعيد أمتنا زمام أمورها وتؤسس لترميم الجسد العربي والعقل العربي والثقافة العربية كي تعود لسابق عهدها.
    اليوم، لم يعد الأمر مثلما كان، فالقوى الأجنبية المعادية تؤسس لتغيير دائم يصعب الفكاك منه حتى بعد زوال هيمنتها العسكرية والأمنية والسياسية المباشرة. وتعتمد استراتيجيتهم هذه على منهج يؤسَّس له بمكرٍ شديد يقوم على محاور رئيسة أهمها:
    إزالة المعالم الفكرية والثقافية والتعليمية، التي تتناقض مع منهجهم، بالقوة الماحقة.
    إقامة مؤسسات بديلة تفرض منهجها بالقوة المادية وبالقوة الناعمة.
    ويتصل بذلك توسيع مساحة وجاذبية رموزهم الثقافية والفكرية مقابل تقليص المساحات المتبقية لأمتنا.
    تغيير المناهج الدراسية تغييرًا جذريًا والعمل بشتى الوسائل على ضمان اعتناق الأجيال الجديدة للقيم التي جاءت بها هذه المناهج.
    الاستهداف المنظّم لمنظومتنا القيمية وما يتصل بها من ثقافة وسلوك وإشاعة السلوكيات النقيضة بأبشع صورها.
    التركيز على إضعاف اللغة العربية التي هي الوسيلة الوحيدة التي حفظت وتحفظ للثقافة العربية ديمومتها وتطورها.
    العمل على تشويه الرموز التاريخية والثقافية للأمة.
    تأسيس شبكات واسعة من الجيوش الإلكترونية بمنهج شديد التنسيق مع وسائل الإعلام وبالاعتماد على كل عناصر القوة الناعمة، القذرة خصوصًا، والتي تعتمد على التزييف والغش والكذب الصريح.
    إضعاف مواردنا الاقتصادية والتركيز على جاذبية منتجاتهم التجارية.
    تلميع جاذبية صورتهم في أوساط الجماهير الخاضعة لتأثيراتهم ومحاولة تثبيت شرعية سياساتهم الخارجية ومصداقية سلوكياتهم الإقليمية والدولية، وشيطنة المواقف والسياسات التي تتعارض ومصالحهم.

    موضوع البحث:
    تركز هذه الورقة على مفهوم القوة الناعمة والدور الذي يمكن أن تلعبه هذه القوة لخدمة مشروعنا القومي العربي.

    تعريف المصطلحات:
    القوة الصلبة:
    يرتبط المعنى التقليدي للقوة باستخدام الموارد العسكرية والاقتصادية والسياسية لتنفيذ مهام معينة تخدم مصالح من يمتلك هذه الموارد. وهذا النوع من القوة هو ما نسميه عادةً بالقوة الصلبة أو الخشنة.
    ولكن هناك مشكلة في القوة الصلبة إذ لا يستطيع من يمتلكها استخدامها دائمًا دون قيود لأنهم لا يستطيعون تحمل تبعاتها، خاصة حينما أصبحت العديد من القوى العالمية تمتلك مثل هذه القوة.
    القوة الناعمة:

    الإشارات السابقة إلى اصطلاح القوة الصلبة تستدعي المقارنة مع اصطلاحٍ آخر هو القوة الناعمة التي اكتسبت معناها من الموارد غير المادية وهي القدرة على إحداث التأثير في أفكار ومواقف وسلوك الآخرين من خلال وسائل ثقافية وفنية وأكاديمية جاذبة تحقق الإقناع والقبول.
    وفي السياقات السياسية يمكننا أن نقتبس التعريف الذي ابتدعه المفكر الأمريكي Joseph S. Nye في كتابه وثبة نحو القيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية (Bound To Lead: The Changing Nature of American Power) الذي أصدره عام1990، ثم عاود استخدامه في كتابه مفارقة القوة الأمريكية (The Paradox of American Power: Why the World’s Only Superpower Can’t Go It Alone) عام .2003
    وقد أراد ناي أن يؤكد بأن القوة الناعمة ” في جوهرها قدرة أمة معينة على التأثير في أمم أخرى وتوجيه خياراتها العامة، وذلك استنادا إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسساتها بدل الاعتماد على الإكراه أو التهديد.” (Joseph S. Nye: 2003). ويشير المفكر البريطاني Steven Michael Lukes إلى أن القوة الناعمة هي القدرة على الجذب والاستقطاب اللذين يؤديان إلى التراضي، ويمكن أن تجعل الآخرين يحترمون قيمك ومُثُلك ويفعلون ما تريده (Lukes: 2005). والتركيز هنا هو على أن القوة الناعمة تعني القدرة على الحصول على النتائج التي يريدها المرء عن طريق الجاذبية. فالقوة الناعمة تهدف إلى جعل الآخرين يريدون ما تريده أنت، من خلال المصادر المعنوية مثل الجاذبية الثقافية ومنظومة القيم الأخلاقية والسياسية.
    أما John Weinbrenner فقد أكد في كتابه المعنـــــــــون
    Soft Power and Hard Power Approaches in U.S. Foreign Policy: A Case Study Comparison in Latin America على أن قدرة القوة الناعمة على جذب الآخرين في الاتجاه المرغوب يعتمد على الدبلوماسية العامة (2007).
    ويذهب بعض الباحثين إلى أن القدرات غير المادية كالسمعة الطيبة والثقافة والقيم الإيجابية يمكن أن تساعد في تحقيق الأهداف المرجوّة. وإلى ذلك بضيف الكاتب S. Breslin تأكيده على أن القوة الناعمة تنطلق من فكرة أن الآخرين سيصطفون معك وإلى جانب خياراتك السياسية حينما ينجذبون إلى نظامك السياسي والاجتماعي وإلى منظومتك القيمية وسياساتك الخارجية (2011). وقد أكدت العديد من الدراسات التي صدرت في العشرين سنةً الماضية على أن “القدرة على التأثير في الأهداف المطلوبة، وتغيير سلوك الآخرين، ألا يستند بالضرورة على العقوبات الاقتصادية والسياسية والإكراه، بل يعتمد على الجذب باستخدام الوسائل الحضارية والدعاية والإعلام مع الاستبعاد شبه المطلق لوسائل الإجبار المادي (Olivier Joan, 2011). ويذهب في هذا الاتجاه الكاتب الألماني –الأمريكي Hans Joachim Morgenthau فيقول بأن سيطرة الإنسان على عقول الأخرين وأفعالهم لا تقتضي استخدام القوة العسكرية (Morgenthau, 1985). ورغم أن ستيفن روزن وإدوارد كاريري يشتركان في اعتقادهم بضرورة الربط بين العناصر العسكرية والاقتصادية والإعلامية (أي التحكم بالأفكار)، إلا أنهما يعترفان بضرورة الاستخدام العقلاني للقوة باعتبار أن القوة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها.
    ويعتقد البعض، ومنهم Kurlantzick ، أنه بالإمكان إضافة المساعدات والاستثمارات الخارجية إلى مجموعة عناصر القوة الناعمة لكن الكاتب الروسي Alexander Sergunin وزميله Leonid Karabeshkin يؤكدان في بحثهما المعنون Understanding Russia’s Soft Power Strategy بأن الاقتصاد هو أحد عناصر القوة الصلبة (Sergunin & Karabeshkin: 2015).

    ويمكنني في النهاية أن أقول إنه رغم أن للقوة الناعمة تأثير كبير جدًا في المعادلات السياسية الدولية، فان هناك أيضًا محددات لهذه القوة تتمثل في التأثيرات المعاكسة الناتجة عن شيوع استخدام القوة الصلبة إضافةً إلى عوامل عديدة أخرى سيأتي ذكرها في سياق القسم الأخير من هذه الورقة.

    انتشار استخدام مفهوم القوة الناعمة:

    مثلت القوة العسكرية الخيار الأول من بين الخيارات التي استخدمتها القوى الاستعمارية لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية، وطالما انتهى هذا الخيار، على الدوام، إلى نتائج كارثية على الأمم التي تتعرض للعدوان، لكن هذه النزعة الاستعمارية تعود أيضًا في بعض الأحيان بنتائج سلبية على الدول المعتدية تتمثل في خسائر اقتصادية وبشرية قد تكون باهظة أحيانا مثلما تكبدته الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق وقبل ذلك في فيتنام. وقد دفعت هذه الكوارث والمآسي إلى البحث عن بدائل أخرى تجنب البشرية الدمار والخراب الذي يمكن أن يصيبها من جراء استخدام القوة العسكرية في حل المشكلات. وقد سعى بعض المفكرين إلى صياغة مقاربات لعقلنة الأهداف السياسية الخارجية لبلدانهم بما يجنبها خسائر وتضحيات قد لا يكون بوسعها احتمالها. وفي ضوء هذه الحقيقة، انشغل الفكر الاستراتيجي، ومنذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، في البحث عن وسائل وأدوات أكثر عقلانية، وأكثر جاذبية مما تتمتع بها القوة العسكرية.
    وقد انصرف الجدل الفكري إلى مناقشة معضلة القوة بصياغات مختلفة عن سياقها التقليدي المتمثل بالقوة العسكرية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع، وبأقل ما يمكن من الخسائر. إذ ليس بالضرورة أن تكون القوة مرادفة لتوظيف الجيوش النظامية في الميدان، واستخدام والآليات والمعدات العسكرية بمختلف صنوفها القتالية، ووضع الخطط التعبوية لتحقيق الحسم العسكري على العدو، وما يترتب على ذلك كله من دمار وسفك دماء، إنما يمكن أن يتحقق الهدف الاستراتيجي للدولة من دون استخدام القوة العسكرية، بقواعد اشتباك تختلف نوعيا عن قواعد الاشتباك المتبعة في ساحات المعارك وميادين القتال، وذلك بتوظيف نمط آخر من القوة، وهو القوة الناعمة التي تكمن أهميتها في موضوعين: الأول، التقنية المبتكرة في أدواتها، وهي أدوات ووسائل غير عسكرية. والثاني، تمثله نوعية النتائج المترتبة عليها وهي نتائج ربما تفوق في أهميتها النتائج المترتبة على استخدام القوة العسكرية، والتي أصطلح على تسميتها بالقوة الصلبة
    وقد أعطت القوة الناعمة الدول الاستعمارية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، الفرصة لتوظيفها كخيار بديل عن قوتها العسكرية خصوصا بعد ما تعرضت له سياساتها العدوانية من انتقادات وما تعرضت له من خسائر كبيرة في حروب خاضتها سواء في أفغانستان والعراق وقبلها في فيتنام.

