More
    Blog Page 4

    ديمقراطيتكم في العراق فاسدة ومستبدة

    الدكتور خضير المرشدي 
    بعد أن أعتديتم على بلدنا وحاصرتمونا سنوات طوال ، منعتم عنّا رغيف الخبز وحجبتم حرية التفكير والتعبير والعلم والتعليم والتنقل والإختيار ، وضعتمونا في سجن كبير ، فقدنا الأمن والطمأنينة والسلام ، قتلتم بطائراتكم وصواريخكم وكواتم عملائكم خيرة شبابنا وعلمائنا وأدبائنا والأبرياء من أهلنا ، فجرتم مصانعنا وحرقتم مزارعنا وهدمتم بيوت عامرة على رؤوس ساكنيها ، ولم تكتفوا بذلك ، فقد عبرتم البحار والمحيطات لتغزو بلداً آمناً ، وتسقطوا دولة مهابة وحضارة عريقة ، وتنتهكوا منظومة قيمها الاخلاقية قتلتم الملايين ، ورملتم الملايين ، ويتمتم الملايين ، وشردتم الملايين ، وإجتثثتم فكرهم ووطنيتهم وإنسانيتهم ومنجزاتهم ورموزهم الوطنية والتاريخية ، وفكَّكْتم بعمليتكم السياسية ( الديمقراطية ؟؟ ) مجتمعاً متماسكاً محبّاً لبعضه البعض وزرعتم بين صفوفه العداوة والكراهية والبغضاء ، وأثرْتُم نعرات دينية وطائفية وعرقية ومناطقية وقبلية بعد أن تجاوزها الزمن ، وجئتم بكل قوى الفساد والرِّدة والطائفية والرذيلة والعصابات المسلحة لتحكم شعباً كريماً وتفتك به وتنهب أمواله ، ولتحمي الفساد والمفسدين . في ظل هذه الظروف بات من حق العراقي ومن واجبه أن يسألكم بعد الذي جرى على العراق منذ عدوانكم عام ١٩٩١ وحتى الآن :  هل حقاً إنها عملية ( ديمقراطية ) تلك التي أنشأتموها في العراق ؟؟
    وهل إنها حققت شرطاً واحداً من شروط الديمقراطية الحقيقية مثلما يجري في معظم بلدان العالم الحر ؟؟
    وهل إنكم فعلاً تفتخرون بهذه العملية وتتمسكون بها وتحرصون على إسنادها وديمومتها ، وهي التي أوصلت العراق الى مقدمة الدول الفاشلة في كل صعيد بعد أن كان دولة ذات مكانة وإعتبار ؟؟
    وهل أن مافعلتموه كان لسواد عيون العراقيين أم إنه خطأ كما يعتقد البعض من السياسيين ، أم إنه جزء هام من إستراتيجية الجيل الرابع للحروب القائم على إتباع سياسة الهدم من الداخل والإنهاء والتآكل البطيء والإكراه وعدم الاستقرار التي اعتمدت من قبلكم كوسيلة لبسط النفوذ وإرضاخ الشعوب وإستلابها ونهب خيراتها ؟؟   إن الحديث الآن أيها ( السادة ) ، لايدور عماهو حق وما هو باطل ، وعماهو مشروع أو غير مشروع ، وعماهو خطأ أو صواب ، يقيناً إنكم تعلمون أين الخطأ والباطل وغير المشروع ، وأين يقع سواهم ، خاصة وإن عدد مهم من سياسيي إدارتكم قد إعترفوا بالجريمة وبالكارثة التي نتجت عنها ...لكن السؤال ينصب عن قناعتكم فيما فعلتم بالعراق وشعبه وعن النتائج التي تمخضت عن عمليتكم ( الديمقراطية ) التي أسستموها فيه !!! 
    - من المؤكد إنكم تعلمون ، في ظلّ العملية ( الديمقراطية ) وفي أجواء الحرية التي يتباهى بها عملاؤكم ، تُعقد الصفقات المخزية وتوزع الحصص على العصابات وتباع المناصب في مزاد علني دون خجل أو إعتبار أو إحترام لقانون أو نظام أو لرادع من ضمير ، وهي القضية الظاهرة التي يعرفها الصغير والكبير ، والقريب والبعيد وباتت قصة يتندر بها الرأي العام المحلي والدولي !!!     
    - ولن يغيب عنكم وأنتم الدولة العارفة بكل شاردة وواردة إن العملية الديمقراطية التي فرضتموها بقوة السلاح ، صُمّمتْ مع سبق الاصرار على ترسيخ الاستبداد الديني والطائفي والعرقي والمناطقي والعشائري .وعلى تهيئة الارضيّة لممارسة الفساد المالي والسياسي والاداري والاخلاقي ، ونهب المال العام وتهريبه ، وعلى تنفيذ مخطط خطير لتجهيل وإفقار وإذلال وتخلف الغالبية من الشعب تحت غطاء الدين ، وكان من نتيجتها إرتفاع نسبة الأمية والفقر والمرض والجوع والبطالة لمستويات لم يشهد لها العراق مثيلاً في أخطر مرحلة من مراحل ( القحط ) التي مرّت بتاريخه ، حيث بلغت نسبة الرازحين تحت خط الفقر ( ٥٤ ٪‏  ) ، ومعدل المعطلين عن العمل ( ٤٨ ٪‏ ) من الايدي العاملة .
    - وفي ظل هذه ( الديمقراطية ) تنتهك الحريات الخاصة والعامة تلك القيم التي بشّرْتم بها ، وأتخذتم منها واحدة من أسباب الغزو والإحتلال بعدما أنفضحت كذبة مجرمي الحرب ( بوش وبلير ) وحلفاهما في تسويق مبررات الاحتلال الأخرى ، حيث يُقتل المتظاهرون أمام وسائل الاعلام وأمام الرأي العام ، ويعتقل الابرياء ويعذّبون حتى الموت لمجرد المطالبة بحقوقهم في توفير الأمن والاستقرار والعيش الكريم .
    - ومن نتيجتها قتل أكثر من مليوني عراقي ، وتشريد وتهجير ولجوء أكثر من نصف الشعب داخل العراق وخارجه هرباً من الملاحقة والاعتقال والاغتيال والاجتثاث والجوع والمرض والموت .
    - وتحوّل العراق من دولة ذات مؤسسات يأمن فيها المُواطن على نفسه وعرضه وماله وعمله ويتمتع بحقوقه الاساسية وفي مستوى جيد من التعليم والصحة والخدمات ، الى ساحة من الفوضى والقتل على الهوية . وبات دولة فاشلة لايحكمها قانون ولا يسود فيها نظام .
    - وهيأت ديمقراطيتكم البيئة لظهور فئتين إرهابيتين مجرمتين هما فئة الطائفية المتمثلة بالميليشيات المرتبطة بأحزاب السلطة وإيران ، وفئة التنظيمات الارهابية  المتمثّلة بداعش والقاعدة ومثيلاتهما .
    العراقيون يعلمون علم اليقين ، إن قرار الحرب والسلام هو بيدكم وهو قراركم ، وإن العملية السياسية هي وليدكم الذي تحرصون على عدم المساس به وتنشئته رغم عوقه وشذوذه ، وإن قرارات المحاصصة والاجتثاث والاستئصال ونشر الصراعات الثانوية إنما هي تطبيق دقيق لمبدأ الهدم من الداخل وسياسة التآكل والانهاك في إستراتيجيتكم .على الرغم من إنكم قد إستخدمتم مع العراق كافة أنواع الأسلحة وأجيال الحروب لتدمير بنيته وتحطيم مؤسساته المدنية والعسكرية وأركان دولته المادية والمعنوية 
    ويبقى سؤالنا نحن العراقيون الرافضون والمقاومون للاحتلال والتدخل والنفوذ الاجنبي هو : إذا كان الذي يجري في بلدنا العراق مجرد خطأ أو نزوة أو جريمة أرتكبها مجرم الحرب ( بوش ) وحلفائه ، وليس جزءاً من استراتيجية الجيل الرابع للحروب ... إذا كان الأمر كذلك كما يرى البعض ؟؟ ألم يحن الوقت للولايات المتحدة بعد الذي جرى ونتيجة التدمير الهائل للعراق وارتداداته المدمرة على دول المنطقة ، ودور ايران في دعم قوى الفساد والطائفية والارهاب ، في أن تعترف بحقوق العراق وشعبه وأن تعتذر عن الجريمة التي إرتكبها مجرم الحرب ( بوش ) وأركان ادارته الذي ألحق بأميريكا العار وتسبّب بخسارتها عشرات الالاف من القتلى والجرحى والمعوقين ، وآلاف المليارات من الدولارات ، ولوّث سمعتها وأسقط هيبتها عندما سلّط على العراق عصابات من المرتزقة والحرامية ، وعندما سمح لإيران بإحتلال العراق وإكمال تدميره مادياً ومعنوياً وأخلاقياً .؟؟؟
    نحن العراقيون نعلم كما أنتم تعلمون ، إن الإعتراف بالخطأ والإعتذار والتراجع عنه فعل إنساني وأخلاقي رفيع ، لايقدم عليه إلاّ الناس الشجعان المؤمنون بقيم الحق والعدل والحرية والانصاف ، أولئك الذين يملكون نفوس عظيمة وتاريخ مشرّف ، ولعل هذا ينطبق على الامم والدول والحكومات ، وليس على الافراد فحسب ، فهل أنتم فاعلون ؟؟؟ وإعلموا إن إرادة الشعوب الحرة الاصيلة والعريقة ومنها شعب العراق الذي تعرفون ، لن تنكسر أبداً ، رغم الاذى والتعب والإنهاك والموت والحرمان ، إنه شعب حي لن يحيد عن السعي لإنتزاع حقوقه المشروعة في الوحدة والسيادة والاستقلال والكرامة والبناء والتقدم ومستلزمات العيش الحر الكريم . مهما طال زمن الصراع ومهما غلت التضحيات ، ومهما كانت القسوة في تنفيذ استراتيجيتكم في الهدم والتفليش ، فإنه سينتصر حتماً ، وإن تاريخ هذا الشعب وهذا البلد الذي علّم الانسانية الكثير ، شاهد على مانقول ... 
    في هذا الأطار إن أمام الولايات المتحدة الأمريكية فرصة كبيرة لتصحيح هذا الخطأ التاريخي ، وإن أولى خطوات ذلك هي طرد إيران من العراق ، وتنظيفه من حكم المرتزقة والفاسدين والميلشيات الارهابية الذين باتوا يهددون الأمن والاستقرار والمصالح الدولية ليس في العراق فقط وإنما في جميع الاقطار العربية ، ويمنعون كل محاولة لتحقيق الوحدة والمصالحة والتغيير والبناء .
    عندها ستكون أمام القوى الوطنية العراقية فرصة للحوار البناء لتنفيذ مشروع الحل الشامل لقضية العراق ، وإعادة بناءه ليعود دولة حرة وطنية ، تنعم بالسيادة والاستقلال والمواطنة الحقة ، وبنظام ديمقراطي يعبر عن ضمير الشعب وإرادته الحرة وتاريخه وقيمه وأعرافه دون تدخل وتزوير ، ويتمتع شعبه بالحرية وحقوق الانسان والعيش الآمن الحر الكريم . وأن يعمل على إزالة مخلفات الاحتلال مهما كان مصدره وانهاء كافة انواع التدخل الاجنبي ، ويقيم أفضل العلاقات مع دول العالم ، ومنها دولتا الاحتلال الولايات المتحدة الامريكية وإيران عندما ينفّذا التزاماتهما ، على وفق القوانين الدولية وعلى أساس ضمان المصالح المشتركة ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية

    رؤيا في وسائل بناء المشروع الحضاري العربي الحديث!