    موارد القوة الناعمة:

    يُجمع الأدب السياسي المعاصر على أن موارد القوة الناعمة تأتي من ثلاثة مصادر هي 1. الثقافة 2. القيم والسياسات المحلية 3. السياسات الخارجية. وسأشير إشارات موجزة في هذه الورقة إلى المحورين الثاني والثالث لأنهما يتصلان بالسياسات الرسمية للحكومات بينما يختص هذا البحث بنشاط المنظمات والمؤسسات الجماهيرية التي هي في صلب اهتماماتنا.
    الأول: الثقافة:
    تتم الإشارة هنا عادة إلى ما يطلق عليها الثقافة العليا والتي تعتمد على قيمة المعارف التي تكتسبها النخبة من المثقفين والأساتذة والطلبة. ونلاحظ تأثير تلك المعارف بشكلٍ خاص في أوساط الطلبة الذين يدرسون في غير بلدانهم فتتكون لديهم مشاعر العرفان للبلد الذي منحهم فرص التعليم والثقافة والتدريب. والبلد المانح للتعليم يمكن أن يستثمر ما أعطاه على هيئة أراء ومواقف مستقبلية إيجابية. ذلك أن الطلبة يعودون إلى أوطانهم في العادة بتقدير أكبر للقيم والمؤسسات التي تعاملوا معها خلال فترة دراستهم. وكما هو وارد في تقرير لمجموعة تعليمية دولية، فان ملايين الطلبة الذين درسوا في بلدان غير بلدانهم يشكلون خزاناً رائعاً للنوايا الحسنة تجاه بلد الدراسة. وفي كثير من الأحيان فإن الكثير من هؤلاء الطلبة سيحتلون في النهاية مراكز مهمة في بلدانهم فيكون لهم دور إيجابي في الترويج لثقافة البلد الذي درسوا فيه. أتذكر هنا قصص الكثير من الطلبة اليمنيين والأردنيين والفلسطينيين والعمانيين والإماراتيين الذين تخرجوا من الجامعات العراقية.
    ويمكن هنا استذكار ما صرح به وزير خارجية غربي حينما قال “لا أستطيع أن أفكر في رصيد لبلدنا أثمن من صداقة قادة عالم المستقبل الذين تلقوا تعليمهم {في بلدي}.”
    وبموازاة الثقافة العليا يمكننا الحديث عن الثقافة الشعبية، وهي الثقافة القائمة على التعامل مع الجماهير، كالأدب والفن والرياضة وغيرها. وتكمن فائدة هذه الثقافة في التأثير على قناعات وأراء القوى الشعبية في البلدان المستهدفة.
    الثاني: القيم والسياسات المحلية:
    وهي مجموعة القيم السياسية التي تقدمها الدول والتي هي مصادر جذب قوية. لكن مجرد الإعلان عن تبنيها لا يكفي، بل يتوجب إدراك حقيقة أن الآخرين يراقبون كيفية تنفيذ هذه القيم وهذه السياسات في الداخل كما في الخارج.

    الثالث: السياسات الخارجية:
    تحتاج الدول إلى الكثير من الإعلام والتحركات لجذب الدول الأخرى للاقتناع بسياستها والقيم التي تطرحها، مثل قضايا الإنماء الاقتصادي والمساعدات الدولية وغيرها.

    أدوات القوة الناعمة:
    الدبلوماسية العمومية / البرامج الثقافية والتبادل العلمي:
    لا يقتصر النفوذ الدولي الذي تؤسس له الدول على الدوائر القيادية، فهو يضم ويجند أدوات ممـا لا زال علماء السياسة يسمونها منذ سـتينيات القرن الماضي بالدبلوماسية العمومية.
    والدبلوماسية العمومية هـذه تتجاوز الدبلوماسية التقليدية، التي تتّصف بالعلاقات بين نظراء سياسيين، من حيث إن هدفها هـو إعلام الشعوب في الخارج والتأثير عليها. وهي تســتخدم من أجل هذا الهـدف أقنية عدة: الثقافة والتربية من جهة، ووسائل الإعلام من جهة أخرى.
    برامج التربية والثقافة، هي تقليدياً الأدوات التي تفضّلها الدبلوماسية العمومية.

    ومنذ عام 2006، مثلًا، وإثر ما يسمّونه في فرنسا تقرير ليفي-جوبيه، بدأت الحكومة الفرنسية اتّباع سياسة استراتيجية ثقافية جديدة تدور حول اقتصاد اللاماديات، أو رأس المال الرمزي، وهو اقتصاد يعتمد القوة الناعمة منطلقاً له، ويستند في بعض ما يستند إليه، إلى التراث الفني والجمالي الفرنسي المتجسّد في متاحفها كاللوفر وغيره من جهة، وكذلك إلى الإرث التعليمي الراسخ بنظامه المتطوّر المناهج والمهارات، على غرار جامعة السوربون من جهة ثانية. ولقد نجحت هذه السياسة الثقافية الفرنسية كرهان استراتيجي، عرف كيف يوظّف الإشعاع الثقافي الفرنسي في مكانه، وفي أي مكان في العالم في الوقت نفسه.
    ويشير باحثون كثر بما فيهم Winkates James (2007) إلى ضرورة توظيف أدوات مثل تصدير وترويج ثقافة الأمة وحضارتها عن طريق برامج التبادل الثقافي، وإقامة العروض الثقافية ونشر تعليم اللغة القومية وفتح المكاتب الثقافية والمؤسسات التعليمية في الخارج. وبموازاة ذلك الترويج لجاذبية نظامها الاجتماعي ومنظومة قيمها ومؤسساتها من خلال الأقنية الإعلامية المختلفة. فالقوة الصلبة قد تكون مناسبة لتحقيق الأهداف قصيرة الأمد في حين أن القوة الناعمة مناسبة في الأهداف بعيدة الأمد.

    وللحوارات الثقافية بين الشعوب أهمية كبيرة أيضًا.

    وسائل الإعلام:

    تشكل الدعاية وما يرافقها من أدوات اتصالية واحدة من بين الوسائل المستخدمة لمساندة الفعل السياسي الخارجي. والغرض الأساسي من استخدام هذه الوسيلة هو تهيئة المناخ الفكري للتأثير في أفكار وتوجهات الآخرين وخلق رأي عام مناصر لها ومؤيد لمواقفها. ويذهب هارولد لاسويل” إلى أن هدف الدعاية يتحدد بتعبئة الجماهير في الدول الأجنبية وخلق صداقات من شأنها تهيئة أرضية مناسبة للحصول على تعاونها، وبالمقابل تحطيم الروح المعنوية للعدو وخلق رأي عام داخلي يعمل بالضد منه.
    وتتطلب الدعاية الناجحة صياغة المادة الدعائية بأسلوب مبسط وغير ممل، وأن يتسم هذا الأسلوب
    بعنصر الإثارة والتشويق بحيث يثير في النفس حافز الاستمتاع والمتابعة. كما يفترض أن تكون المادة الدعائية مصاغة بأسلوب قابل للتصديق من طرف الجمهور المخاطب بهدف التأثير علي. ولكي تكون نتائج الدعاية إيجابية، يفترض أن تكون على درجة من التوافق مع منطلقاتها ومنسجما مع الخطوط الرئيسية البارزة في نمط دعائي معين.

    ولمنظمات المجتمع المدني دور فعّال في تنفيذ الأهداف الخارجية لأية قضيةٍ عادلة. ويشير مصطلح المجتمع المدني إلى مجموعة التنظيمات الطوعية والاختيارية القائمة داخل المجتمعات المعاصرة مثل النقابات المهنية والطلابية والعمالية واتحادات المزارعين والجمعيات الأهلية.

    الاستراتيجيات المقترحة:
    مع كل الآمال التي ترتسم أمامنا، علينا أن نعترف بأن الفرص المتاحة لنا محدودة وذلك للأسباب الآتية:
    ليس لدينا مؤسسات دولة يمكن أن تعمل على تحقيق استراتيجيات قوتنا الناعمة. وهذا الأمر يحرمنا من القنوات الدبلوماسية ومن استثمار التعاون الثقافي وبرامج التبادل العلمي. كما يحرمنا من استثمار اقتصاداتنا في جذب الاستثمارات الأجنبية وما يرافقها من نتائج إيجابية في العلاقات الدولية.
    ليس لدينا موارد القوة الصلبة، وخاصةً الاقتصادية التي هي ضرورية لتمهيد الطريق لنجاح استراتيجيات القوة الناعمة.
    وجود قوى شرسة في معاداتها لاستراتيجياتنا حتى وإن اقتصرت مبادراتنا على الجوانب الثقافية.
    التقاء مصالح الدول والقوى المعادية لمشروعنا القومي حتى حينما تتعارض مصالحها فيما بينها وهو ما ينتج عنه تنسيق مباشر، عن دراية وأحيانًا عن دون وعي، بين مواقف تلك القوى.
    لجوء القوى المعادية هذه إلى الخديعة والكذب كاستراتيجية دائمة بهدف تحقيق هدفين في آنٍ معًا:
    خلق صورة إيجابية للذات،
    تشويه صورة الطرف الآخر.
    افتقار المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والاتحادات المهنية والأكاديمية في العالم لحقيقة ما يجري في وطننا العربي.
    وفي ضوء هذه العوامل فإننا بحاجة إلى رسم استراتيجية رصينة وهادئة تأخذ بالاعتبار شراسة الاستراتيجيات المناهضة لمشروعنا القومي وضيق الفضاءات المتاحة لنشاطاتنا. ويمكن هنا التفكير بما يأتي:
    تنظيم نشاطات ثقافية والتواصل من خلالها مع المؤسسات الثقافية في العالم.
    تنظيم مؤتمرات علمية وأكاديمية في الساحات المختلفة لبناء أواصر وعلاقات واسعة مع الشخصيات العلمية والأكاديمية الفاعلة.
    مخاطبة الاتحادات الصحفية الدولية ونقابات المحامين والنقابات العمالية والفلاحية في شتى أنحاء العالم.
    التواصل مع منظمات الأمم المتحدة ومكاتبها الإقليمية.
    القيام بزيارة مراكز البحوث العالمية والإقليمية التي تعنى بدراسة الأدب والتراث العربيين وخصوصًا تلك المنتشرة في أوربا، وجذبها للتعاون مع مشروعنا الثقافي.
    القيام بالتراسل الفردي مع الشخصيات الأكاديمية والعلمية.
    المشاركة في البرامج الثقافية المتخصصة التي تبثها القنوات الفضائية.
    استخدام الخطابات المكتوبة متعددة المصادر للرد على البرامج الإعلامية والصحفية المعادية لمشروعنا الثقافي.
    ولوضع هذه الخطوات موضع التطبيق، يمكن بناء قاعدة معلومات تعتمد على تكليف أعضاء هذا المنتدى كلُّ حسب موقعه الجغرافي بإثراء قاعد المعلومات هذه.
    ويمكن أيضًا إنشاء وحدة رصد هدفها إعداد قوائم بأسماء الشخصيات العلمية والأكاديمية والصحفية التي نريد مخاطبتها وجذبها للتعاون مع مشروعنا الثقافي. وتعتبر قوائم المشاركين بالمؤتمرات العلمية والثقافية احدى أهم المصادر لهذا الغرض.

    مصادر البحث:
    Breslin, S. (2011). The Soft Notion of China’s ‘Soft Power.’ Chatham House. February 2011, pages 1-18. Available Online: https://www.chathamhouse.org/sites/files/chathamhouse/public/Research/Asia/0211pp_breslin.pdf

    Kurlantzick, J. (2006). China’s Charm: Implications of Chinese Soft Power. Carnegie Endowment Policy Brief. 47, June 2006, pages 1-7. Available Online: http://carnegieendowment.org/files/PB_47_FINAL.pdf

    Lukes, S. (2005). Power: A Radical View, London: Palgrave Macmillan, 2nd Edition.

    Morgenthau, H. (1985). Politics Among Nations, revised by Kenneth W. Thompson (sixth edition).

    Nye, J. (1990). Soft Power. Foreign Policy, No. 80, Twentieth Anniversary, (Autumn 1990), pages 153-171.

    Nye, J. (2004). Soft Power: The Means to Success in World Politics. Chapter 4, Wielding Soft Power. April 5, 2004. Available Online: http://belfercenter.ksg.harvard.edu/files/joe_nye_wielding_soft_power.pdf

    Nye, J. (2005). Soft Power: The Means to Success in World Politics. Public Affairs. New ED Edition

    Nye, J. (2003) Limits of American Power, Political Science Quarterly, Vol. 117, No. 4.

    Sergunin, A & L. Karabeshkin (2015). Understanding Russia’s Soft Power Strategy, Politics: 2015 Vol. 35 (3-4), 347-363.

    Weinbrenner, John. (2007) Soft power and hard power approaches in United States foreign, policy: A case study comparison in Latin America – MA. Thesis, University of Control Florida.

    ثورات الربيع العربي ومستقبل المنطقة

    المعهد العالمي للتجديد العربي ARIG ثورات الربيع العربي ومستقبل المنطقة  د. أحمد الهواس Ph.D. Ahmad Alhawas مدريد 26 – 6 – 2019 Madrid 26-6-2019 2

    مقدمة:
    جاءت الثورات العربية التي عُرفت بالربيع العربي في نهاية العقد الأول من القرن
    الحادي والعشرين، عقد تميّز بتحولات خطيرة، وأحداث جسام يكفي كل حدث منه
    لأن يصنع ثورة من المحيط إلى الخليج، فضلً عن تشابه الظروف العربية من حيث
    الاستبداد وضعف التنمية والبطالة والفقر وغياب الحرية.
    فقد شهد هذا العقد غزو العراق، وإسقاط نظامه الوطني بالقوة، وتحوّل العراق من
    دولة عربية وإقليمية رئيسة إلى دولة فاشلة مهددة في وجودها، كذلك تمّت تصفية
    القضية الفلسطينية وتكريس حالة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وانفصال جنوب
    السودان، وانحسار لدور الدول العربية الكبرى على حساب الدول الصغيرة الغنية،
    وقد أدّى غياب العراق لصناعة أحلف جديدة في المنطقة حيث برزت السيطرة
    الإيرانية على قرار كثير من الدول التي انتمت طائفيًا لإيران تحت عنوان المقاومة
    والممانعة، مع محاولة تقديم هذا النموذج على أنّه النموذج الناجح وأ نّه في صراع مع
    الصهاينة وأمريكا، وقد كانت حرب تموز 2006 المثال، في وقت كان التعاون
    الإيراني الأمريكي واضح المعالم في ذبح العراقيين وتخريب العراق، لا بل لم يتوان
    الرئيس الإيراني محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية
    والبرلمانية أن يعلن ذلك بكل وضوح: أن بلده “قدمت الكثير من العون للأمريكيين
    في حربيهم ضد أفغانستان والعراق”، ومؤكدًا أنه “لولا التعاون الإيراني لما سقطت
    كابول وبغداد بهذه السهولة” 1 .
    ثمة أحداث كما أسلفنا أدّ ت إلى تراجع العرب، في ظل غياب أي مشروع عربي
    ناهض، هذا الأمر أدّى إلى بروز مشروعين إقليميين المشروع التركي بقيادة حزب
    العدالة والتنمية 2 ، والمشروع الإيراني بقيادة المللي، وما بين المشرعين بأن الانقسام
    العربي أكثر وضوحًا.
    في هذه الدراسة سنستعرض:
    ثورات الربيع العربي، الواقع العربي بعد الثورات العربية، وأسباب تراجعها، وهل
    كانت وبالًا على المنطقة أم تمّ التآمر عليها؟ والثورة السورية أنموذجًا.

    ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية سنويًا بإمارة أبوظبي

    مساء الثلاثاء 15 / 1 / 2004
    2 تأسس الحزب في 14 من آب/ أغسطس من عام 2001 . وشكّلته مجموعة من الأعضاء السابقين في حزب الفضيلة، حيث بلغ
    عدد الأعضاء المؤسسين 63 بقيادة رجب طيب أردوغان ورفيقه عبد الله غُل، ووصل للحكم 2002 دخل الحزب الانتخابات
    البرلمانية عام 2002 ، وحصد 363 مقعدًا من أصل 550