    الدكتور علي الحرجان
    24 – 6 2019

    من خلال دراسة وتحليل قصص النساء في هذا الكتاب نجد أن المرأة في بلادنا العربية تعاني من مشكلات وأزمات كثيرة، وبما أن المرأة هي العمود الفقري للأسرة، واستقرار حياتها يؤدي إلى استقرار الأسرة.. فلا بد أن نعترف بأن بعض الرجال توارثوا ظلم نسائهم واعتبروا ذلك من علامات الرجولة، وأن التعامل مع المرأة من جانب كثير من الرجال يتم وفق ثقافة دينية خاطئة تحرمها من كثير من حقوقها الإنسانية، فلا رأي لها في الغالب في اختيار زوجها، ولو تم الرجوع إليها لاستشارتها مورست عليها الضغوط من جانب أفراد الأسرة لكى توافق أو ترفض، وفي بعض الأحوال تجبر على الزواج في وقت مبكر من دون أن تستكمل دراستها، وفي بيت الزوجية تهدر كثير من حقوق المرأة الشرعية على يد رجال لا يعرفون قيمة التعامل الأخلاقي الراقي مع نسائهم فتتحول في بعض البيوت إلى مجرد خادمة للزوج والأولاد، وتحرم من الخروج للعمل بزعم أن الزوج قادر على العمل وليس في حاجة إلى عمل الزوجة، وإن الرجال قوامون على النساء.
    ((يمكن أن نعزو وضع المرأة العربية المتدني في مجتمعاتنا إلى البنية الأبوية القائمة على علاقات السلطة والخضوع، كما بات من المعلوم أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين السلطات الاستبدادية؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية… التي يرزح الرجل تحتها وبين مجموع ما يخضع له الرجل وما يخص المرأة وحدها دون الرجل. فالرجل مقهور، خاضع لأشكال من الاستعباد والذل والاغتراب في المجتمع التسلطي، حيث تبدأ التراتبية الطبقية في مجتمعاتنا من سيطرة الأقلية المهيمنة على السلطة السياسية المستبدة أو من تشويهات دينية متفشية بين إفراط وتفريط، والمرأة مقهورة أيضاً خاضعة للرجل المقهور نفسه، ولتلك السلطة القاهرة لكليهما)).(1)
    خلال العقود الماضية ازداد عدد المرضى النفسيين من النساء والرجال في العالم العربي وذلك ناتج عن أسباب عدة أهمها التغيرات الاجتماعية والمادية وصعوبات الحياة وتداخل الثقافات وثورة التكنولوجيا والاضطرابات السياسية والحروب وسيطرة الفكر الديني المتخلف وأنتشار العادات والتقاليد البالية في المجتمع، يقابلها ضعف الخدمات والرعاية الاجتماعية والوقاية النفسية، والتثقيف الصحي وكيفية مواجهة المشكلات في المؤسسات العامة والمدارس.
    وإن شريحة الشباب التي تشكل 60% من معظم مجتمعاتنا العربية تتعرض لضغوط شديدة مادية وثقافية وصعوبات عاطفية تؤثر في المكونات النفسية، وهي سبب رئيس للقلق والاكتئاب والسلوك المضطرب للذين يعانون منه.
    ومعظم الاضطرابات تبدأ بسيطة ولكنها تتفاقم عند عدم وضع الحلول المناسبة، وتتحول إلى اضطرابات عقلية وانحرافات أخلاقية وسلوك عدواني، قد تتطلب علاجاً دوائياً من البداية لتعديل التغييرات الكيماوية والهرمونية الطارئة ومن ثم علاج معرفي سلوكي لمسببات المرض.
    للحداثة كمصطلح فلسفي كثير من التعريفات جميعها تصب في سياق مفاده أن العلوم والثقافة قادرة على تعديل الحياة الاجتماعية، حيث تتولى العلوم المختلفة تطوير الجوانب العملية في المجتمعات، بينما الثقافة تطور المعارف والعقل والقدرة على التفكير المستقل.
    ((الفكر التنويري يدعو العقل للتمرد على حاله ليخرج من وضعية القصور التي تسبب له عجزاً عن الاستعمال الأمثل للعقل إلا بوصاية من آخر، وبهذا فإن الإشكالية لا توجد في العقل إنما في صاحب العقل نفسه الذي يتسم غالباً بالجبن أو الكسل أو الاتكالية، والذي يقبل بمبدأ الوصاية على عقله)).(2)

    مبررات الحداثة:
    هناك حاجة لمراجعة ونقد وإعادة تركيب تراثنا العربي، لأننا في الواقع نعيش ذلك التراث في حياتنا الحاضرة، وبالتالي فإن تغيير الحاضر لن يتم إلا إذا صاحبته تلك المراجعة في قلب التراث.
    من مبررات الحداثة في المجتمع العربي، هو الجمود الفكري وسيطرة ثقافة النصوص وتراجع العقل التحليلي والاجتهادي إلى مراحل خطرة، والانغماس الفكري في التراث القديم حتى تقديسه وهيمنة الخرافة والأساطير على بعض العقول وانتشار وشيوع الأنانية والنرجسية لدى قطاع واسع من المثقفين العرب والنفاق الفكري والسياسي وثقافة تبريرية لكل شيء وغياب ثقافة المواطنة ولا وجود لدولة المؤسسات وهيمنة المفاهيم والأعراف الاجتماعية والقيم العشائرية والطائفية والمذهبية على حساب القيم الوطنية والإنسانية والحضارية والقانونية وعدم تقدير الكفاءات وانتشار المحسوبيات والواسطة واحتقار الإنتاج الوطني وتقديس الإنتاج الوافد وثقافة هيمنة القيم والأنماط الاستهلاكية وتفشي النزعات المادية والغرائزية والأنانية المفرطة.
    (( المشروع الحضاري العربي مطلوب في مرحلتنا الحالية بإلحاح، في مرحلة تتعاظم فيها الأقلام المغرضة والنوايا السلبية للجْم الدخول في عالم الحداثة والحضارة والتقدم والديمقراطية، مع الحفاظ على الهوية العربية المفتوحة على العصر، والقابلة للتطور والتطوير، في مرحلة هي من أشد المراحل قسوة وصعوبة وإشكالية.)) (3)
    ((كان العرب في عصر النور فدخلوا في عصر العتمة، فيما الغرب خرج من هذه العصور الظلامية ليدخل عصر التنوير والتقدم، فقد شهدت أوروبا تحولات فكرية كبيرة في القرنين الخامس والسادس عشر نتيجة الإصلاح الديني الذي تم في النصف الأول من القرن السادس عشر، ثم بسبب الحركة النهضوية التي تمثلت في ترجمة الآداب اليونانية والرومانية، ثم الاكتشافات العلمية الكبرى التي حصلت في ذلك العصر)).(4)
    ((إن التاريخ الأوروبي، الحافل بالصراعات الدينية، حدثت فيه تحوّلات وقفزات كبيرة، بفضل التنوير، ومن ثمّ بفضل الحداثة، وقد أصبحت الحروب الدينية في أوروبا جزءاً من الذاكرة البعيدة لشعوبها، وهو ما أسهم في ترسيخ قيم جديدة، ومشتركات جديدة بين المواطنين)).(5)
    ((العرب استخدموا مصطلح الدولة الحديثة لوصف دولهم الناشئة بعد الاستقلال عن الأجنبي، والتي دعيت أيضاً ب«الدولة الوطنية»، ومفهوم الدولة الحديثة بالمعنى الذي استخدم تضمّن معاني مختلفة، منها القطع مع الماضي الاستعماري، والسيادة، ووجود دستور، وسلطات تشريعية، وقضائية، وتنفيذية، وآليات لتنفيذ القانون، وغيرها من المعاني التي تشير إلى (دولة حديثة)، كما أن هذه الدولة التي تزعم الحداثة استثمرت في الماضي، كما استثمرت في الميتافيزيقيا، والمؤسسات الدينية، ومعظمها مؤسسات تقليدية ومحافظة، مهمتها الحفاظ على النقل (الموروث الفقهي)، وتأكيده في الحياة العامة. لكن مفهوم وواقع الدولة الحديثة في الغرب مختلف كلياً من حيث النشأة، والظروف، والأسباب المولّدة، فقد سبق نشوء الدولة الحديثة حركة تنويرية، انطلقت من إنجلترا، وتأسست أكثر في فرنسا، لتعمّ بعد ذلك أوروبا. ويعدّ القرن الثامن عشر هو قرن التنوير، حيث عرفت هذه الحركة زخماً كبيراً، نتيجة صعود الطبقة البرجوازية الفرنسية التي قادت، عبر مصالحها ومنظومتها القيمية الجديدة، حركة التنوير، ودعمت أفكارها وممثليها من الفلاسفة، والفنانين، والأدباء.
 ومنذ القرن السادس عشر، راحت أوروبا تخطو خطوات واسعة في دكّ المباني الفكرية القديمة القائمة على اليقينية، وإحلال مبدأ الشك كمبدأ رئيسي في محاكمة الأفكار، والظواهر الطبيعية والاجتماعية، ولم يعد معقولاً قبول البديهيات المتوارثة تاريخياً، أو التفسيرات الجاهزة للأحداث، كما لم يعد معقولاً قبول الوصاية الفكرية للمؤسسة التقليدية، التي احتكرت تفسير نشأة العالم، أي المؤسسة الكنسية، وبالتالي فقد تمّ التأكيد على مكانة الفرد، ومكانة العقل، في الوقت نفسه، في الوصول إلى المعرفة.
 إذاً، وضعت الحركة التنويرية العقل مقابل النقل، والشك مقابل اليقين، وأعطت الفرد مكانة خاصّة، ومميزة عن المجتمع، والسلطة، والمعرفة مقابل الميتافيزيقيا، والكشف عن الظواهر بالتجربة العلمية مقابل السرديات الدينية، وبذلك أسّست لعالم جديد، مناهض بطبيعته لأية سلطة مطلقة، وقد ولّدت هذه الحركة نشاطاً كبيراً في النظريات الاقتصادية، وتحليل الصراعات الاجتماعية، وصاغت تصوّرات وضعية عن العقد الاجتماعي، بوصفه عقداً يمثّل مصالح مختلف الفئات الاجتماعية، التي تتشارك في صياغته، ويسري مفعوله بعد موافقة أغلبية المجتمع عليه، كما أنه بالإمكان إعادة النظر فيه على الدوام.
 إن واحدة من المشكلات الرئيسية والمعيقة أمام التنوير، والمتمثلة في الأمية، لم تحلّ في معظم الدول العربية، إذ تبلغ نسبة الأمية في العالم العربي نحو 19% من السكان، أي نحو 96 مليون نسمة، بحسب إحصاءات 2014، وتبلغ هذه النسبة، كما في مصر، أكثر من 25%، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، وهو ما يدعو للتأمل بشأن الميزانيات والخطط والبرامج التي استهلكت عربياً للحدّ من الأمية، من دون أن تحقق الجدوى المرجوّة منها. 
 كيف لدول لم تتجاوز عقبة الأمية، في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، أن تكون حديثة بالمعنى التنويري، وأن تكون مؤسساتها الحكومية مطابقة لمفهوم الدولة الحديثة؟
 إن الانتقال نحو صيغة الدولة الحديثة، وتطابق المعنى والمبنى في الدولة، لا يمكن من دون حركة تنويرية، وهذه الحركة لا يمكن لها أن توجد، وأن تتبلور، وأن تكون فاعلة، في ظل غياب نخب اقتصادية وسياسية وثقافية لها مصلحة في التنوير، ومؤمنة بضرورته من أجل التقدّم، وهو الأمر الذي يبقى الغائب الأكبر في عالمنا العربي)).(6)
    ((يمارس الفيلسوف الفرنسي تورين، نقداً عالي المستوى في مؤلفه ” نقد الحداثة” على تجليات الحداثة والمتمثلة في التنميط، والتشيؤ، والترشيد العقلاني، ويُرجع الأزمة الفكرية السائدة في المجتمعات الأوروبية إلى أصولها، حيث يعود إلى لحظة الوهم التي اعترت ذلك المجتمع عندما ظن أنه قد وصل إلى المرحلة الأسمى في التطور، والازدهار، والتقدم، أي الطور الأعلى من الحضارة، بعد أن عبر مسيرة تاريخية طويلة منذ عصور النهضة في مجالات الاقتصاد، والديمقراطية السياسية، والعقلانية في التنظيم الاجتماعي، ولكن كل ذلك لم يكن صحيحاً، فالمجتمع لم يصل إلى مرحلة الحداثة بالفعل، بقدر ما أنه يتراجع عنها، فهو يعيش في مرحلة وحشية من الصراعات الاجتماعية الكبيرة التي من إفرازاتها البطالة، وفكر السوق، وثقافة الإعلان.. الخ.
    وكل ذلك خلق حالة من التشظي والتمزق والتوتر، وأصبحت مراجعة المسيرة همّاً في الفكر الغربي، فقد ظن الغرب أن الحداثة هي انتصار العقل، وتحطيم التراث، ولكن ما حدث هو انفجار كبير، فقد تمردت كل الفئات الاجتماعية في وجه التخطيط الرأسمالي للحداثة، ويشمل ذلك النساء والعمال والطبقات المسحوقة، وظهر ما عرف بديكتاتورية المؤسسات الاقتصادية، التي تهيمن على الأفراد، وتسحقهم فتنتج عبودية جديدة، وتضع قيوداً تحول دون تحررهم، وتطور قدراتهم الذاتية خارج المؤسسة، وهذا هو بالضبط ما تقوم عليه الرأسمالية من حيل وأفكار تتحدث عن ندرة المبادرات والأفعال الفردية الخلاقة.
    ويشير تورين في سياق نقده، إلى أن هنالك ابتذالاً كبيراً في التعاطي مع فلسفة التنوير، حيث نشأ نوع من التعامل بخفة مع هذه الأفكار، وتم تسييس فلسفة التنوير من أجل إشباع الرغبة في الوصول إلى مرحلة الحداثة، وهي العملية التي يرى فيها المؤلف تدميراً وتحطيماً للماضي، وتشويها للعصر، فقد عمل دعاة الحداثة الغربية على منحها خلفية فكرية عندما نسبوها إلى فلسفات وأفكار كبيرة، وبالتالي فإن ما تحقق من انتصار زائف جاء لمصلحة سيادة ثقافة وفكر السوق، والإعلاء من شأن الاقتصاد، وقمع الحريات، وتقسيم المجتمعات إلى طبقات، والذي حدث أنه على عكس ما بشر به التنوير غاب العقل تماماً، وبرزت حالة من التخبط والتشظي في المجتمعات، وفي العلاقات الإنسانية التي سادها الاختلاف وعدم التسامح، والعنصرية، وبروز القوميات، وثقافة الاستهلاك)). (7)

    اركان الحداثة:

    الركن الأول: النظام السياسي
    ((الدولة الحضارية الحديثة بناء هندسي محكم. وتقوم من الناحية البنيوية على أربع اسس هي: المواطنة، والديمقراطية، والقانون، والمؤسسات.
 تشكل المواطنة الاساس الاهم في بناء الدولة، وهي حق قانوني موروث او مكتسب. وهي علاقة مباشرة بين الدولة والفرد. فالفرد لا يحتاج الى وسيط يربطه بالدولة كالعشيرة والحزب والدين وما شابه. تستطيع الدولة ان تخاطب او تعاقب المواطن مباشرة، ويستطيع المواطن ان يخاطب الدولة مباشرة ايضا، بلا وسيط او جسر عبور.
 ويتمتع المواطنون بالحرية والمساواة في الدولة الحضارية، فالحرية تعني التمتع بحق التصرف في اطار القانون، والمساواة تعني عدم التمييز على اساس الدين او الطائفة او العرق او الانتماء السياسي.
    وتمثل الديمقراطية الاساس الثاني، وهي تعني حق المواطن في تقرير مصيره والمشاركة العامة ضمن القانون، وبامان وحرية، كما انها تمثل الطريقة السلمية في تداول السلطة دوريا بموجب الاليات الديمقراطية التي تضمن الحيادية والحرية الفعلية وليس فقط الشكلية في الاختيار، وتأتي الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة والعادلة في مقدمة هذه الاليات. 
 ويمثل القانون الاساس الثالث في بناء الدولة الحضارية الحديثة. ولا يمكن تصور وجود دولة حضارية حديثة بدون قانون. والمجتمعات تبدأ، وتعزز، مسيرتها الحضارية بتعزيز وتطبيق القانون.
    وتمثل المؤسسات الاساس الرابع في بناء الدولة الحضارية الحديثة، والمؤسسات هي الوعاء الذي تتراكم فيه خبرات المجتمع التشريعية والادارية، والمراكمة من شروط التقدم في المجتمعات الانسانية. والمجتمع الذي يفقد خاصية المراكمة لا يمكن ان يتقدم، والمجتمع الذي تعوزه المؤسسات القوية والمستقرة والفاعلة يفقد خاصية المراكمة، ويعجز عن تحقيق التقدم والتطور، والمؤسسات تتنوع بتنوع اختصاصاتها، فهناك المؤسسات التشريعية والتنفيذية والحزبية والاقتصادية والدينية والتعليمية وغير ذلك)).(8)
    الأنظمة العربية الحالية لا يتعدى اهتمامها الحفاظ على نفسها حتى لو دمرت مجتمعاتها، هي أنظمة لا يمكن لها أن تكون السياسي الذي يحتاجه الإصلاح الحضاري.

    الركن الثاني: الموروث الديني
    إن أي إصلاح مفتاحه الفكر الديني ولا يمكن إصلاح الفكر الديني دون إصلاح الفكر السياسي والبيئة السياسية الحاضنة، فمن يقرأ الدين أو التاريخ الديني والسياسي بطريقة خاطئة، لا يتوصل إلى حاضر خاطئ فحسب، بل الى مستقبل خاطئ أيضاً، والقيم الإنسانية النبيلة هي هدف الفلسفات والأديان، فالدين ليس دين الخرافة والجهل والأنانية.
    لقد جرى استغلال ملايين البشر باسم الدين واستُلبت حقوقهم الأساسية، في حين أن الدين رسالة إنسانية، هدفه أنساني قبل كل اعتبار، وهكذا ترى من يشنّ (الحرب باسم الله) في الماضي والحاضر.
    ((وجد الإرهاب منذ بداية البشرية والإنسان العاقل، وارتبط بالأديان بشكل عام ولم يتغير الكثير على هذا الواقع في الحقبة الحالية من العولمة لكن حجم، وعمق، واتساع إدراكنا كبشر لظاهرة الإرهاب هو الذي تغير وبتسارع كبير بسبب آليات العولمة المختلفة وبالذات التكنولوجيا)).(9)
    ((الإصلاح الديني مفتاحاً لحل المشاكل التي نعانيها، الديمقراطية والحداثة والتقدم التاريخي. فهذه جميعها تصبح رهينة بنجاح مشروع الإصلاح الديني. أو بقراءة عكسية، إن جذور كل مشاكلنا – انحطاط أخلاقي وتدهور في منزلة القيم والمعايير التي تحكم السلوك والنظام الاجتماعي – نجدها في المدونة الفقهية والكلامية التراثية التي يعتمدها الإسلام التقليدي)).(10)
    التراث الفقهي هو نتاج اجتهادات بشرية، ارتبط قسم كبير منها بحاجات فترات تاريخية سابقة واعتمد على ما وصلت إليه علوم تلك العصور القديمة، وأصبح بحاجة إلى أن يُجدّد جذريا ليلبي حاجات عصرنا الذي نعيش ويعتمد على ما وصلت إليه علوم عصرنا، أما حقل الأحاديث النبوية فقد بينت الأبحاث والدراسات الكثيرة، إشكالات تتعلق بمنهجية جمعه وتدوينه وبثغرات الدس والإضافات، وباستعماله في الصراعات السياسية والمذهبية وإملاءات سلطات الحكم لخدمة تسلطها وإغراءات المال والوجاهة.
    أهمية تنقيح التراثين تكمن في نفوذهما الكبير في تكوين العادات والسلوكيات والقناعات التي تمارسها وتؤمن بها اعداد هائلة من العرب، وهي سلوكيات وقناعات بالغة التخلف والتضاد مع حاجات العصر الذي يعيشه العرب، ولعل الممارسات العنيفة والبربرية التي تقوم بها الجماعات الجهادية التكفيرية في طول وعرض بلاد العرب، والتي تعتمد في تبريرها على اجزاء من ذلك التراث، تكفي لإقناع الجميع بالحاجة الملحة لإجراء تلك المراجعة بصورة شاملة وجذرية تعيد للأسلام روحه وأخلاقه، يغني الثقافة العربية ويسمو بالجوانب الإنسانية فيها من جهة وتصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة بشأن حقوق المرأة وكرامتها ومساواتها وبشأن الممارسة الديمقراطية في الحياة السياسية العربية
    الوعي الديني يستهدف تمكين الشريحة المتدينة من الناس من التمييز بين ما هو من الدين الكتابي وماهو من الدين الشعبي ومنح الأولوية للأول على الثاني، أي تحرير الدين الألهي من التراث البشري، وذلك بالتمييز بين ما هو من الكتاب في الدين وبين ما هو أجتهادات البشر وتفسيراتهم على مدى التاريخ.
    والتخلف الديني خلل حضاري حاد يصيب المجتمع، فيعيق مسيرته نحو التقدم والتكامل، على النقيض من الغرض الأصلي للدين وهو تحقيق سعادة الأنسان، حين نشخص أن المجتمع يعاني من التخلف الديني، فأننا نقضي تبعاً بذلك بضرورة الأصلاح الديني.
    وعبارة “الأصلاح الديني” ليست جديدة فقد أستعملت كثيراً في العالم المسيحي منذ عدة قرون، لكن هذا لا يعني إن نسخة الأصلاح الديني الأوروبي واحدة وأنها وصفة صالحة لكل زمان ومكان ودين، بل إن استقراء المجتمعات والأديان المختلفة يوحي بالقول أن لكل مجتمع دين نسخته الخاصة للأصلاح الديني.
    إن الغالبية في المجتمع العربي على يقين أن المرض النفسي وشفاءه هو بإرادة الله، ولذا كان قبول المحن والمآسي والمرض جزءا من الفكر الديني. ومن النادر أن يؤول المريض في هذه المجتمعات أسباب المرض والوفاة إلى فشل الطب بل هي إرادة الله، ويختلف ذلك تماما عن المجتمعات الغربية التي تؤمن بأن كل الأمراض والشفاء بيد الإنسان دون تدخل من الله، ان تقريباً 70% من المرضى النفسيين الذين راجعوا العيادة، سبق وأن قاموا بزيارة المشايخ والمشعوذين من رجال الدين لأجل عمل الحجاب والقراءات الدينية أو يعتقد المريض أن سبب مرضه هو الجني، الحسد، السحر… وذلك لقلة ثقافة المواطن بالصحة النفسية.
    وللأسف فإن الكثيرين حتى الآن يؤولون المرض النفسي خطأ بأنه نتيجة قلة الإيمان وعدم التمسك بأهداب الدين. ولا يعرفون الطفرة التي حدثت في الطب النفسي، حيث أن كل الأمراض النفسية ما هي إلا تغيرات كيميائية وفسيولوجية في المخ، وأحيانا حتى في نسيج المخ، وإنه لا يمكن الشفاء إلا بإعادة التوازن لكيمياء المخ.
    ومن المعتقدات الخاطئة عن الدين أن ثمة علاقة بين الإنسان والجن، وأن المجنون هو من مسه الجن، كثير من المرضى سرعان ما يتطوعون بالقول إن الجني ذكر في القرآن، ولكن ذلك سوء تأويل من قبلهم، فقد ذكرت كلمة المجنون في القرآن خمس مرات وصفا للأنبياء، وكيف استقبلهم العامة عند قيامهم بإرشادهم ودعوتهم للأديان السماوية، أي أن لفظ مجنون في القرآن يعني من يخالف المجتمع وليس بالمريض العقلي، ولا يوجد تشخيص في قاموس الطب النفسي يسمى بالمجنون بل يوجد المرض النفسي أو العصابي والمرض العقلي أو الذهاني، ولكن أسيء استخدام لفظ المجنون بواسطة الإعلام لوصف كل الأمراض النفسية.
    تختلف الأعراض النفسية حسب النشأة الدينية، ومثال على ذلك مرض الوسواس القهري، حيث أن60% تقريبا من الأعراض له علاقة بالدين سواء في أعراض الوسوسة في الوضوء، الصلاة، الحلال، الحرام، النجاسة، الطهارة، بل وأحيانا ما تكون الأفكار الوسواسية في هيئة العيب في الذات الإلهية. حتى في المريض العقلي، فنجد الأوهام تتبع النشأة الدينية نفسها، فيعتقد المريض خطأ أنه المهدي المنتظر أو أن عليه رسالة سماوية أو أنه قد نزل عليه الوحي بأفكار معينة، وإذا نظرنا للاضطرابات النفسية الاخرى فعادة ما يؤول ذلك إلى اللبس أو المس بواسطة الجن أو السحر والحسد، وهنا نستطيع القول إنه من الاستحالة علاج حالة نفسية دون معرفة الثقافة والنشأة التي يتبعها المريض النفسي، وإذا أردنا النجاح في زيادة الوعي بالمرض النفسي فعلينا الارتفاع بوعي المواطن العربي المرتبط بالناحية الدينية.

    الركن الثالث: التعليم والعلم الحديث
    أن العلوم والتكنولوجيا تتضاعف وتتحسّن بصورة مذهلة، بينما يدخل الفكر والقيم الإنسانية والممارسات الأخلاقية السويّة في عوالم الغموض والتشكيك والتزييف، وبالرغم من وجود محاولات جادة تحليلية ونقدية لكل ما يجري في عالمنا المعاصر، إلا أنها تواجه بمئات مراكز الأبحاث وألوف أصحاب القلم والكلمة الذين يقومون بعمليات التبرير والمدح وخلط الاوراق والمفاهيم لإبقاء الإنسان في دوّامة عدم اليقين وفي حالة من “الشلل الذهني”.
    من أولويات العملية التعليمية العربية بناء ذهنية فكرية قادرة على ممارسة التحليل والنقد والتركيب والتجاوز والاستقلالية والتعلم الذاتي المستمر، متشبعة بقيم أخلاقية وإنسانية، مقاومة للسلوك الأناني المنغلق، ومتمكنة من رفض الجوانب السلبية الكثيرة في الثقافة العولمية الحالية المرتبطة بالنظام الرأسمالي البالغ التوحش.
    إن بناء هكذا ذهنية سيحتاج إلى توفر أمرين: أولهما تهيئة معلم متمهن ًومثقف يؤمن بضرورة ذلك التغيير، وثانيهما بيئة مدرسية تمارس الديمقراطية في الصف ليتعلم الطلبة منهجية الحوار والتسامح مع الآخرين والاستقلالية في الفكر.
    ((العلم هو الباب الى الحضارة والعلم الحديث هو شرط الحداثة، ولا تكون الدولة حضارية وحديثة بدون العلم الحديث، والعلم نقيض الجهل والخرافة والسحر والاساطير، العلم هو معرفة بالواقع وطريقة للتعامل مع الواقع. والعلاقة بين الانسان والطبيعة تقوم على اساس العلم، كما ان بناء الدول علم، والادارة علم، والدولة الحضارية الحديثة تقوم على العلم في خططها وادارتها وتصرفاتها، والعلم هو من مستلزمات تحسين حياة الناس وتبسيط الاجراءات وتحقيق السعادة والرخاء والرفاهية)).(11)
    ((ينبغي تعميم درس التربية الحضارية، حيث يتعرف الطالب على “المجتمع الحضاري” الذي يتالف من  الانسان واخيه الانسان، وهذا هو العنصر البشري، والارض التي يسكنها الانسان ويعتاش على خيراتها، والعلاقة المعنوية،  ذات شقين هما: علاقة الانسان باخيه الانسان وعلاقة الانسان بالطبيعة، فأما علاقة الانسان باخيه الانسان فتقوم على اساس المساواة والتعاون والتعايش، فيما تقوم علاقة الانسان بالطبيعة على اساس الاستثمار واستخراج الخيرات.
 والتنمية الحضارية عبارة واسعة عريضة، كما هى الحال  بالنسبة للتخلف الحضاري، وتشمل، التنمية الاخلاقية الفردية التي تركز على تنشئة المواطن الحضاري الفعال، الايجابي، المقاوم للفساد، و التنمية السياسية التي تركز على بناء حياة سياسية سليمة قائمة على الحرية وحقوق الانسان والمشاركة العامة، و التنمية الثقافية التي تركز على الثقافة الهادفة التي توفر الارضية المعرفية للنهوض الحضاري، و التنمية الاقتصادية التي تشجع الانسان على العمل والسعي في رحاب الطبيعة لاستخراج كنوزها الكثيرة وتنمية الانتاج ومنع الثروات العامة من الهدر والضياع وسوء الاستغلال.
    ستبرز مادة التربية الحضارية دور الاديان في مواجهة: التطرف الديني، والتعصب، والعنف، واضطهاد المراة، والتبذير وهدر الثروات، والتخلف الحضاري. وهذه كلها ظواهر يشجع التعسف في فهم الدين والتشدد في ممارسته على ظهورها وتعمقها في المجتمع، وخاصة المجتمع الذي يعاني من الخلل في المركب الحضاري الذي يؤدي الى الباس الظواهر السلبية لبوسا دينية فتتحول في الدين الشعبي الى جزء من العبادات والشعائر ومستلزمات التدين، سيتركز في ذهن الطالب ان العبادات والشعائر والطقوس وسائل توصلية الى اهداف سامية وليست غايات بحد ذاتها)).(12)
    ((ما لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية، تنوي التغيير الجذري في التربية والتعليم، ويتلازم هذا مع إجراءات سياسية، بالتناوب مع التغييرات التربوية، وإلا فإن الإصلاحات حتى ولو كانت جذرية يمكن أن تنقلب في أي لحظة بتغير الحكم، لذا من الضروري أن نؤكد أنه لا مناص من التغيير الشامل والكبير)).(13)