    موقف الولايات المتحدة من الربيع العربي، والثورات المضادة ونختم برؤية مستقبلية
    والتجديد الذي ننشده.
    ثورات الربيع العربي:
    مصطلح الربيع العربي، جاء عقب تفجر الثورات العربية ضد أنظمة الحكم، وقد بدأت
    هذه الثورات بالثورة التونسية ضد نظام الرئيس زين العابدين بن علي، بعد حادثة
    البوعزيزي الشهيرة، بدأت الثورة التونسية أو ثورة الياسمين كما عُرفت في 17
    ديسمبر كانون الأول 2010 ، أو كما تعرف ثورة 14 جانفي، حتى 14 يناير 2011
    حيث هروب بن علي، ثم جاءت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 حتى الإطاحة
    بمبارك 11 فبراير 2011 ، ثم توالت الثورات في ليبيا، واليمن، وسورية، إضافة إلى
    احتجاجات في عمان، والجزائر، والعراق، والبحرين، وإن كانت أحداث البحرين
    أخذت سمة طائفية، من خلل التدخل الإيراني في شؤون البحرين الداخلية.
    لا أحد يعرف من أوجد هذا المصطلح، ولكنه بالقطع جاء على ألسنة المسؤولين
    الأمريكيين، ثم ذُكر من قبل الرئيس أوباما، ومن قبل وزيرة خارجيته آنذاك هيلري
    كلنتون.
    ولعل استخدام مصطلح “الربيع العربي” في سياق تاريخي، ميَّزه الحرق والموت في
    المُنطلَق، آ ت من اقتباسه من بِيئات حضارية أخرى، وليس أصيلً مستمَدّا من أجواء
    المنطقة العربية التي كانت، آنئ ذ، تفور وتغلي بالاحتجاجات والتقتيل. فلو كان عربيّ
    المنشأ، لكان – ربما – من المُسْتحسَن وصْفه ب “الشتاء” مثلً ، أو ب “الخريف
    العربي”! إن هذا المصطلح، كما يؤكّد الكاتب الفِلسطيني خيري منصور، “استُعير من
    أدبيات الحراك الأوروبي في القرن 19 ، وبالتحديد عام 1848 ؛ العام الحاسم في تاريخ
    القارّة، والذي صدر فيه البيان الشيوعي الماركسي. والمرة الثانية التي استُخدم فيها
    مصطلح “الربيع” كانت عام 1968 في براغ عندما دخل الجيش السوفييتي إلى غُرف
    النوم كما يقول أحد مؤرِّخي الحدث )ربيع براغ(“. ويرى الكاتب العراقي محمد عبد
    الشفيع عيسى أن مصطلح “الربيع العربي” ) Arab spring ( ذو مرجعية غربية،
    أطلقته وسائل الإعلم والدوائر السياسية في الغرب على الحَراك الجماهيري الذي
    عرفته المنطقة العربية، منذ اندلاع أحداث تونس التي أطاحت بنظام زين العابدين بن
    علي في يناير 2011 ، استلهامً ا ممّا حدث في أوربا الشرقية بعد سقوط الاتحاد

    السوفياتي 3 .

    فريد أمعضشوا، الربيع العربي. قراءة في المفهوم والمصطلح، موقع ناظور سيتي، الموقع على الانترنت.
    http://nador.nadorcity.com

    وقد كثرت التساؤلات والتحليلت عن أسباب الثورات العربية، وكأن الشعب العربي
    لا ينتمي لأعظم حضارة عرفتها البشرية، فهذه الأمة التي شرفها الله بالإسلم مدت
    نفوذها في وقت قصير على مشارق العالم القديم ومغاربه، وتوالت الرايات التي قادت
    هذه الأمة، وتعددت العواصم الإسلمية التي تقود العالم، ولعل المئة سنة الأخيرة
    تمثلت في دخول هذه الأمة في نفق مظلم، فتعددت الشعارات والتسميات وتاه أبناؤها
    في معرفة سبل الخروج من هذا الضياع.
    “فالانفجار الثوري الذي عاشته المنطقة العربية في عام 2011 ، لم يكن نتيجة نزوة
    عابرة، فالشباب انفجروا لأن الدولة العربية -دولة ما بعد الاستقلل- والنظام الإقليمي
    -نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى-، كلهما وصل إلى نهاية الطريق؛ سواء على
    مستوى الشرعية أو الاستجابة لطموحات وآمال الشعوب” .4
    كانت حادثة )البوعزيزي في تونس( تعبيرً ا رمز يًا يختصر الواقع العربي، البوعزيزي
    يمثل الشباب العربي الذين رفضهم سوق العمل بعد نهاية المرحلة الجامعية، وعربة
    البوعزيزي المنفلتة من الضرائب والرسوم، والمتنقلة هنا وهناك لتحط في مكان
    تزدحم فيه الأقدام بغية كسب لقمة العيش خير تعبير عن الأزمة التي تعيشها
    المجتمعات العربية في إهدار الطاقات الشبابية، وغياب التنمية، وتلك الشرطية
    المتعجرفة التي تنظر إلى الناس على أنهم دون مستوى البشر، فتقيم قانون النظام
    وتعمد لتطبيقه بالصفع والإهانة، فأجهزة الأمن غدت أداة من أدوات القمع التي تسلطها
    الأنظمة على الشعوب واضعة هذه الأدوات فوق القانون… ليجد البوعزيزي )المواطن
    العربي المقهور( نفسه في مواجهة الظلم الاجتماعي والحرمان )السلطة( ويقف وجها
    لوجه مع أداة من أدوات القمع لدى النظام )رجل الأمن( فما كان منه إلا أن يرد شي ئًا
    لكرامته التي أهدرتها السلطة بظلمها والتضييق على رزقه فأشعل النيران في
    جسده…! فكانت شرارة الثورة التونسية التي جعلت بن علي يفر هار بًا من تونس،
    ليسقط الزعيم الأوحد، والحزب الواحد، وتنهار منظومة الفساد )زواج السلطة
    والثروة( عبر أسر صنعها النظام، لتعم هذه النار الأقطار العربية الواحد تلو الآخر
    لتشابه الظروف التي يعيشها الشعب العربي وكلها تتوق لسقوط هذه الأنظمة، وتتولى
    هي صناعة نظم أخرى تتمثل أولا في كرامة الإنسان، وثانيا في تحطيم صنم العبودية
    لشخص يبقى يتحكم في الناس حتى يقبض الله روحه، وأخيرا في إيجاد مبدأ المساواة
    بين المواطنين وإرساء مبدأ المواطنة عبر دستور يصوغه الشعب لا يفرض عليه،
    يرسي مبدأ فصل السلطات وتداول السلطة.

    4 د. بشير نافع، هل مات الربيع العربي؟ موقع المسلم.

    نخلص مما تقدم أن مصطلح )الربيع العربي( مصطلح غربي، شاع استخدامه في
    الإعلم، حتى أصبح مراد فًا للثورات العربية، وهناك من رفض هذا المصطلح، وهناك
    من رأى أن هذه المصطلح يدل على أن ما حصل في البلد العربية لا يرقى إلى
    الثورة بل انتفاضات ذات عمر قصير كحال فصل الربيع في البلد العربية.
    وبقطع النظر عن التسميات والمصطلحات فإن الحالة العربية كانت تشي بأن ثمة
    تغييرً ا قادمً ا “تعددت المسميات التي استخدمت لوصف الأحداث والتطورات الجارية
    في العالم العربي بين من وصفها بالثورات والحركات الاحتجاجية والمظاهرات
    المطالبة بالديمقراطية، وبين من أطلق عليها الربيع العربي والتمرد وحركة 25 يناير
    في الحالة المصرية، ولكن ولا واحدة من تلك المسميات تنطبق بالدقة نفسها على
    جميع الانتفاضات العربية بالنظر إلى تباينها واختلف طبيعتها من بلد إلى آخر ومن
    ثم صعوبة إدراجها تحت يافطة واحدة، وذلك رغم الحقيقة التي لا مراء فيها وهي أن
    الثورات العربية تشترك في أسباب عميقة مؤدية لاندلاعها ومتمثلة في إحباط بعض
    الشعوب من غياب الديمقراطية وحرمانها من حقوقها الأساسية ومن حرياتها الفردية،
    بالإضافة إلى تدهور الظروف المعيشية وتنامي الفساد وانعدام العدل الاجتماعي. 5
    الواقع العربي بعد الثورات العربية:
    كانت الثورة أو التغيير في ظل عالم عربي تحكمه أنظمة متشابهة في الظلم والاستبداد
    ضربًا من الخيال، ولم يكن أكثر المتفائلين بذلك يتخيل أن ثمة ثورات شعبية يمكن أن
    تغير البناء الرسمي العربي، فقد كانت الثورة قبل ذلك انقلبات عسكرية نحت لها
    الضباط الأحرار في مصر مصطلح ثورة، فسار على دربهم بقية العسكر في انقلبات
    سورية والعراق وليبيا واليمن، ولهذا كانت الثورات العربية في واقعها الثورة الأولى
    التي يمارسها الشعب بعيدًا عن قوة أدّعت يومًا أنّ انقلباتها كانت ثورات لأجل الشعب
    فإذا بها أكثر استبدادًا وظلمًا من الأنظمة التي انقلبوا عليها، بل إن لغة الأرقام أثبتت
    أن الأنظمة التي كانت توسم بالرجعية والتخلف كانت أكثر تطورًا وعدلًا !
    وقد غيّرت الثورات المضادة التي قامت على الثورات العربية الكثير من المفاهيم بل
    ربما أزالت حجبًا كانت تغطي أعين الشعوب، ومنها العلقة مع الجيوش وهل هذه
    الجيوش لحماية الأوطان أم لتكريس الانقسام والحفاظ على أمن الصهاينة ومنع تطور
    البلد؟ لا بل شكّلت الثورات المضادة ولا سيما ما حصل في 30 يونيو 2013 في

    5 عادل الصفتي، الربيع العربي ماذا يعني، العربية نت، 5 أغسطس 2011 ، الموقع على الانترنت:
    http://www.alarabiya.net/views/2011/08/05/160884.html

    مصر وما جرّته من ويلت على البلد لعل أبسطها دكتاتورية بات نظام مبارك الذي
    قامت عليه ثورة 25 يناير بكل ما يحمل من فساد وتبعية قمةً في الحرية والكرامة!
    ولما جاءت رياح التغيير للسودان 6 ، ولم تنته بخلع البشير بانقلب على شاكلة ما
    حصل في مصر وليس ببعيد عنه ما حصل في الجزائر، فقد تنبه المنتفضون إلى أنّ
    إعادة السيناريو المصري يعني الانتقال إلى وضع أكثر سوءًا وتحت مسمى ثورة،
    أحداث الأيام الماضية في الجزائر والسودان تدل على أن شعوبنا العربية بالغة الذكاء،
    وعلى مستوى عا ل من الوعي، فما حدث يؤكد على أن محاولات الالتفاف على مطالب
    الناس والاكتفاء بالتغيير الشكلي، لم تنجح ولن تنجح على الأغلب، كما أن الجديد في
    موجة عام 2019 قد انقشعت عن الشارع العربي، إذ طوال » فوبيا سوريا « هو أن
    السنوات الثماني الماضية كانت بعض الدول العربية، تمول الحرب في سوريا، وفور
    وقوع المجازر تنقل على الهواء مباشرة الصور والأحداث، ومن ثم تقول لشعوبها إما
    هذا جزاء التغيير، وأن القبول بالأمر الواقع أفضل من « بشكل مباشر أو ضمني، بأن
    الموت على الطريقة السورية 7 حيث ترى المراسلة بيل ترو في مقال رأي نشرته
    البريطانية أنَّ السودان ربما يواجه مصيرًا مشابهًا لمصر، » الإندبندنت « صحيفة
    بحسب بيل، فقد خيَّم شبح التجربة المصرية الدامية على السودان أثناء موجة التهنئة
    المفاجئة التي اجتاحته، عندما تمكن المتظاهرون من إطاحة عمر البشير في أبريل
    الماضي. فل يمكن لإطاحة رج ل واحد أن تقتلع الجذور الراسخة والمعقدة لهيكل
    الجيش وجهاز الأمن، ومن الصعب كبح جماح هذا الجهاز الأمني، في ضوء التدخل
    الشديد من جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتين لديهما
    مصالح راسخة في السودان .8
    حين قامت ثورات الربيع العربي، كانت كل شعب يظن أنّه ثار ضد نظام حكم محلي
    يمكن أن يغيره بوصف الشعب مصدرًا للسلطات، ولكنه اصطدم بحقيقة أخرى، أن
    الثورة كانت ضد نظا م رسمي عربي قد تمّ بناؤه بإحكام، ولعل جامعة الدول العربية
    تشكل كلمة السرّ في هذا البناء الذي كان في واقعه مشروعٌ بريطاني كرّس واقع
    التفرقة والتمزيق العربي، وسمح لكيانات لم تصل بعد لمفهوم الدولة الحديثة أن تصبح
    واقعًا سياسيًا داخل هذه المنظومة، لقد كانت ثورات الربيع العربي مؤشرً ا صارخً ا
    على وصول النموذج الاستبدادي إلى حده الأقصى، بمعنى أنه صار غير قابل للتجدد

    بدأ الحراك الشعبي في 19 – 12 – 2018 ، وتمّ خلع البشير في 11 – 4 – 2019
    7 محمد عايش، الثورات المضادة ستفشل هذه المرة، صحيفة القدس العربي 15 – 4 – 2019
    8 ساسة بوست: ثورة مضادة من الخليج.. هل تقترب ثورة السودان من السيناريو المصري فعلًا؟ 13 يونيو، 2019 مقال مترجم.

    ولا للبقاء، وهو ما يفسر سقوط كل الأنظمة المشمولة برياح التغيير وتأزم وضع البقية
    الباقية، ودليل على وصول البناء السياسي الرسمي العربي إلى نهايته. 9
    الثورة السورية:
    يقول باتريك سيل: إنّ من يحوز على سورية فقد بات يتحكم في المنطقة، من هذه
    الحقيقة يمكن أن نبدأ فهم أو مقاربة فهم الحالة السورية قبل الثورة، ومن ثم طول مدة
    الثورة، والدمار الحاصل، والصمت الدولي المطبق عن جرائم النظام، وتحويل مجرى
    الصراع من صراع شعب مظلوم ضد نظام مجرم إلى صراع نظام ديكتاتوري مع
    جماعات إرهابية!
    فسورية التي سيطر عليها حافظ أسد بعد انقلب 16 – 12 – 1970 كانت تحت حكم
    طائفي يتغلف بالشعارات القومية لحزب البعث، وقد ارتكب فيها النظام مجازر يندى
    لها الجبين، وعمل نظام حافظ أسد على فرز مجتمعي، أو ما يمكن تسميته بالموالاة،
    وهم المواطنون، ومن يخالف فهم خائنون لا وطنيون، لهم السجون والمنافي، والقبور.
    أو كما يصف ذلك د. غازي التوبة:
    ونستطيع أن نقرر بكل وضوح ودقة بأن سورية أصبحت قسمين:

    الأول: قلة من الناس تملك كل شيء وهم آل الأسد ومن حولهم نهبوا كل خيرات
    ومقدرات سورية. والثاني: وهم معظم الشعب لا يملكون ولا يجدون قوتهم وهم في
    فقر مدقع، ما أدى إلى ضيق الشعب وانفجاره، وكان هذا العامل الاقتصادي هو أحد
    2011/03/15 العوامل التي فجرت الثورة في

    لقد أدى الظلم المتراكم الذي استهدف الشخصية السورية، ومحاولة مسخها إلى فعل
    عكسي تبدى ذلك واضحً ا في الثورة السورية، وصراع السوري لعدم القبول بأنصاف
    الحلول، وأن التوقف في منتصف الطريق يعني العودة إلى الظلم الذي عانى منه عقودً ا
    طويلة.
    “إن أحساس الإنسان بقيمته الذاتية ومطالبته بالاعتراف به ظل إلى الآن يمثل مصدرً ا
    للفضائل النبيلة، مثل الكرامة والشجاعة والشهامة، كأساس لمقاومة الطغيان وكسبب
    لاختيار الديمقراطية الحرة”. 11

    د. محمد هنيد، حصار قطر ونهاية النظام الرسمي العربي، موقع الجزيرة نت.
    10 – د. غازي التوبة، الثورة السورية: الأسباب والتطورات، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، لندن.
    11 فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ، ترجمة وتعليق د. حسين الشيخ، دار العلوم العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص 206

    هذا الظلم الذي أدى إلى تدن بكل مستويات الحياة في سورية، والأرقام التي يمكن أن
    نعود إليها قبيل الثورة بقليل نجد أن سورية متراجعة في كل شيء، وكذلك تتبوأ
    المراكز الأخيرة في حقوق الإنسان وحرية الصحافة، كذلك تتصدر الدول الأكثر
    فسادً ا، فقد أرجع التقرير الوطني الثاني عن الفقر وعدالة التوزيع إلى زيادة نسبة
    السكان الفقراء، فوفق تقديرات عام 2010 فإن حوالي 7 مليون نسمة ) 34,3 ( بالمئة
    من إجمالي السكان، أصبحوا تحت خط الفقر، في حين أن خبيرًا اقتصاد يًا قدره ب 37
    بالمئة في حال احتسبت عتبة الفقر بثلثة دولارات في اليوم، وب 52 بالمئة في حال
    انطلق الحساب من دولارين، وتوصل التقرير الوطني الثاني للسكان إلى أن معدل
    البطالة وصل إلى 16,5 بالمئة ) 3,7 مليون نسمة عام 2009 (، وقدرت البطالة
    بصورة غير رسمية ب 32 بالمئة ) 7 مليون نسمة عام 2009 ( وقد انخفضت قدرة
    الناس الشرائية بحوالي 28 بالمئة خلل الأعوام العشرة الماضية، وتدنت نسبة
    استهلك القوى العاملة ) 16 مليون سوري( إلى 24 بالمئة من الدخل الوطني.
    “أحس المواطن السوري بأنه لا كرامة ولا قيمة له، فهو معرض للعتقال دون أسباب
    تذكر، وإن اعتقل فل يعرف أحد في أي فرع قد اعتقل، وقد يبقى السنين الطوال ولا
    يراه أهله، ولا توجه له أية تهمة خلل سنين الاعتقال التي قد تمتد إلى عقد أو عقدين،
    ولا يقدم إلى أية محاكمة، وقد يتوفاه الله في السجن دون أن يعرف أهله حقيقة ذلك،
    وهذا الأمر قد حدث مع عشرات الآلاف من المواطنين السوريين، إن إحساس المواطن
    بأنه لا كرامة له عند هذا النظام، لذلك كان هذا الإحساس بانعدام الكرامة عاملً من
    العوامل التي دفعت المواطن إلى الثورة من أجل تثبيت حقه في الكرامة”. 12
    اندلعت الثورة السورية في 15 \ 3 \ 2011 حين فجر أطفال درعا طاقات الشعب
    السوري، بعد ذل طويل وحكم استبدادي وتحكم الطائفة الحاكمة والأسرة الفاسدة
    بموارده ورغباته عقودً ا طويلة، وكانت ثورة سلمية قابلها النظام بالرصاص والقتل،
    وهو يعزف على وتر الطائفية تارة والمندسين والإرهابيين والسلفيين تارة أخرى،
    حتى تمّ له عسكرتها، ولا يخفى على أحد تقلبات الثورة والتداخلت الإقليمية والدولية
    فيها، ومازالت مستمرة رغم ما تعرض له الشعب السوري، فالأرقام تتحدث عن
    مليون قتيل وسبعة مليين مهجر خارج البلد، وتدمير طال البنية التحتية للدولة
    السورية، وتدمير مدن كاملة، “بحسب دراسة لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث
    «UNITAR» ، أصدر دراسة مسحية للدمار الحاصل في 16 مدينة وبلدة في سورية،
    فإن أكثر المدن المتضررة من الحرب، هي حلب التي تعتبر ثاني أكبر المدن السورية

    12 – – د. غازي التوبة، الثورة السورية: الأسباب والتطورات، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، لندن.