    الركن الرابع: النظام الأقتصادي والأجتماعي
    ((من أجل أن تتوفر فى الإصلاح الاقتصادى الشروط المطلوبة لتحديثه لابد من ولوج الحداثة السياسية أيضا والتى تتمثل فى بناء الدولة الديمقراطية. فوجود المؤسسات القانونية التى تفرض احترام القانون والالتزام به، وفصل واستقلالية سلطات الحكم الثلاث، التشريعية والحكومية والقضائية، ومراقبتها لبعضها البعض، ووجود الإعلام الحر المراقب، وترسيخ مبادئ المواطنة المتساوية، ستكون ضمانات ضد الفساد والمحسوبية والاستغلال فى الحياة الاقتصادية، وضمانات لوجود الشفافية والمحاسبة وعدالة التوزيع.
 والحداثتان الاقتصادية والسياسية تحتاجان بدورهما إلى حداثة اجتماعية تغير أسس العلاقات فى المجتمع. فالمجتمعات تحتاج أن تنتقل من البدائية التقليدية، حيث تهيمن العلاقات القبلية والعشائرية والأصول العائلية أو المذهبية أو العرقية، إلى المجتمعات التى تكون فيها المعايير الحاكمة معايير الجهد والإنتاجية والكفاءة والإبداع والخدمة العامة والتميز فى القيام بواجبات ومسؤوليات المواطنة.
 إنه مجتمع يوازن بين الفرد والمجتمع بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، وهو منفتح على التغيير والتجديد بعقلانية وبلا عقد ماضوية)).(14)

    الركن الخامس: الحداثة الثقافية والفكرية
    ((إن الحداثة الثقافية والفكرية تهدف إلى تغيير الإنسان، من خلال إقناعه وتعليمه، ليصبح مقتنعا وقادرا على ممارسة ثوابت ثقافية وفكرية جديدة فى حياته. فى قمة هذه الثوابت استعمال العقل والمناهج العقلانية والأساليب العلمية عند تعامله مع التراث والتاريخ وما يقرأ أو يسمع أو يشاهد أو يمارس فى حياته اليومية، وبالتالى لا يسقط تحت سحر الخرافات والدعايات والآمال الكاذبة. إنها عقلانية قادرة على تحليل الأمور بإبداع ونقدها وتجاوزها إن لزم الأمر.
 فى قلب هذه الثوابت احترام الإنسان لاستقلالية ذاته من خلال تكوين قناعاته بحرية ومسؤولية، وبالتالى عدم خضوعه أو ذوبانه فى الذات الجمعية لهذه الجماعة أو تلك. لكنها فى نفس الوقت ذاتية غير أنانية ومتناغمة ومتكاملة مع الذات الجمعية من خلال الالتزام الأخلاقى والنضالى بقضايا الأمة والوطن والإنسان.
    ولأن تغيير الأفكار والعادات والسلوكيات الخاطئة والقناعات المعيقة للتقدم عملية كبيرة ومعقدة فإن المسؤولية لا تقع على كاهل المفكرين والمثقفين فقط. إنها تحتاج إلى انخراط مؤسسات مفصلية فى عملية التجديد والتحديث، وعلى رأسها المدرسة والجامعة ومراكز البحوث ومختلف وسائل الإعلام والكثير الكثير من مؤسسات الثقافة بما فيها المسرح والسينما والغناء والرسم.
 ولا تستطيع تلك المؤسسات القيام بمهمة الحداثة الفكرية والثقافية دون أن تكون قد استوفت متطلبات الحداثة فى ذاتها، أهدافا وتنظيما ووسائل)).(15)
    “إن الشعب العربي الذي عاش تحت الاستبداد وتعود على قبول قيمه وأكاذيب فقهاء سلاطينه سيحتاج إلى جهد ضخم متعدد الصور يبذله المفكرون والمثقفون ومؤسسات التربية والثقافة والاعلام لتغيير ذهنية أفراده لتقبل وممارسة مضامين الديموقراطية السياسية والاجتماعية في حياتهم الخاصة والعامة”.

    الركن السادس: المرأة ومفهوم الشرف
    العقل العربي هو صورة معقدة التركيب، وأن أساليب التربية المختلفة، تبدأ بالولادة، وتكون مصحوبة بالأمل المتحمس والمتفائل من قبل الأب والأم وجميع أفراد العائلة الآخرين، الذين يأملون أن يكون الطفل المنتظر ولداً، ومنذ ذلك الحين تجري صياغة شخصية البنت والولد في نموذجين غير متكافئين بشكل أساسي.
    ((إن المشكلة الجوهرية في قضية المرأة في المجتمعات العربية، تكمن في أنه تم استبعاد النساء عن أي نشاط يمكن أن يحمل مدلولاً فاعلاً، أو حتى أي تأثير في صنع القرارات، والتي من الممكن أن تركز على تشكيل الوعي جذرياً حيال المسائل المتعلقة بالمرأة. ولازال مجتمعنا العربي خاضعاً لنظام معقد، تتسم علاقاته بالتسلطية والمحسوبية في كافة مؤسساته، كما ينسحب ذلك على أية مؤسسة أو منظمة أو جمعية تُعنى بقضايا المرأة كونها ليست سوى شكل من أشكال النظام القائم، والتي غالباً ما تتسم بالطابع الخيري الطوعي.
    من المعلوم أن وضع المرأة في القوانين العربية جد معقد ومتشعب، حيث المرأة على صعيد المواطنة محرومة من حقوقها الإنسانية والقانونية، وعلى صعيد الفاعلية هي غائبة عن صنع القرارات وسنّ القوانين. ولم تختلف الصورة النمطية للمرأة كثيراً في تلك القوانين؛ فهي بشكل عام تعتبرها فاقدة الأهلية في التصرف بملكيتها وأموالها، أو حتى أنها في غالب الأوقات لا تملك حق اختيار الزوج أو حق الطلاق… كما يسوّغ للرجل حق الطلاق بحجة أن عقله وسلوكه أقرب إلى الحكمة والتروي. بينما يطلب من المرأة إذا ما طالبت بالطلاق إثبات الضرر الحادث عند استمرار الحياة الزوجية، والتنازل عن قدر من المال، مؤخر الصداق/المهر، وغالباً ما يملك الرجل من الوسائل الكثيرة، ليبتز بها المرأة ويجعلها تعفيه حتى من النفقة، وذلك كله تحت غطاء القانون والشرع!
    المرأة كائن مستهلِك ومُستَهلَك في وسائل الإعلام، تستعرض نفسها من خلال ملبسها وحليها وزينتها وقدرتها المالية، ومن جهة أخرى هي سلعة، شيء يستخدم في الإعلانات كموضوع لترويج المنتجات الاستهلاكية، جسد يتم حشد كل الطاقات والإمكانات لإظهار مفاتنه وجماله، فنجد الاهتمام الشديد بالأزياء واتباع الموضة وفنون الماكياج والعناية بالجسد، وهذه الإعلانات بالطبع تحاكي الطبقات الغنية، وإلى حد ما الوسطى، مما يعزز أيضاً التفاوت الطبقي بين النساء، ونادراً ما نشاهد إعلاناً يحاكي المرأة الريفية أو الفلاحة، إلا من خلال أدوات التنظيف المنزلية وغيرها…
    أما الصورة الغالبة في القصص والروايات، فهي صورة المرأة التي تولي وجودها في المنزل أهمية كبيرة على حساب حياتها الشخصية أو طموحها، ما يضع مفهوم التضحية في المقام الأول. ويجري التلميح دوماً إلى أن خروجها إلى العمل ناجم عن العوز الاقتصادي فقط، دون الإشارة إلى ما يمكن أن تحرزه المرأة من نضج عقلي أو اكتساب للخبرة الاجتماعية من جراء خروجها، أو ما قد تقدمه من قيم إيجابية وثقافة توعوية والنهوض بمجتمعها.
    على الحكومات العربية ان تضع حقوق المرأة ضمن إحدى أولوياتها، وتشجع جميع الجهود الرامية لتمكينها، انطلاقاً من حقوق الأنسان التي أقرت مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في القيمة والكرامة الإنسانية مساوية بذلك بينهما في الحقوق والواجبات وتسعى انطلاقا من ذلك إلى ضمان تعزيز مشاركة المرأة في جميع مناحي الحياة العامة وتعزيزها بما في ذلك المشاركة السياسية وصنع القرار والتمثيل البرلماني، والحرص على وضع القوانين والتشريعات، التي تهدف إلى حماية المرأة من جميع أشكال العنف والتمييز إضافة إلى توفير الحماية الاجتماعية لها وضمان وصولها للتعليم والصحة، وتوفير البيئة الآمنة لها من خلال اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالمساءلة والمحاسبة من الانتهاكات التي من الممكن أن تتعرض لها.
    وفيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية ينبغي الحرص على ضمان توفير وتكافؤ فرص العمل للمرأة، باعتبارها إحدى الركائز المهمة في تحقيق النمو الاقتصادي للبلدان، وإيماناً بأن مشاركتها في سوق العمل يعد الطريق الأمثل نحو تحقيق نمو اقتصادي ناجح.
    إن تحرر المرأة العربية يجب أن يُفهم أولاً، على أنه تحرر من الازدواجية والحالة اللاإنسانية التي يحياها المجتمع العربي أجمع)).(16)

    ((فنحن لا يمكن أن نتقدم إلا بفضل الكفاءات البشرية، كما لا يمكن لهذا الكادر البشري أن يكون فعالا إلا في مناخ ديمقراطي يحترم الحريات وحقوق الإنسان، وهذا هو كفاحنا في الوطن العربي)).(17)

    مصادر الخاتمة :

    شيرين محمود قدوري – المرأة بين مطرقة التقاليد وسندان التنميط – مؤسسة مؤمنون بلا حدود 28- 6 – 2018
    حسن العاصي – تحرير العقل العربي من قيود الشرق والغرب – موقع قنطرة
    طيب تيزيني – الحضارة العربية وأزمة التحول جريدة الاتحاد- 26-12-2018
    نفس مصدر رقم 2
    5 – حسام ميرو – وثيقة الأخوة الأنسانية وعقلنة الخطاب الديني – جريدة الخليج 11 – 2 – 2019
    6 – حسام ميرو – جدل التنوير والدولة الحديثة – جريدة الخليج 10-6-2019
    7 – علاء الدين محمود – الغرب يعيش وهم الحداثة –جريدة الخليج 16-3-2019
    8 – محمد عبد الجبار شبوط – اعمدة الدولة الحضارية الحديثة
    9 – سعود الشرفات – الارهاب العالمي المعاصر بين التفتيت والدمج – مؤسسة مؤمنون بلا حدود 22-10-2018
    10 – موريس عايق – تعثر الاصلاح الاسلامي – موقع قنطرة
    11 – نفس مصدر رقم 8
    12 – محمد عبد الجبار شبوط – التربية الحضارية
    13 – محمد علي فخرو – أومن بدور المدرسة في أيجاد حداثة عربية – جريدة الخليج – 12 – 7 – 2008
    14 – محمد علي فخرو – الحداثة العقلية شرط لكل الحداثات 9-4-2015
    15 – نفس مصدر رقم 14
    16 – نفس مصدر رقم 1
    17 – نفس مصدر رقم 13