    حيث وصل عدد المباني المدمرة فيها إلى نحو 36 ألف مبنى، تلتها الغوطة الشرقية
    في ريف دمشق ب 35 ألف مبنى مدمر .
    وجاءت في المرتبة الثالثة مدينة حمص التي تدمر فيها 13778 بناء، ثم الرقة 12781
    بناء مدمرً ا، ومن ثم حماة 6405 أبنية، ودير الزور 6405 أبنية، إضافة لمخيم
    اليرموك للجئين الفلسطينيين جنوب دمشق 5489 بناء”. 13
    الولايات المتحدة وثورات الربيع العربي:
    بدا الموقف العربي منقسمًا حول موقف الولايات المتحدة الأمريكية من ثورات الربيع
    العربي، فالأنظمة وأتباعها ومثقفوها ونخبها ادّعوا أن أمريكا دعمت هذه الثورات
    بغية تدمير العالم العربي، وأن تشيع فيها الفوضى الخلقة، والغاية تقسيم المقسّم وأنّ
    الربيع العربي مؤامرة أو كما يصفها أحد المدافعين عن الأنظمة العربية ويرى في
    الثورات ربيعًا عبريًا “الآن يتبادر في ذهنكم الكلم عن مؤامرة خارجية وما إلى
    آخره، وحقيقة الأمر لم يعد فينا أحد لا يعرف الدور التآمري لدول كبرى في منطقتنا
    خلل ثورات 2011 م” 14
    في حين كان لسان حال الثوّار العرب أن أمريكا وقفت ضد الثورات العربية، وأنها
    تعاملت بأسلوب خادع للثورات العربية التي لم تكن تعلم بها، وأنها تهدد البناء العربي
    الرسمي، ولذلك حرصت على إجهاض تلك الثورات، “أن الولايات المتحدة التي أجمع
    الكل على أنها تتبع سياسة النفاق السياسي بالمنطقة، أنها حاولت أن تحمل العصا من
    المنتصف في موقفها من التحولات الجارية بالمنطقة لتنظر إلى ما يمكن أن تؤول إليه
    الأمور، لتبدأ سياسة التقرب نحو ما يتجسد من مواقف نهائية على الأرض، وهذا ما
    تشهد عليه الأوضاع في مصر، فواشنطن بعد أن أيدت انتخاب مرسي الذي جاء في
    أعقاب الثورة ضد دكتاتورية مبارك انقلبت على مرسي وأيدت عزله بعد ذلك”. 15
    “هل كانت أمريكا وإسرائيل حاضرتين في هذا المخطط؟ لا نستطيع تأكيد ذلكَ ولكنَّ
    لا يستطيع أحد أن يدحضه. ولكنَّ بعض الدول العربية كانت حاضرةً بقوَّة في هذا
    المخطَّط، والدَّليل عَلى ذلكَ، إذا لم يكن لدينا أيُّ دلي ل، هو طريقة حضورها في المشهد
    المصري بعد فوز الإخوان. ولكنَّ الحقيقة التي كشف عنها وزير الدِّفاع
    تلقى مكالما ت شخصيَّة من عدد من زعماء دو ل « الأمريكي روبرت چيتس هي أنَّهُ

    13 معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث «UNITAR»
    14 فادي زغيب، بعد ثمانية أعوام من الربيع العبري كسينجر يصحح العدالة الإلهية بالشرق الأوسط، الموسوعة الجزائرية
    للدراسات السياسية والاستراتيجية.
    15 صحيفة الراية القطرية، جدل حول الموقف الأمريكي من ثورات الربيع العربي وتحولاتها ، 17 – 6 – 201

    خليجيَّ ة، وضغوطهم المبكرة لمنع الإطاحة بنظام مبارك، والحيلولة دون وصول
    الإسلميين للحكم”. 16
    يرى كثير من السياسيين أنّ الولايات المتحدة قد فوجئت بالثورات العربية، بل إنّها
    وضعت خططًا تجاه تلك الثورات بما يتناسب مع كل بلد، ففي الوقت الذي استطاعت
    الدولة العميقة أو دولة العسكر قيادة الثورة المضادة في مصر، فإن ذلك لم يكن متاحًا
    في سورية، لهذا دعمت النظام الطائفي، وسمحت لقوى إقليمية بالتدخل وقوى كبرى
    كذلك ثم صنعت حلفًا لحرب “داعش” في حين تركت النظام ومن معه بل مدّته بأسباب
    البقاء حين أبقت له الشرعية كنظام قائم، علمًا أنّه سقط بالشرعية الثورية بوصف
    الشعب مصدر السلطات، وقيام الائتلف واعتراف 125 دولة به ممثلً شرعيًا وحيدًا
    كان يكفي لإنهاء وجود النظام بشكل قانوني وسياسي. ” قامت السياسة الأميركية على
    تحويل اتجاه هدف الثورة السورية من سقوط نظام الأقلية الطائفي المستبد وإقامة دولة
    النظام الديمقراطي والمواطنة لكل السوريين إلى نزاع أهلي طائفي وحرب ضد
    التطرف والعنف والإرهاب؛ لدفع الشعب السوري إلى الموازنة بين الأمن وبين
    الفوضى والاضطراب في عهد الثورة، بغية إعادة إنتاج النظام من خلل قيام الإدارة
    الأميركية بالترويج والتسويق السياسي والدبلوماسي، والإعلمي للحل السياسي
    والتأكيد على استحالة الحل العسكري، والحسم من قبل طرف عبر الإصرار على
    تطبيق بيان جنيف 1 .” 17
    الثورات المضادة:
    كما أسلفنا فإن أمريكا لم تكن راغبة بالتغيير في العالم العربي، بل نستطيع أن نقول
    بكل ثقة – نتيجة الأحداث التي جرت – إن أمريكا تحارب الديمقراطية في العالم
    العربي، وتحرص على النظم المستبدة، كما تحارب التجارب النهضوية التي مرّت
    على المنطقة ومنها – العراق – فالديمقراطية تأتي بحاكم يستمد شرعيته من الشعب،
    وأمريكا تريد حكامًا شرعيتهم بمقدار رضاء عنهم.
    هددت الثورات العربية – كما أسلفنا – البناء الرسمي العربي، وهذا يعني أن خللً
    سيحصل في هذا البناء المحكم، وأن وجود إسرائيل بات مهددًا بالبقاء، فانتقلت إلى
    أمرين:

    16د. عزت السيد أحمد، خنقوا مرسي ليخنقوا الأمل في أول الطريق، موقع رسالة بوست 19 – 6 – 2019
    17 د. قصي غريب، السياسة الأميركية تجاه الثورة السورية، 23 – 2 – 2016 مركز الشرق العربي، لندن.

    الأول: العمل على الانقضاض على ثورات الربيع أو ما بات يُعرف بالثورات
    المضادة.
    والثاني: تحريك إيران لتعبث بالمنطقة وترتكب أبشع الجرائم مما يكسر الحاجز النفسي
    تجاه الصهاينة والذين سيبدون حمائم سلم أمام جرائم إيران، وتحويل الصراع مع
    الصهاينة إلى صراع سني شيعي، وصناعة تنافر مجتمعي سيؤدي إلى كانتونات
    طائفية ومذهبية هشّة في المنطقة.
    ويذهب عدد من الخبراء والسياسيين أنّ الثورة المضادة بدأت بعد سقوط الرؤوس
    الهشّة في الأنظمة القوية، وأنّ هذه الثورات المضادة كانت تتحين الفرصة فقط
    للنقضاض على الثورة وأن ثمة تمويلً قد تلقته تلك الفئات من أنظمة دعمت – فيما
    بعد – دموية تلك الثورات المضادة، ومنها نظام أبوظبي، “فقد دعمت إمارة أبوظبي
    مُبكرًا قوى الثورة المضادة في مصر وليبيا واليمن، علي سبيل المثال، من خلل
    الأذرع المالية والأمنية والعسكرية والسياسية للأنظمة التي ضربتها أمواج الثورات،
    حيث آوت عددًا هائلً من القيادات التابعة للنظام القديم بدول الثورات العربية، وشكّلت
    بشكل سريع غرف عمليات معقّدة لإجهاض تلك الثورات وضرب المسارات الانتقالية،
    وإعادة المنظومات القديمة إلى سدة الحكم”. 18
    وقد جاء الانقلب على الرئيس المنتخب محمد مرسي فاتحة للثورات المضادة، وقد
    اتخذ أسلوبًا خادعًا من حيث خلق أزمات كبيرة من قبل الدولة العميقة التي تسيطر
    على مفاصل الدولة المصرية، وشيطنة جماعة الإخوان المسلمين وتخويف الشعب
    المصري، وتصنيع منظمة مخابراتية تخفت تحت اسم تمرد تعمل على تهيئة الرأي
    العام لإسقاط حكم مدني منتخب مع ضخ إعلمي هائل عمل على صناعة فوبيا
    الإخوان وضياع الدولة المصرية على أيديهم. يرى الكثيرون وهمً ا أنَّ الانقلب عَلى
    حكم الإخوان، وإسقاط حكم الإخوان كانت نتيجة لإخفاقهم في السلطة، أو لكذبهم في
    وعودهم، أو لأنَّ محمد مرسي وعد بما سُمِّيَ خطة المئة يوم ولم ينجح فيها، أو بسبب
    الإعلن الدستوري، وقيل بسبب أخونة الدولة، كلُّ ذلكَ لا أساس له من الصِّحة، وما
    ذلكَ كلُّه إلا الأدوات الظاهرة للحقيقة المضمرة الجاهزة ساب قًا قبل نجاح الإخوان فيما
    لو نجح الإخوان في الوصول إلى السلطة. 19
    بل إنّ الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي رأى أن الثورات المضادة تُدار
    من غرفة واحدة أطلق عليها غرفة أبوظبي، وأنّ مهمتها العبث بكل مكان وصلت إليه