    اتجاهات الفكر الاقتصادي العربي المعاصر

    D. محمود خالد المسافر عضوية مجانية
    رئيس مؤسسة النهضة / ماليزيا

    بحث مقدم للمعهد الدولي للتجديد العربي – أريج
    مدريد / اسبانيا

    مقدمة
    يعرف الفريد مارشال علم الاقتصاد بانه “دراسة للبشرية في شؤون حياتها العادية” ومن ذلك كان الاختلاف في الفكر الاقتصادي على عموميته، يستقي محتواه من الاختلاف بين الهياكل والطبقات الاجتماعية المتنوعة، لكنه في ذات الوقت يؤكد اهمية الفكر الاقتصادي في حياة الشعوب والامم، بوصفه معبرا اساسيا لتوجهات المجتمعات الفكرية ولتطور البنية القيمية لها.
    وحتى ان بعض الاقتصاديين والمفكرين يتهمون علم الاقتصاد بان ليس له منهج فاعل ولا نتائج مؤكدة او جديرة بالقبول عالميا، ويضعون لذلك اسبابا ـ تكمن في عجز علماء الاقتصاد عن ان يتفقوا على ما يؤلف منهجا علميا مقبولا، او بسبب ان الموضوعات التي يعالجها علم الاقتصاد ذات علاقة وثيقة بالحقوق المكتسبة وبالصراع الطبقي في المجتمع، بحيث يجد معظم الناس من الصعوبة النظربنزاهة الى اية نتيجة علمية، فلا يحبذونها او يرفضونها الا تبعا لما يبدو من انسجامها مع ميولهم اولا. ولا يبتعد الاقتصاد العربي ومنظروه ودعاته كثيرا عن وضع منظري الاقتصاد الغربي، ولكن مما يزيد وضع الفكر الاقتصادي العربي تعقيدا هو ان البنية القيمية التي يستند اليها المجتمع العربي، لا تترك الاقتصاديين احرارا في تبني او ابتداع افكار او رؤى اقتصادية لا تسير على خط واحد وتلك البنية القيمية. وحتى لو اراد اولئك الاقتصاديين ان يتمردوا عليها من خلال تبنيهم لافكار وطروحات خارجية، غربية كانت ام شرقية، الا انها لن تجد الصدى المطلوب لجعلها شعبية او عامة، مما يبقيها اسيرة التداول المحدود بين فئات معينة من المجتمع. وحتى لو وجدت هذه الافكار احيانا، مستفيدة من التشابك بين المنظومات الفكرية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفلسفية، فسحة زمانية ومكانية اكثر اتساعا مما تؤهله المنظومة الفكرية الاقتصادية المجردة، الا انها كذلك لن تجعلها مستمرة او مستديمة او على حد قول بعض اهل السياسة مبدئية وثابتة.
    وكان الفكر الاقتصادي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين اسير تطورات الفكر السياسي، فكان تابعا له وليس قائدا له او حتى في حركة موازية له، كما هو حال هذا الفكر في المجتمعات الغربية. وليس ادل على ذلك من ان الفكر الاقتصادي العربي المعاصر انقسم على نحو واضح الى قسمسن، احدهما، فكر رأسمالي وآخر اشتراكي، استجابة للصراع السياسي بين القطبين المعروفين آنذاك . وفي الوقت الذي انقسم فيه الفكر الاشتراكي الى ماركسي وغير ماركسي على وفق التصنيف السياسي، لم ينقسم الفكر الرأسمالي، كما هو حاله في بلدانه الاصلية، الى فكر كلاسيكي وكلاسيكي جديد وتدخلي كنزي، بل والى المدارس الجديدة المتولدة عن تلك الافكار مثل التوقعات العقلانية واقتصاديات جانب العرض وغيرها من فروع الفكر الرأسمالي. ويعود السبب في ذلك الى عدم وجود تصنيفات سياسية للاصناف الفكرية الرأسمالية، كما هو حال الاصناف الاشتراكية، حتى ان من يتبنى الفكر الرأسمالي يصبح جائزا عنده تبنى اي من الافكار الرأسمالية المذكورة، بل يمكن ان يتبناها جميعا، ليختار منها ما يشاء، وفي ذات الوقت الذي تتعارض في الغرب المدارس الرأسمالية لتصل الى حد التناقضات العميقة بينها. لكن هذه الخلافات لا تجد الصدى نفسه في المجتمع العربي.

    تصنيفات الفكر الاقتصادي العربي المعاصر
    يعتقد بعض المفكرين انه وعلى الرغم من ان الوطن العربي الكبير لا يكوّن في واقعه الموضوعي وحدة اقتصادية واحدة، ومن ثم فانه يصعب معه توصيف اقتصادا عربيا واحدا، بل يمكن توصيف مجموعة اقتصادات عربية، التي قد تكون متشابهة في بعض حلقاتها. الا انه يمكن تصنيف ما يدعى فكرا اقتصاديا عربيا، وذلك لتشابه الاسس والمنطلقات لذلك الفكر، ولوجود حلقتي الزمان والمكان اللتين تربطان المتناثر من اجزائه وان اختلفت.
    وعلى الرغم من ان بعض المفكرين (كما هو حال الدكتور محمود عبد الفضيل) يرجع منطلقات الفكر الاقتصادي العربي بوصفه فكرا علميا منضبطا له هوية مميزة، الى القرن الرابع عشر الميلادي ويستدل في ذلك من خلال نموذجين ماثلين في كتابات ابن خلدون والمقريزي. الا ان حقيقة الامور تدعو الى التأني في قبول هذا الرأي. ذلك ان منطلقات اولئك الفلاسفة والكتاب الاجتماعيين العرب كانت محسومة لصالح اتجاه واضح ومعروف وهو الفكر الاسلامي باتجاهاته كافة. وحتى يكون الفكر الاقتصادي العربي المطروح للدراسة، وهو الفكر الاقتصادي العربي للنصف الثاني من القرن العشرين، استمرارا لفكر اولئك الكتاب ينبغي ان تكون لهم المنطلقات والثوابت ذاتها. وطالما ان منطلقات الاقتصاد العربي اليوم، اذا جاز الوصف، لا تشبه وتتوافق مع منطلقات العلماء الاجتماعيين العرب قبل ما يقارب الالف عام. ولذلك لا يمكن الجزم بان الفكر الاقتصادي العربي تطور من ابن خلدون والمقريزي حتى وصل الى سمير امين وفؤاد مرسي على سبيل المثال. وعندما يحاول البعض اعتبار ابن خلدون اقتصاديا ويستدلون على ذلك بكتاباته عن ظواهر القيمة وتقسيم العمل والنمو الاقتصادي والتضخم، واطلاق هذه الصفة على المقريزي ايضا بالاشارة الى كتاباته عن الظواهر النقدية والدورات والازمات الاقتصادية. وعلى الرغم من ان ذلك السبق يحسب لهما – الا ان ذلك لا يعني ان الاقتصاديين العرب المعاصرين هم امتداد لاولئك، لمجرد انهم درسوا الظواهر ذاتها. من غير اعتبار لطريقة تناولهم الظاهرة والمعايير والمقاييس المستخدمة لحل مشكلاتها، بل والاهداف الكامنة وراء الرغبة في حلها، والا لكان ممكنا عندها ان نقول ان فكر كارل ماركس امتداد لفكر ابن خلدون، وان كنت انا ممن يعلنون باستمرار ان كارل ماركس استقى الكثير من افكاره ممن سبقوه من علماء الاجتماع العرب. فقد كنت جزءا من محاولة قادها المرحو الاستاذ الدكتور فاضل عباس الحسب في منتصث التسعينات لتوضيح اهم التأصيلات الفكرية التي استقاها كارل ماركس من الفلاسفة والاجتماعيين العرب امثال ابن خلدون والمقريزي ويعض من افكار القاضي ابو يوسف. اذ حصل المرحوم الحسب على نسخة من وثيقة مهمة محفوظة في المتحف الجيكي وهي عبارة عن رسالة من كارل ماركس وموجهة الى صديقه وشريكه في الافكار الراسمالية يقول له فيها انه وقعت بين يديه وثيقة عربية لعالم اجتماع اسمه المقريزي، تمت ترجمتها ووجدت فيها اجابات اهم الاسئلة التي تجول في عقلي، وقال له ساعكف على قراءتها وتحليلها ومن ثم ساكتب اليك مرة اخرى. للأسف لم يكمل المرحوم الحسب هذا المشروع اذ وافته المنية في منتصف عام 2002.
    وتأسيسا على الذي سبق، وعلى نحو بسيط، فاننا سنقدم في المتبقي من هذه الوريقات رأينا في اتجاهين واضحين في الفكر الاقتصادي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، واؤكد هنا ان هذين الشقين في الفكر الاقتصادي لا يمتازان كثيرا بالاستقلالية وان ادعى مريدوها عكس ذلك.

    الشق الاول: التخلف والتبعية (نظرية المحيط والمركز)
    عاش الوطن العربي في الحقبة الزمنية التي سبقت المرحلة المدروسة، وكغيره من دول الجنوب، تحت وطأة الاستعمار، وعانى من النهب الاستعماري لخيراته وموارده، وتتابعت على وطننا العربي الكبير حملات المستعمرين، برتغاليين واسبان وايطاليين وانجليز وفرنسيين وغيرهم، ولم يسلم من اجزائه الا تلك التي اطبقت عليه الدولة العثمانية مثل العراق والشام والجزيرة العربية وحتى انهيارها عشية نهاية الحرب العالمية الاولى، لتصبح هذه المنطقة نهبا للمنتصرين في الحرب.
    ولما كان الفكر الانساني ينبع استجابة لواقع المجتمع وحاجاته، فقد تركز الفكر العربي عموما في مفاهيم الظلم والاستبداد والتمييع الاجتماعي والفرنسة وغيرها، واصبحت هذه المفاهيم سمة واضحة للفكر العربي، وورث الفكر الاقتصادي العربي تلك الرؤى والمفاهيم وتبناها استجابة طبيعية لواقع المجتمع الذي انبثق منه. اذ شهد اقتصاديو تلك المرحلة عملية اعادة تقسيم العمل الدولي لصالح المراكز الاستعمارية المنتصرة في الحرب على حساب المستعمرات. فساد الاعتقاد المبني على اساس الصراع بين الامبريالية والقوى الوطنية.
    وليس بخافيا على احد ان هذا النوع من الصراع استقى جذوره الفكرية من المنهج الالماني، وفي كتابات فلاديمير لينين في بداية القرن العشرين، لا سيما كتابه “الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية” الذي تم نشره عام 1916. وهنا ينبغي التنويه الى اننا لا نعتقد ان كل من آمن بالصراع بين الاستعمار والقوى الوطنية يعد منتميا للمنهج الالماني المادي او لخلفه المنهج اللينيني.
    اننا نريد ان نعيد كل فكر الى جذوره، لان هناك من الاقتصاديين العرب من تبنى فكرة الصراع تلك وهو يقف بالضد – او على الاقل يصرح بذلك – من المنهج الالماني او الشيوعي اللينيني.
    فتبنى الكثير من الاقتصاديين العرب (الذين يمكن تصنيفهم على وفق المفاهيم السياسية بخط اليسار) تلك المفاهيم والتي مفاد ملخصها، ان العالم ينقسم الى مركز Center، والى محيط او تخوم Peripheries. والتي لم يكن مبتدعها عربيا، ولكن ماركسيا امريكيا لاتينيا وهو الاقتصادي الارجنتيني راؤول بريبش، الذي عمل سكرتيرا تنفيذيا للجنة الاقتصادية لامريكا اللاتينية التابعة للامم المتحدة في عام 1949. وكانت خلاصة تحليله لواقع الصراع في العالم، هي ان هناك جزء من العالم يتكون من مركز للنشاط الاقتصادي وهو الولايات المتحدة الاميريكية، يسيطر ويوجه ويؤثر، ومن اطراف وتخوم، وهي بالذات دول امريكا اللاتينية، تتحرك في فلك ذلك المركز ومحكومة بحركته، متاثرة بها، ومتجهة دائما لخدمة مصالحه تماما. عمم الكتاب الماركسيين آنذاك، ومنهم اندريه جندر فرانك وسمير امين، فكرة بريبش تلك على الدول المتقدمة كلها، ناظرين اليها بوصفها مراكز، والى دول الجنوب كلها آنذاك، بوصفها تخوما اواطرافا. مؤكدين ان نموذج النمو في التخوم يختلف جوهريا عنه في القلب، فهو في المركز (او القلب) نمو ذاتي، في حين انه دائما يتجه لخدمة المصالح الخارجية في دول التخوم.
    وقد تأثر بهذه النظرية عدد كبير من اقتصاديي ومفكري المغرب العربي (ماركسيين وغير ماركسيين) نظرا لتوافقها وتناغمها مع حالة الصراع الذي عاشه المغرب العربي مع قوى الاستعمار. ثم انتقلت هذه الافكار الى جميع انحاء الوطن العربي ليتبناها الاقتصاديون من الوطنيين والاحرار، ولكن دون الخوض كثيرا في اصول تلك النظرية ودون تحديد من هو المركز ومن هم الاطراف. حتى تحول الصراع من صراع على الارض الى ايمان بوجود الصراع حتى بعد استقلال الدول العربية جميعها من براثن الاحتلال الغربي.
    ومما ساهم كثيرا في رواج تلك النظرية والاعتقاد بنجاح الاخذ بها في طريق التحرر من قبضة الاستعمار الاقتصادية، نجاح بعض التوجهات الوطنية في بعض الدول العربية، على سبيل المثال تأميم قناة السويس في مصر. وظهور التيار الناصري فيها وانتشاره الى بعض الدول العربية.
    وانقسم رواد هذه النظرية في طريقة التعامل معها، الى راغب في الانفلات منها من خلال تقليص علاقات التبعية والاعتماد على النفس او الذات في تنمية الاقتصاد الوطني، ولكن دون ان يؤدي ذلك الى الانغلاق الكامل اعترافا منهم بحاجتهم لتكنلوجيا وعلوم وخبرة دول المركز. والى راغب في اجراء تغيير للواقع السائد بعلاقات التبعية من خلال محاولة اعادة صياغة تلك العلاقات على وفق اساليب جديدة عن طريق اعادة تقسيم العمل الدولي، بحيث يُعاد توزيع الصناعات والانشطة الاقتصادية بين المركز والمحيط، وان يكف المركز عن احتكاره للتكنولوجيا مقابل ان توفر التخوم المواد الاولية والوسيطة للصناعات المهمة في المركز.
    وكان هؤلاء الاقتصاديون هم الذين شاركوا زملاءهم في دول العالم الثالث بالدعوة عام 1974 الى انشاء نظام اقتصادي دولي جديد مبني على اساس من المصالح المتبادلة بين دول العالم المتقدم.
    على الرغم من الثناء الذي يمكن ان يُذكر في هذه النظرية، من حسن تحليل ومبدئية في الموقف وغيرها، الا اننا نظل نقف امام اغتراب واضح للفكر الاقتصادي العربي، وانقياد بيّن لفكرة اصلها لا يمت بصلة الى واقع البنية القيمية للمجتمع العربي، ولواقع وحقيقة وارهاصات الصراع بين العرب واعدائهم، والتي تكشفت اليوم لتتجاوز ما ذُكر من صراع بين مركز واطراف، او صراع بين قوى الانتاج. انما حقيقة هذا الصراع هو صراع بين فكر مقتبس من وحي الله، عام، شامل واسع، شفاف، واضح وبيّن، وبين فكر ضيق لا يستند الى اي اساس سوى اساس مادي يخدم مصلحة فئة معينة من الناس والمجتمعات على حساب الاخرين. فتحول هذا الصراع الى صراع بين العرب حاملي ذلك الفكر وبين حاملي الفكر الضيق المقابل بكل تقسيماته المعروفة، فهو اذا صراع حضاري.

    الشق الثاني: التيار الليبرالي العربي
    الليبرالية القائمة على المساواة في توزيع المنافع الاقتصادية والاجتماعية فضلا عن المساواة امام القانون. ويُعرف هذا النوع من الليبرالية باسم Egalitarian Liberalism
    الليبرالية المرتبطة بالنظام الرأسمالي المادي والسوق الحر وتُعرف باسم Libertarianism، ويؤكد هذا النوع على المساواة تجاه القانون من جهة، وعدم المساواة المادية من جهة اخرى.
    ويتبنى الرأسماليون المفهوم الثاني في حين يعتقدون ان المفهوم الاول افلاطوني لا يمكن تطبيقه. واذا ما أُخذ بنظر الاعتبار ايمان الليبراليين الرأسماليين بمبدأ التراكم بوصفه طريقا وحيدا لزيادة الاستثمار والتطوير والابتكار، امكن حينها التوصل الى ان الفكر الحر السائد منذ ثلاثة قرون لا يمت للمذهب الليبرالي الفلسفي الاول باية صلة. والطريف ان المدخل الذي استخدمته الايادي الليبرالية للوصول الى العقل الانساني في دول الجنوب هو النوع الاول، وليس الثاني، حيث الاعتقاد بكرامية الانسان وحريته في استغلال اقصى قدراته، والفرص المتاحة امامه بحسب فلسفة حياته، ولكنه يخضع لشرط واحد فقط هو عدم التدخل في حرية الآخرين، وحتى تختبر الناس ما هو مطبق فعلا، تكون قد اوغلت في الليبرالية ايغالا، ولن تتوفر حينها اية فرصة لهم للفكاك منها.
    وتطورت مفاهيم وتطبيقات الليبرالية عبر مسيرة النظام الرأسمالي من الليبرالية المفرطة منذ عهد آدم سمث الى الليبرالية المعدَلة حين حاول جون ماينرد كينز التخلص من مشاكل الكلاسيكية ونقاط ضعفها. ثم تطورت الى الليبالية المصممة التي حاول مصمموها المزاوجة بين الكلاسيكية والكينزية تخلصا من المشاكل التي تمثلت بالتضخم الركودي Stagflation، وصولا الى الليبرالية الجديدة المشتقة مما سبقها، ولكن الفرق بينهما هو ان الاولى كانت محاولة مزاوجة داخلية بين الفكرين الكلاسيكي والكنزي، والاخرى محاولة خارجية لاجراء تلك المزاوجة، باستخدام الوسائل الكنزية خارجيا لفرض الحرية الكلاسيكية على بلدان الجنوب.
    وبعد هذه المقدمة البسيطة عن الليبرالية على وفق المفهوم الرأسمالي، نقول، وجدت هذه الافكار صداها في المجتمع العربي عند بعض الاقتصاديين الذين يمثلون النخبة الغنية (التجارية والصناعية) المرتبطة بالمصالح الغربية، وعندما بدأ عهد الثورات في الكثير من الدول العربية، والتي ادت الى استقلال الكثير منها في بداية النصف الثاني من القرن العشرين تراجعت هذه الافكار كثيرا مقابل تطور وشيوع الافكار اليسارية مدعومة من الشرق الاوربي، ومع تراجع النخبة الغنية بسبب سيطرة الدولة على مقاليد الامور الاقتصادية. ولكن لا يعني ذلك ان الافكار الليبرالية قد اختفت تماما، وانما كان هناك انزواءا مؤقتا الى ان تحين الفرصة للظهور مجددا. وقد سنحت الفرصة لهم بعد نكسة حزيران وبدء تراجع المد القومي العربي، مؤقتا، بسبب الفشل العسكري امام الكيان الصهيوني، لتشهد الساحة الفكرية القومية تراجعا باتجاهين، الاول نحو اليسار والاخر نحو اليمين، وهكذا بدأ الفكر الليبرالي ينشط من جديد بعد ان تهيأت الظروف نتيجة اصابة الجماهير العربية بالاحباط الشديد الناتج عن خسارة المعركة. واخذت الليبرالية طورها الواضح مع انتهاء التجربة الناصرية بموت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في عام 1970، وتوجه جمهورية مصر العربية راعية القومية العربية الى الانفتاح الاقتصادي، فقاد فريق من الاقتصاديين، مصريين وغيرهم من العرب اتجاها مفاده “ان العالم قد تغير من حولنا، وان ما يحدث الان في البلدان الرأسمالية يدعونا لان نغير ايضا من مفاهيمنا وسياساتنا تجاه الكثير من القضايا الاقتصادية، فالبلدان الرأسمالية تصفي الان القطاع العام وتبيعه للقطاع الخاص وتتخلى عن اهداف التوظيف الكامل ومجتمع الرفاه وتضغط على الاعانات الاجتماعية، وتستبعد الدولة من الحياة الاقتصادية تاركة المجال لقوى السوق لكي تعيد ترتيب آليات النمو والتوزيع. ليطلق على هذا الاتجاه فيما بعد تسمية “تصحيح المسار”.
    وهنا تبنى اولئك المفكرون مواقف عصرانية، كما يذكر محمد عابد الجابري في كتابه اشكاليات الفكر العربي المعاصر، تدعو الى تبني النموذج الغربي المعاصر بوصفه نموذجا للعصر كله وللعالم كله، اي النموذج الذي يفرض نفسه تاريخيا بوصفه صيغة حضارية للحاضر والمستقبل. ولا نريد هنا ان نشكك في مصداقية ايمان اولئك الكتاب، ولكن نقول ان تلك النزعة لم تكن عند من آمنو بها فقط، وانما عند آخرين دُفعوا اليها دفعا، اما من قبل اصحاب رؤوس الاموال املا في تنشيطها، او من سلطة ارادت ان تقيد يديها بنفسها، او من مؤسسات وجهات دولية رغبة في توسيع دائرة المعرفة بالرأسمالية والليبرالية من اجل التمهيد لمرحلة قادمة تتخلى فيها الدولة في دول الجنوب عموما، وفي الوطن العربي على وجه الخصوص عن كل واجباتها الاقتصادية، وكما حدث فعلا بعد تدخل مؤسسات بريتون وودز الثلاثة (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية) في فرض الليبرالية من خلال تطبيق آلياتها في تحرير التجارة وفك القيود والضوابط عن حركة رأس المال، وبيع مشاريع القطاع العام الى القطاع الخاص، واضعاف دور الدولة الاقتصادي، وخفض الانفاق الحكومي في الخدمات الاجتماعية. وطبعا فيما يخص منظمة التجارة العالمية فرض الحرية التجارية ورقع القيود والغاء التعريفة الجمرجية وتسهيل حركة السلع وغيرها من شروط تضمن على وفق النظرية الراسمالية الكلاسيكة التوزيع الامثل للموارد والسلع. ونجحت هذه المؤسسات جميعها بالمهام الموكلة اليها في لبرلة الكثير من الاقتصادات العربية، ترافقها تبريرات الاقتصاديين الموالين لليبرالية والذين ازداد عددهم كثيرا بعد موجة العولمة التي اجتاحت العالم منذ مطلع العقد الاخير من القرن العشرين. ومما ساعد على انتشار التيار الليبرالي بين الاقتصاديين العرب فشل الفكر المقابل في تجربة تجاوزت الخمسين عاما، وفشل رواده من مؤيدي نظرية التبعية في مواجهة العولمة وتياراتها، على الرغم من كثرة كتاباتهم، بل انهم لم يستطيعوا اقناع الغالبية من الناس بضرورة التخلي عن مكاسب يلمسها ويراها الناس في التقنية الهائلة التي جاءت بالعولمة وجاءت بها العولمة، خوفا من خسائر مستقبلية غير منظورة ومزيد من التبعية للمركز، وحتى الذين قبلوا منهم مرغمين بالعولمة، وهم كثر، وضعوا مفاهيم تعاني من ازدواجية غير متناغمة بين افكار التبعية التي لا يريدون التخلي عنها، وبين وبين قبول العولمة بوصفها قدرا لا يمكن الخلاص منه، ليصلوا بالنتيجة الى انها ظاهرة موضوعبة حيادية، مثلها مثل التقدم التكنولوجي، كلاهما غير مرتبط عضويا بنظام اقتصادي – اجتماعي معين، اما النظام الذي يسبق غيره في صنعها او التأقلم معها فهو النظام الاكثر تفاعلا مع حركة التاريخ وروح العصر والاكثر قدرة على المرونة والتكيف. وبذلك يحاول اولئك الاقتصاديون ان يصوروا الصراع على انه صراع بين انظمة، وليس منظومات فكرية، حتى يستطيعوا الاستمرار في الترويج لما يؤمنون به.
    وساد النمط الليبرالي من الفكر الاقتصادي العربي للعقد الاخير من القرن العشرين، ومع موجة العولمة الهائجة الى حد نهاية العقد الاول من القرن الواحد والعشرين لم يكن يستطيع احد ان يتبنى فكرا اقتصاديا مضادا معلنا ومقبولا وكان يمكن ان يكون ذلك وقتيا لولا احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي اجلت ظهور المضاد الى حين. والتي بدأت بعدها عصر فرض الليبرالية بالقوة العسكرية والتي عانى من خلاله مفهوم الليبرالية كثيرا لانه تعاكس مع نفسه. حرية تفرض بالقوة على الطريقة الامريكية وهي عودة مشوهة للجراحة الكنزية لامراض الفكر الكلاسيكي.
    ومن اكثر العيوب الظاهرة على الفكر الليبرالي هو فقدانه الترابط بين وعي المجتمع العربي لظروفه الراهنة وبين ابداعات الفكر الاقتصادي العربي، ويبقى هو الاخر، فضلا عن الفكر التبعي، يبتعد كثيرا عن البنية القيمية والموروث الديني الاجتماعي للمجتمع العربي.
    وبينما تغولت الراسمالية في فرض الليبرالية على معظم دول الجنوب مما ادى الى تبني الكثير من الاقتصاديين العرب للفكر الليبرالي الذي وجدوه وحيدا من دون منافس، بدأت الولايات المتحدة في العقد الحالي نزعات حمائية جديدة ضد شركائها التجاريين، فنراها في عهد ترامب تتجه الى نزعات التدخل في القرارات الاقتصادية وعدم السماح لقوى السوق ان تعمل بتلقائية كما تفترض النظريات الاقتصادية وهنا اصبح الفكر الاقتصادي العربي يعاني غربة واضحة. وخسر بذلك الكثير من الاقتصاديين العرب عقدين من التنظير للاقتصاد الحر بينما غادر الغرب الحرية الى الحمائية من جديد.

    رؤى في الحداثة والتجديد

    The main thing that you have to remember on this journey is just be nice to everyone and always smile. Refreshingly, what was expected of her was the same thing that was expected of Lara Stone: to take a beautiful picture.