    18 د.ك جمال نصار ، أبو ظبي ودعم للثورة المضادة ، بوابة الشرق ، 11-4-2019.
    19 د. عزت سيد أحمد يخنق مرسي لقمع الأمل في بداية الطريق ، بريد إلكتروني ، 06/19/201

    الثورة “غرفة العمليات المضادة للربيع العربي في الإمارات تريد إيقاف كل ما له
    علقة بالربيع العربي، واتخذت قرارً ا استراتيج يًا على هذا الأساس، ووفرت الرجال
    والأموال لذلك. بالنسبة لهم يجب تعفين الوضع ومنع عودة التيار الثوري إلى الحكم،
    وهذه قرارات استراتيجية أعرفها وأنا واثق منها”. 20
    بدا جليًا أن محور – الرياض أبوظبي – يعمل على إجهاض الربيع العربي، خوفًا من
    انتقال عدوى التغيير إلى بلدهم، فضلً عن تأدية الدور الوظيفي الذي عُرف عن تلك
    الأنظمة في تحقيق رغبة أمريكا بإبقاء المنطقة كما تريد أو أن تجعل أهلها يتحسرون
    على أيام الاستبداد التي ثاروا عليها.
    وهذا الأمر بات ينطبق على كل دول الثورات حيث التدخل الإماراتي السعودي، وإن
    بدا الإماراتي أكثر وضوحًا، وبغية ألا تمتد الثورات إليهم ولكي يجعلوا من شعوب
    الثورات عبرةً لشعوبهم ولهذا أطالوا عمر مأساة الشعب السوري، “كانت الأنظمة
    العربية طوال السنوات الثماني الماضية تتهافت على أخبار المجازر والدم في سوريا،
    إذ كانت دماء أطفال سوريا تهبط بردً ا وسلمً ا على حكام العرب، لأن تلك الدماء هي
    الطريقة الوحيدة لتخويف الشعوب من التغيير”. 21
    ولم يتوقف الأمر على إجهاض الثورات العربية بل وصل الأمر إلى حر ب خفية تارةً
    علنية تارةً أخرى طالت الدول التي تعاطفت مع الثورات العربية، وكادت تلك الدولة
    أن تفقد استقللها، كما حصل لحصار قطر وكاد أن يتطور إلى غزو من جوارها، أو
    أن تتعرض لاحتراب مجتمعي داخلي يهدد وحدتها السياسية وهو ما حصل لتركيا من
    انقلب فاشل، ومن ثم حرب اقتصادية طالت الليرة التركية والاقتصاد التركي بشكل
    عام، وهو الاقتصاد الأسرع نموًا في العالم بعد الصين، ويحتل المركز السابع عشر
    عالميًا كقوة اقتصادية.
    رؤية مستقبلية، والتجديد المطلوب:
    لقد أدّت الأحداث الدامية بُعيد الثورات العربية أو تحويل الربيع العربي إلى جحيم إلى
    بروز أنماط جديد من التفكير، تحتاج دراسا ت معمقة مستقبلً لفهم تلك الأفكار وإلى
    ماذا ستؤدي، فقد تمّ إبّان الثورات ظهور عدة مصطلحات ربما أنّها كانت خاصة
    بالنخب الفكرية لكنها تحوّلت لمصطلحات يتداولها الناس بفهم أو دون فهم، وربما أنّ
    كثيرًا منها قد تم قولبته وتنميطه بحيث ترتسم صورةٌ ما في ذهنية من يسمع به، ومن

    – الرئيس المنصف المرزوقي: الإمارات غرفة عمليات أفشلت الربيع العربي وأراقت الدم التونسي، موقع ليبيا المختار الإخباري.
    21 محمد عايش، ستفشل هذه المرّة، القدس العربي، 15 – 4 – 201

    هذه المصطلحات الأسلمة والعلمنة، والدولة المدنية، والدولة الدينية، والإسلم
    السياسي.
    وقد جاءت كما ذكرنا نتيجة الأحداث التي رافقت الثورات العربية، فقد قامت الثورات
    ضد الاستبداد والأنظمة الفاسدة، وكانت تنشد بناء دولة العدل والكرامة والحرية،
    ولكن تمّ تشتيت الرأي العام بشكل الدولة ونظامها وحقوق الأقليات وواقع المرأة،
    وكثير من القضايا التي كان يمكن أن تختزل بأمر واحد وهو: إسقاط الاستبداد أولًا .
    وهنا لن نخوض بتعريف تلك المصطلحات، وصوابية بعضها وضبابية بعضها الآخر،
    ولكن سنتحدث عن المستقبل الذي ننشده للمنطقة العربية.
    قد يبدو المستقبل غير مبش ر قياسًا بحجم الدمار الذي حلّ بالمنطقة، والتنازع المجتمعي
    الذي حصل والذي شكّل بطريقة أو أخرى مجتمعات أو كانتونات مجتمعية داخل
    الدولة، مما أثّر على النسيج المجتمعي أو أدّى إلى تهتكه في وصف أدق، وهذا يعني
    ليس زوال الوطنية بل زوال المواطنة، وهي حلم سعت إليه بعض النخب العربية،
    وحاولت أن تطبقه على الأرض فاصطدمت بمواطنة من نوع آخر، هي مواطنة
    الدكتاتور حيث يحدد فيها المواطن الصالح من المواطن الفاسد “إن مقياس الولاء في
    معظم أرجاء الوطن العربي هو الولاء لشخص الحاكم بكل ما هو عليه، ولهذا كثر
    عندنا الانتهازيون والمتسلقون والمنافقون والإمعات، وتباعد أو أُبعِ د أصحاب الرأي
    الذين يرفضون أن يكون دورهم في تسيير أمور أمتهم هو دور المصفق والمكبر
    والباصم، ومن المؤلم ح قًا أنّ أصحاب الرأي هؤلاء هم دائمً ا أول ضحايا معظم
    الانقلبات التي وقعت في الوطن العربي، ولا أظن أن سجو نًا ضمّ ت هذا العدد الضخم
    من المفكرين والمخلصين لوطنهم مثل ما ضمته السجون العربية على مدى نصف
    القرن الماضي. فالانقلبيون يخافون دائمً ا حرية الرأي، ويخافون الفكر، ولهذا أقفرت
    ديارنا من الكلمة الحرة الشجاعة إلا ما ندر”. 22
    وقد أدّى تراجع الربيع العربي أو لنقل القضاء على موجته الأولى لقناعة راسخة لدى
    غالبية المفكرين العرب أن ثمة موجة ثورية قادمة ستنهي الثورات المضادة، وقد
    تكون تلك الثورات في قلب الدول التي دعمت وموّلت الثورات المضادة.
    بغية صرف الأنظار عن الواقع المزري الذي عاشه المواطن العربي، وتحطيم الذي
    المستقبل الذي كان يحلم به بعد موجة الثورات المضادة، فقد ترافق مع الانقلب الذي
    حصل على أضخم الثورات، الثورة المصرية بروز مجموعة من الأفكار، التي جاءت
    تحت مسمى التجديد لم تكن طبيعية ولم يكن نتيجة ظروف قاهرة عاشها المواطن، بل

    22 د. أنيس قاسم، تأملت في الاحتللين الصليبي والصهيوني – ص 16 ، الدار العربية للكتاب – ليبيا تونس ط 1 ، ١٩٧٥

    كانت تخيف المواطن من أمور صنعها النظام الجديد أو لنقل كان الغرض منها تشتيت الرأي العام عن عودة الديكتاتورية، واستخدم التنظيم المشبوه “داعش” فزاعة للتخويف من الإسلم. مصطلح التجديد، وقد استخدم هذا المصطلح تحديدً ا في الدين الإسلمي، وضرورة العمل على ذلك وقد جاء بعدة أسماء وصفات براقة كالتنوير، والإصلح، وتجديد الخطاب الديني، وقد فُهم المصطلح عند غالبية من تصدّى لهذه القضية على أساس نسف الدين أو التغيير في الثوابت علمًا أنّ مصطلح التجديد هو مصطلح إسلمي، ويعني إعادة النضارة للقديم، وليس نسف القديم، حين تتوقف أمام موجة )التجديد( لا تقف أمام الظاهرة فحسب، بل أمام غالبية الشخوص المتصدين لهذه الدعوة بتقديم أنفسهم حاملين لها، فهي )أي الدعوة إلى التجديد( صحية إن قامت على أسس صحيحة، فل بدّ من تطورات تحدث في حياة الناس، ولكن الملفت أن غالبية من يتصدى لمشروع التجديد يعانون ضع فًا على مستوى العلم، وتذبذ بًا في العقيدة، وخللً على مستوى المنهج، ويستخدمون الاستشهاد في غير موضعه سواء على مستوى النص الديني، أو النص البشري، والأغرب في كثير من الحالات تجد عندهم سوء فهم للغة العربية من حيث المفردة أو الجملة، وهنا يكون التوظيف أقرب إلى لي عنق النص، على المستويين اللذين أشرنا إليهما، أما الكارثة التي تجمع كل هؤلاء فهي السعي الحثيث لإرضاء الآخر، ومحاولة تقديم إسلم يتناسب مع القيم الغربية، دون أن يقتربوا من مشكلتها أو حتى التعرض للنصوص الدينية لدى الآخر التي تدعو لمحو كل مخالف، بل يقفزون عليها ويقدمون تجارب البشر كأنموذج يحتذى في التجديد، متناسين أن كل هؤلاء يعملون مجتمعين للحفاظ على هوية الغرب المسيحية، وقد تعالت أصوات تدعو إلى علمنة الإسلم أو لبلرته كما حصل سابقًا عندما ظهرت دعوات لمركسة الإسلم، فسقطت الماركسية وبقي الإسلم “وحين أفلس الماركسيون ادّعوا أنّ ثمة حلفًا وروابطًا بينهم وبين الإسلم، كما فعل خالد محي الدين حين كتب مقالًا مطولًا في روزا اليوسف: ولماذا لا نضيف للماركسية بعدًا روحيًا؟”. 23 ومازالت الدعوات تتوسع في طلباتها حتى وصل الأمر إلى إنكار السنة والإبقاء على القرآن الكريم، ومن ثمة تفسير القرآن وفق الأهواء تحت عنوان فهم عصري للقرآن! والمتتبع لهذه القضية يجد أنّ ثمة جها ت خارجية تدعم هذا التوجه وعلى رأسها مؤسسة “راند” الأمريكية التي تسعى لصناعة إسل م جديد بات يعرف بين كثير من المفكرين الإسلميين بالإسلم الأمريكاني 24 “وأن تعتمد على الخبرات السابقة أثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وأن تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة التيار

    ينظر، د. مصطفى محمود، لماذا رفضت الماركسية
    24 أول من استخدم هذا المصطلح، كان سيد قطب في 1952 كتابه دراسات إسلمية وقد ورد هذا المصطلح في الصفحة 119
    الأمريكان وحلفائهم إذن؛ يريدون للشرق الأوسط إسلمًا أمريكانيًا.

    الإسلمي المعاصر عن طريق دعم قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني
    والليبرالي والعصراني في العالم الإسلمي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات
    لأفكار وأطروحات التيارات الإسلمية التي يصنفها التقرير بالمجمل بأ نّها )تيارات
    متطرفة( كما يؤكد التقرير على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم
    أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلمية” 25 وقد استعين بنموذج “داعش” لتخويف
    الناس من الإسلم وقد تم دمج مصطلحات متنافرة من حيث المعنى كالفاشية الدينية
    والاستبداد الديني، وهذا مخالف لروح الإسلم ومنهجه “ولأن الإسلم دينٌ يؤمن بالله،
    ولا يقرّ بالمذهبية المغلقة ولا بسلطة “الإكليروس” رجال الدين، فإن الإسلم لا يمكن
    أن يتحول إلى نظام دكتاتوري مستبد، ومن ثمة فل مجال فيه لمحاكم التفتيش
    والاضطهاد أو الإرهاب الروحي”. 26
    لقد تمخضت الأحداث عن أم ر جلل يكمن في أنّ ثمة تصحّرًا سياسيًا عانى منه الشعب
    العربي ما أدى إلى أن تكون ثوراته الشعبية دون رأس ودون قيادة، وحين ثار على
    الاستبداد لم تكن الأحزاب التقليدية حاضرة في ثورته ولا في وجدانه، بل نظر إلى
    أن المعارضات هي ديكور يصنعه الحاكم المستبد الذي يستمد شرعيته من القوى
    العظمى وليس من شعبه كي تلعب تلك المعارضات دور “المحلل” للحاكم المستبد
    حالها كحال البرلمانات التي يتم تعيين أعضائها بموافقات أمنية، ولها مهام التصفيق
    وتبرير ما يريده النظام.
    فضلً عن التجريف المعرفي الذي تعرضت له هذه الشعوب، واختلط لديها مفهوم
    الدولة بالنظام، والنظام بالحاكم، ولم تعد تميز بين الحكومة والدولة.
    حيث تحرصُ النظمُ الدكتاتورية على جعل المواطنين في صراع طبقي واجتماعي،
    حيث يبتلعُ النظامُ الدولةَ، ويشيعُ وهمً ا بين الناس أ نّه الضامنُ لبقائها، وأنّ غيابه يعني
    الفوضى أو الصراع أو الاحتراب المجتمعي أو التقسيم! ولهذا تغيبُ ثقافةُ المواطنة
    لتحل مكانها ثقافةٌ أخرى تسمى )وطنية الدكتاتور( وأنّ أسوأ ما تخشاه تلك الأنظمة
    هو الوعي الذي يقودُ إلى الفصلِ بين النظامِ والدولة، وإشاعة ثقافة المواطنة .
    ولعل هذا الواقع قد ساهم في تقويض الثورات العربية وعدم السماح لها بأن تبني دولًا
    نموذجية، حيث غاب الحامل الحقيقي لها وهي النخب الفكرية والسياسية، حيث تبين
    أنّ كثيرًا من النخب كانت نخب أنظمة بعد كان يظنها الناس أنّها نخب اجتماعية أو
    شعبية!

    سوسن الزعبي، مؤسسة راند وصناعة إسلم معاصر، موقع رسالة بوست، بحوث ودراسات 18 – 6 – 2019
    26 علي عزت بيجوفيتش، الإعلن الإسلمي، ترجمة محمد يوسف عدس، مكتبة البخاري للنشر والتوزيع القاهرة ط 1 ص 108

    لكن هذه المآسي التي حلّت بشعوب الثورات قد صنعت وعيًا جديدًا، وهذا ما يبشر
    بثورة أخرى هي الثورة الحقيقية المنتظرة، فالثورة كانت موجةً ثورية أولى بعد أن
    فهمت الشعوب الواقع جيدًا، وبدأ يتشكل تيار جديد أو لنقل تلتقي على أفكار جديدة،
    ومنها دور الأنظمة الوظيفية في تثبيت البناء الرسمي العربي، والجيوش المكلفة بسحق
    الشعوب ونهب خيراتها، وحماية الكيان الصهيوني، كذلك الدور الإيراني في المنطقة
    الذي تبيّن أنّها – أي إيران – ذرا ع خشن لأمريكا ولها دورٌ خطير في المنطقة لاسيما
    في القتل والتدمير والتهجير وكسر الحاجز النفسي بين العرب والصهاينة، وتحويل
    وجهة الصراع من صراع مع الصهاينة إلى صراع سني شيعي، أو صراع عربي
    فارسي!
    ولهذا لابدّ من القول: إننا أمام مرحلة تخطّت فيها الأحزاب التقليدية، وباتت بحاجة
    لأفكار سياسية جديدة ومراجعات مختلفة، وأن ننظر بعين الاعتبار لتجربة نجم الدين
    أربكان فقد غيّر اسم حزبه أربع مرات ولم يجمد عند اسم الحزب أو يعدّ الحزب غاية
    بل وسيلة، وأن نبتعد عن الخصومة التقليدية بين الأحزاب القومية والأحزاب
    الإسلمية، فقد كان اجتثاث الفكر القومي في العراق مطلبًا إيرانيًا وغايةً أمريكية، وقد
    كان اقتلع الإخوان في مصر مطلبًا صهيونيًا أمريكيًا، وهذا يعني أنّ الفكرين أو
    التيارين هما الأضخم في عالمنا العربي، ويمكن أن يلتقيا برؤية جديدة، وربما في
    تحالف كما يحصل الآن بين الحركة القومية في تركيا وحزب العدالة والتنمية، كما
    أن مفهوم الدولة الوطنية يجب ألاّ يبقى ضبابيًا في التيارين أو ربما عدميًا عند بعض
    منتسبي التيارين، ولابدّ من البحث عن الدولة النموذج التي تكون جاذبة لتحقيق فضاء
    عربي أو عربي إسلمي على غرار الاتحاد الأوربي مع الحفاظ على مرتكزات الدولة
    الوطنية.

    ArabicEnglishSpanish