    We woke reasonably late following the feast and free flowing wine the night before. After gathering ourselves and our packs, we headed down to our homestay family’s small dining room for breakfast, where we enjoyed scrambled eggs, toast, mekitsi (fried dough), local jam and peppermint tea.

     We were making our way to the Rila Mountains, where we were visiting the Rila Monastery.

    March for our Lives 2020

    We wandered the site with busloads of other tourists, yet strangely the place did not seem crowded. I’m not sure if it was the sheer size of the place, or whether the masses congregated in one area and didn’t venture far from the main church, but I didn’t feel overwhelmed by tourists in the monastery.

    City Guide for Vienna

    Headed over Lions Bridge and made our way to the Sofia Synagogue, then sheltered in the Central Market Hall until the recurrent (but short-lived) mid-afternoon rain passed.

    Feeling refreshed after an espresso, we walked a short distance to the small but welcoming Banya Bashi Mosque, then descended into the ancient Serdica complex.

    We were exhausted after a long day of travel, so we headed back to the hotel and crashed. I had low expectations about Sofia as a city, but after the walking tour I absolutely loved the place. This was an easy city to navigate, and it was a beautiful city – despite its ugly, staunch and stolid communist-built surrounds. Sofia has a very average facade as you enter the city, but once you lose yourself in the old town area, everything changes.

    If You Have It, You Can Make Anything Look Good

    Clothes can transform your mood and confidence. Fashion moves so quickly that, unless you have a strong point of view, you can lose integrity. I like to be real. I don’t like things to be staged or fussy. I think I’d go mad if I didn’t have a place to escape to. You have to stay true to your heritage, that’s what your brand is about.

    بين الوطن العربي وجواره الجغرافي

    The main thing that you have to remember on this journey is just be nice to everyone and always smile. Refreshingly, what was expected of her was the same thing that was expected of Lara Stone: to take a beautiful picture.

    We woke reasonably late following the feast and free flowing wine the night before. After gathering ourselves and our packs, we headed down to our homestay family’s small dining room for breakfast, where we enjoyed scrambled eggs, toast, mekitsi (fried dough), local jam and peppermint tea.

     We were making our way to the Rila Mountains, where we were visiting the Rila Monastery.

    March for our Lives 2020

    We wandered the site with busloads of other tourists, yet strangely the place did not seem crowded. I’m not sure if it was the sheer size of the place, or whether the masses congregated in one area and didn’t venture far from the main church, but I didn’t feel overwhelmed by tourists in the monastery.

    City Guide for Vienna

    Headed over Lions Bridge and made our way to the Sofia Synagogue, then sheltered in the Central Market Hall until the recurrent (but short-lived) mid-afternoon rain passed.

    Feeling refreshed after an espresso, we walked a short distance to the small but welcoming Banya Bashi Mosque, then descended into the ancient Serdica complex.

    We were exhausted after a long day of travel, so we headed back to the hotel and crashed. I had low expectations about Sofia as a city, but after the walking tour I absolutely loved the place. This was an easy city to navigate, and it was a beautiful city – despite its ugly, staunch and stolid communist-built surrounds. Sofia has a very average facade as you enter the city, but once you lose yourself in the old town area, everything changes.

    If You Have It, You Can Make Anything Look Good

    Clothes can transform your mood and confidence. Fashion moves so quickly that, unless you have a strong point of view, you can lose integrity. I like to be real. I don’t like things to be staged or fussy. I think I’d go mad if I didn’t have a place to escape to. You have to stay true to your heritage, that’s what your brand is about.

    المؤتمرات

    The main thing that you have to remember on this journey is just be nice to everyone and always smile. Refreshingly, what was expected of her was the same thing that was expected of Lara Stone: to take a beautiful picture.

    We woke reasonably late following the feast and free flowing wine the night before. After gathering ourselves and our packs, we headed down to our homestay family’s small dining room for breakfast, where we enjoyed scrambled eggs, toast, mekitsi (fried dough), local jam and peppermint tea.

     We were making our way to the Rila Mountains, where we were visiting the Rila Monastery.

    March for our Lives 2020

    We wandered the site with busloads of other tourists, yet strangely the place did not seem crowded. I’m not sure if it was the sheer size of the place, or whether the masses congregated in one area and didn’t venture far from the main church, but I didn’t feel overwhelmed by tourists in the monastery.

    City Guide for Vienna

    Headed over Lions Bridge and made our way to the Sofia Synagogue, then sheltered in the Central Market Hall until the recurrent (but short-lived) mid-afternoon rain passed.

    Feeling refreshed after an espresso, we walked a short distance to the small but welcoming Banya Bashi Mosque, then descended into the ancient Serdica complex.

    We were exhausted after a long day of travel, so we headed back to the hotel and crashed. I had low expectations about Sofia as a city, but after the walking tour I absolutely loved the place. This was an easy city to navigate, and it was a beautiful city – despite its ugly, staunch and stolid communist-built surrounds. Sofia has a very average facade as you enter the city, but once you lose yourself in the old town area, everything changes.

    If You Have It, You Can Make Anything Look Good

    Clothes can transform your mood and confidence. Fashion moves so quickly that, unless you have a strong point of view, you can lose integrity. I like to be real. I don’t like things to be staged or fussy. I think I’d go mad if I didn’t have a place to escape to. You have to stay true to your heritage, that’s what your brand is about.

    الإنسان العربي في منظومة البناء الحضاري

    The main thing that you have to remember on this journey is just be nice to everyone and always smile. Refreshingly, what was expected of her was the same thing that was expected of Lara Stone: to take a beautiful picture.

    We woke reasonably late following the feast and free flowing wine the night before. After gathering ourselves and our packs, we headed down to our homestay family’s small dining room for breakfast, where we enjoyed scrambled eggs, toast, mekitsi (fried dough), local jam and peppermint tea.

     We were making our way to the Rila Mountains, where we were visiting the Rila Monastery.

    March for our Lives 2020

    We wandered the site with busloads of other tourists, yet strangely the place did not seem crowded. I’m not sure if it was the sheer size of the place, or whether the masses congregated in one area and didn’t venture far from the main church, but I didn’t feel overwhelmed by tourists in the monastery.

    City Guide for Vienna

    Headed over Lions Bridge and made our way to the Sofia Synagogue, then sheltered in the Central Market Hall until the recurrent (but short-lived) mid-afternoon rain passed.

    Feeling refreshed after an espresso, we walked a short distance to the small but welcoming Banya Bashi Mosque, then descended into the ancient Serdica complex.

    We were exhausted after a long day of travel, so we headed back to the hotel and crashed. I had low expectations about Sofia as a city, but after the walking tour I absolutely loved the place. This was an easy city to navigate, and it was a beautiful city – despite its ugly, staunch and stolid communist-built surrounds. Sofia has a very average facade as you enter the city, but once you lose yourself in the old town area, everything changes.

    If You Have It, You Can Make Anything Look Good

    Clothes can transform your mood and confidence. Fashion moves so quickly that, unless you have a strong point of view, you can lose integrity. I like to be real. I don’t like things to be staged or fussy. I think I’d go mad if I didn’t have a place to escape to. You have to stay true to your heritage, that’s what your brand is about.

    المثقفون العرب وصناعة المستقبل العربي

    د. محمد حسب الرسول

    العالم العربي مليء بالتنوع الفريد في الأجواء والموارد والطاقات ، مما يخلق الظروف والفرص والبيانات ما لم تنجح العديد من الدول من حوله. كما ناقشوا تطلعات شعوبهم في مستقبل مشرق والنقاط المشتركة بين شعوب العالم العربي ، والتي تنوع وتتدفق من المحيط إلى الخليج.

    لا يمكن إنكار أن تحدي البناء في حقبة الاستقلال الأولى كان شاقاً وعظيماً ، وأن تحدي احتلال فلسطين ، الذي تزامن مع استقلال بعض الدول العربية ، كان كبيرًا وثقيلًا. بناءً على التوازن بين الصلابة والمرونة التي تعالج أولويات المرحلة وتطلعات المستقبل ، كانت الساحات العربية مشغولة بتأسيس نظام ملكي في بعض البلدان ، وقاعدة تعددية في بلدان أخرى ، ولم يكن المستقبل العربي حاضرًا لأنه يجب أن يكون في الوقت.

    بمجرد تأسيس أركان الحكم الوطني في الدول العربية ، بدأت التحديات تتكشف بعد فترة ، بينما لا يزال التحدي المتمثل في استقلال فلسطين يمثل تحديًا عبر العصور ، فقد تم تجديد تحديات العظام وتبلورت في كل الظروف في وقت تحتاج فيه الدول العربية بشدة إلى تعظيم دور المثقف العربي حتى يستجمع السلطان العربي المعرفة إلى الساحات ومنصات القوة لإرساء حكمه على المعرفة والبصيرة والدعم العلمي وإدارة الشؤون العامة من خلال منظور استراتيجي يحيل التحديات إلى الفرص ، ونقاط الضعف إلى نقاط القوة ، وتوجيه المسار العام للدولة نحو رؤية استراتيجية منسوجة من الرؤية الجماعية للمكونات السياسية والاجتماعية لدولة دون العزلة أو الاستبعاد.

    نمت التحديات التي ولدت مع الدولة القومية بعد الاستقلال في العالم العربي مع نمو الدولة ، وتفرقت عبر الزمن وعمقت تأثيرها ، حتى أصبحت شبه علامة على المجتمعات العربية ، وعند ذكر التخلف في ثقافتها تأتي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية تقترن تقريبًا باسم العالم العربي ، وعندما تطرح كل هذه الألقاب تحديات نشأت في ظل الحكم الوطني العربي ، مما أسفر عن تحمل المثقف العربي بمسؤوليات كبيرة لمواجهة المسؤولية الوطنية التي يستحقها. تعزيز دورها المتوقع في عملية تقدم المجتمعات العربية وتضييق الفجوة بينها وبين التقدم العلمي والاجتماعي الذي حققه العالم.

    يتطلب الواجب الوطني رسم خريطة وطنية جديدة على كل الساحة العربية ، مما يعطي مجالًا أكبر للمفكرين للمساهمة بفعالية في أفكارهم وإبداعهم في مستقبل الدول العربية وفقًا لقواعد الحكم الجديدة المستوحاة من العلوم والمعرفة والقيم وتطلعات الناس والخبرات البشرية. لقد حقق بعض النجاحات على مستويات المعرفة والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، بحيث مسيرة المستقبل العربي من حيث الدول المتقدمة والمجتمعات الراقية ، وهذا يتطلب من المثقفين العرب بذل جهود استثنائية على العديد من المستويات وتحمل مسؤولية تعتمد تحديات الكبير على “الحلم العربي” الذي نجا ، وربما أبرز التحديات التي تنتظر المثقفين العرب تشمل: –

    البناء الاجتماعي:
    ليس هناك شك في أن المجتمعات العربية ، مثلها مثل جميع المجتمعات الأخرى ، تهيمن عليها العديد من الفضائل وتحكمها العديد من القيم الإيجابية ، وقبل بعض المجتمعات مع تلك الفضائل والقيم ، ولكن في الوقت نفسه ظلت مثقلة بالعديد من المظاهر السلبية التي أثبتت ثقافة أدت إلى تدهور بعض توازن مؤشرات التنمية الاجتماعية في العالم العربي ككل ، وجعلت تقارير التنمية الاجتماعية دون المستوى لدولة قدمت الإنسانية مع الحضارات الأولى والأهم مثل الحضارة النوبية ، والتي اتخذت مسار النيل في السودان ومصر منذ حوالي خمسة آلاف سنة ، وهي حضارة صنعت نماذج فريدة على جميع المستويات. تتمثل نية بناء التكنولوجيا والهندسة المعمارية في الأهرامات والمعابد والمساكن متعددة الطبقات ، وتقدمها تكنولوجيا الهندسة الميكانيكية الممثلة في العجلة المائية وغيرها من طرق نقل المياه ، وتكنولوجيا الصناعة الممثلة في صناعة الحديد والصهر ، ووضع أسس علم الفلك وخطوط الطول والعرض ، ووضعت لعلم الطب والإدارة والحكم والعلاقات
    إن نتائج المكسب العام للدول العربية وفقًا لتقارير التنمية البشرية الصادرة دوريًا توضح بوضوح ظهور بلدان أمة اقرأ ، والتي حققت بالفعل أعظم أمجاد التاريخ ، مواقع الذيل في مجال التعليم حيث يوجد هي أعلى معدلات معرفة القراءة والكتابة ، وكذلك في مجال البحث والتطوير العلمي والمعرفة والتقنية ، وتجد أنها تحجز أيضًا نفس المكان في مجلات الإمبراطورية

    Industry

    د. محمد حسب الرسول

    العالم العربي مليء بالتنوع الفريد في المناخات والموارد والطاقات ، وخلق الظروف والفرص والبيانات ما لم تنجح العديد من الدول من حوله. وحول تطلعات شعوبهم نحو مستقبل مشرق ، والنقاط المشتركة بين شعوب العالم العربي ، والتي تنوع وتتدفق من المحيط إلى الخليج.

    لاينكر منصف أن تحدي البناء في أول عهد الاستقلال كان شاقاً وكبيراً ، وأن تحدي احتلال فلسطين الذي جاء متزامناً مع استقلال بعض الأقطار العربية كان عظيماً وثقيلاً ، وأن تلك التحديات كادت تنوء بالعصبة من أولى العزم من الحكام والقادة الذين فات عليهم أمر تفجير طاقات الأمة وحشدها لتؤسس بنائها على قاعدة التوازن بين الصلابة والمرونة التي تخاطب أولويات المرحلة وتطلعات المستقبل، فانشغلت الساحات العربية بالتأسيس لحكم ملكي في بعض الأقطار ، وحكم تعددي في أقطار أخرى ، ولم يكن المستقبل العربي حاضراً كما ينبغي وقتذاك .

    وما أن ترسخت ركائز الحكم الوطني في الاقطار العربية حتى بدأت التحديات تتكشف حيناً بعد حين ، ولئن ظل تحدي استقلال فلسطين تحديا مستمراً عبر الحقب فإن تحديات عظام ظلت تتجدد وتتبلور في كل الظروف في وقت كانت الأقطار العربية في أمس الحاجة لتعظيم دور المثقف العربي حتى يتسنى للسلطان العربي استدعاء المعرفة إلى ساحات الحكم ومنصات السلطة ليؤسس حكمه على معرفة وبصيرة وسند علمي ، وليدار الشأن العام عبر منظور استراتيجي يحيل التحديات إلى فرص، ونقاط الضعف إلى نقاط قوة ، وليوجه المسير العام للدولة نحو رؤية استراتيجية تُنسج من جماع رؤى المكونات السياسية والاجتماعية للدولة دون عزل أو اقصاء .

    إنً التحديات التي ولدت مع الدولة الوطنية بعد الاستقلال في الوطن العربي نمت مع نمو الدولة ، وتشعبت عبر الزمن وتعمق أثرها ، حتى كادت أن تصبح وسماً للمجتمعات العربية ، وحين يذكر التخلف في أبعاده الثقافية والاجتماعية والاقتصادية يكاد يأتي مقروناً باسم الوطن العربي، والحال كذلك حين يذكر الاستبداد والطغيان والارهاب والغلو والتطرف ، وكل هذه العناوين تشكل تحديات نشأت وترعرعت في ظل الحكم الوطني العربي ، الأمر الذي رتب على المثقف العربي مسئوليات كبيرة حري به مقابلتها بما تستحقة من مسئولية وطنية ترسخ دوره المنتظر في عملية النهوض بالمجتمعات العربية وفي تضييق الفجوة بينها وبين ما وصل إليه العالم من تقدم علمي ورقي اجتماعي .

    إن الواجب الوطني ليدعو بكثير من الالحاح إلى رسم خريطة وطنية جديدة على كل ساحة عربية يفسح فيها المجال وبشكل أوسع للمثقفين ليسهموا بفاعلية بفكرهم وابداعهم في صناعة مستقبل الاقطار العربية وفق قواعد جديدة للحكم تستلهم من العلوم والمعارف ، ومن قيم وتطلعات الشعب ورجاءاته ، ومن التجارب الانسانية التي حققت نجاحات مؤكدة على الصعد المعرفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، حتى تبدأ مسيرة المستقبل العربي من حيث تقف الدول المتقدمة والمجتمعات الراقية ، وهذا يوجب على المثقفين العرب جهوداً استثنائية على صعد كثيرة وتحمل مسئولية تحديات عظام يتوقف عليها انجاز الحلم العربي المستحق، ولعل أبرز التحديات التي هي بانتظار المثقفين العرب ما يلي :-

    البناء الاجتماعي :
    لا شك أن المجتمعات العربية شأنها شأن سائر المجتمعات الأخرى تسودها فضائل كثيرة وتحكمها قيم ايجابية كثيرة ، وتتقدم على بعض المجتمعات بتلك الفضائل والقيم ، لكنها في ذات الوقت ظلت مثقلة بكثير من المظاهر السالبة التي أسست لثقافة حطت شيئا ما من ميزان مؤشرات التنمية الاجتماعية في عالمنا العربي ككل ، وجعلت كسبها في تقارير التنمية الاجتماعية دون المستوى المستحق لأمة قدمت للانسانية أولى الحضارات وأسبقها مثل الحضارة النوبية التي اتخذت مسرى النيل مسرحاً لها في السودان ومصر قبل نحو خمسة آلاف عام ، تلك الحضارة التي صنعت نماذج فريدة على كل الصعد ، فأهدت الانسانية تكنولوجيا البناء وفنون العمارة متمثلة في الأهرامات والمعابد والمساكن متعددة الطبقات، وأهدتها تكنولوجيا الهندسة الميكانيكية ممثلة في الساقية وسائر طرق نقل المياه ، وتكنولوجيا الصناعة ممثلة في صناعة الحديد وصهره ، وأرست أسس علم الفلك ورسمت خطوط الطول والعرض،وأسست لعلوم الطب والادارة والحكم والعلاقات الدولية ، وعززت من مكانة العلماء وأكدت على دورهم في توفير السند العلمي للقرار السياسي ، وقبل ذلك ابتدعت الكتابة وأشاعت المعرفة ، فخلدت تاريخا يشهد بعظمة تلك الحضارة وعظمة انسانها، وهنا كذلك تذكر حضارة بابل بكل جلالها وابداعها وزهوها وغيرها من الحضارات التي نبتت كشجرة طيبة في الأرض العربية .
    إنَ حصيلة الكسب العام للاقطار العربية وفق تقارير التنمية البشرية التي تصدر دورياً تبين بجلاء تبووء أقطار أمة إقرأ التي سبق وأن صنعت أعظم أمجاد التاريخ ذيل المواقع في مجال التعليم حيث توجد أعلى نسب الأمية القرائية، والحال كذلك في مجال البحث و التطور العلمي والمعرفي والتقني ، وتجدها أيضاً تحجز ذات الموقع المتأخر في مجلات تمكين المرأة والشباب، وغيرها من مجالات التنمية البشرية بمفهومها الأشمل .
    وحين تمعن النظر في بعض المجتمعات العربية تجد بعض الموروث قد حفظها في محطات زمنية متأخرة قيدت مسيرها ، وأعاقت خطاها ، ورسمت لها صوراً مغايرة لمعاني التعايش الاجتماعي والتفاعل الحضاري، مثلما وضعت في جوفها تأويلاً مبايناً للنصوص المقدسة فاستلبت منها تلك القدسية لصالح التأويل البشري ، فبرزت ظواهر الغلو والتطرف والارهاب ، وارتكبت أفظع الجرائم باسم الله والأديان والرسالات .
    إنَّ الدور المنوط بالمثقفين العرب في مجال البناء الاجتماعي دور كبير جداً وعظيم ، وانَّ اشتغالهم بمعالجة هذه الظواهر أمر في غاية الأهمية إذ لا نهضة لمجتمع تجره الظواهر السالبة إلى الوراء والمجتمعات من حوله تمضي بوعي في مسيرة تقصد الرقي والسمو ، لذلك حري بالمثقفين العرب تحرير الانسان العربي من هذه الظواهر، والمساهمة الفاعلة في تمكين المرأة التي هي نصف المجتمع ، وتمكين الشباب بوصفهم نصف الحاضر وكل المستقبل، وحري بهم كذلك بذل جهده وفكره لتحرير الدين من موروث يتعارض مع مقاصده العليا ونصوصه الربانية، ومن الصراع السياسي، وتدبر السبل الكفيلة بتقليص الفارق العلمي والمعرفي والتقني بينه ومجتمعات ما يسمى بدول العالم الأول، وضمان تحقيق التقدم المضطرد لهذه المجتمعات ، وتعزيز مكانة الدين الحق في المجتمع بوصفه مصدر إلهام وموئل قيم تحض على الحق والخير والجمال ، كما تدعو للسلام والوئام والرحمة وصون النفس البشرية .

    صناعة المستقبل :
    درجت الأنظمة العربية على سلوك طرق تقليدية في أداء أعمالها ، فخططها تتسم بالنمطية وعدم الشمول ولا تسعى لتشكيل المستقبل وصناعته وفق أسس علمية تُحشد لها الطاقات جميعها دون تمييز سياسي أو فكري أو جهوي أو اثني أو ديني ، ولعل مبعث ذلك هو غياب الفكر الاستراتيجي، أو ضعف الاحاطة بعلم الادارة والتخطيط الاستراتيجي في مؤسسات الحكم العربي وعند كثير من القادة العرب ، فنتج عن ذلك عدم استخدام هذا العلم واعتماده كمنهج في إدارة الدول والمنظمات والمؤسسات المختلفة ، وكانت حصيلة ذلك فشل الدول العربية في رسم رؤاها وغاياتها وأهدافها الاستراتيجية ، فغاب المسار الاستراتيجي في هذه الدول ، وتبعثرت الجهود الوطنية بسبب عدم حشدها لبناء شراكات وطنية تؤسس لمستقبل زاهر ومتطور ومتقدم، في اطار جهد متكامل لتحقيق الأحلام المستقبلية للأجيال المختلفة داخل كل قطر وبين كل الاقطار العربية في اطار حلم الوحدة العربية الذي لم يراوح مكانه بسبب عدم وجود استراتيجية تُحيله من مجرد إلى ملموس .
    إنَّ الاستراتيجية ليست سوى علم وفن صناعة المستقبل ، فهي ليست عملاً خطابياً منمق الكلمات ، وليست عملاً ( عُكاظياً ) تستدعى له الجُمل والعبارات ، إنه عمل علمي دقيق ينهض به المختصين من المثقفين الذين درسوا علم الاستراتيجيات وخبروا التخطيط الاستراتيجي، ومن كافة التخصصات ، من أُولئك الذين أدركوا بعمق أهميته في تشكيل مستقبل الدول والمؤسسات ، من خلال أدوات علمية دقيقة ،تتم عبرها كل الاجراءات اللازمة لصياغة استراتيجية الدول ومن ثم وضع خطة استراتيجية تعزز قدرة الدولة المعنية في امتلاك القوة الاستراتيجية الشاملة التي تتيح لها تشكيل المستقبل وفق الارادة الوطنية .
    والتخطيط الاستراتيجي بهذا المفهوم هو القادر وحده على تحديد المسار الاستراتيجي للدولة ، وهو القمين بتحقيق التناسق الوطني ثم القومي ، والكفيل بتحقيق التكامل بين أنشطة الدولة ومن ثمَّ الأمة ، وهو الضامن لتعزيز القدرات التفاوضية للدولة في اطار الصراع الدولي حول المصالح الاستراتيجية .
    إنَّ حلم صناعة المستقبل هو حلم الأجيال المعاصرة التي تحلم بمستقبل زاهر لأوطانها ، مستقبل تعلو فيه قيم العلم مثلما تسمو فيه وتسود قيم الحرية والعدل والكرامة الانسانية ، وهو أمانة الأوطان التي لا يقوم بها غير القادرين على حملها بحق أمانتها من المثقفين الذين تعقد على قدراتهم وعلمهم وإبداعهم الآمال، وتتحقق على أيديهم الأحلام .

    التغيير حتمية لا خيار ضرغام الدباغ

    ضرغام الدباغ

    خلال لقاء جمعني بأحد قادة حركة التحرر في قطر عربي، وفي إطار التباحث حول الأوضاع السياسية قطرياً وقومياً، توجه على أثرها لي بسؤال : ” أرى أن الكثير من أرائكم قد تغيرت، فهل هذا يعني أن وجهات نظركم حيال موضوعات سياسية قد تغيرت ؟ “.

    فأجبته، بالطبع لابد أن تتغير وجهات نظرنا كثيراً، ليس لأننا نكتشف أننا كنا على خطأ في هذه الموضوعة أو تلك، بل وايضاً قياساً للتغيرات الجوهرية والجذرية التي أصابت حياتنا كأفراد، إلى تغيرات اجتماعية مهمة، هذا على الصعيد الشخصي، أما على الصعد العامة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فإن الحياة قياساً إلى قبل 50 عاماً فقط قد تغيرت بشكل شبه جذري، فكيف لا يجب أن نتغير نحن وآرائنا وسياساتنا حيال هذه المتغيرات الشاملة ..؟ بالطبع نحن محكومون بالتغيير بسبب :

    أولاً : للاستفادة من تجاربنا كأفراد وكحركات ودراسة أخطائنا من جهة,
    ثانياً : وللتلائم مع المتغيرات في الواقع المادي الموضوعي من جهة ثانية.

    إذن التغير حتمية تاريخية، ربما يستطيع فرد أن يقاوم التغير، وربما يستطيع نظام أن يعزل شعبه ليبقى في الحكم أطول مدة، ولكن رياح التغيير ستهب حتماً وبقوة عاصفة، والأمثلة كثيرة. ويستند التغيير تاريخياً إلى قاعدة علمية فيزيائية تنص ” كل زيادة في الكمية ستؤدي حتماً إلى تغيير في النوعية ” وبنفس الوقت فإن هذا القانون يعني التطور الحتمي للمجتمعات (من بين فقرات أخرى)، ذلك أن عملية التراكم لا تتوقف، بل تدور (إلى حد ما) بمعزل عن إرادتنا, إذن وبهذا المعنى أن التطور عملية تاريخية، والوقوف بوجهها يعني الانغلاق والتقوقع، والبقاء خارج التاريخ، والمراوحة في أزمة، من أبرز مظاهرها سلسلة من المشكلات الداخلية والخارجية من أولى مؤشراتها داخلياً القمع الداخلي لكل تطلع يتجاوز قدرة النظام على احتمالها والتعامل وخارجياً يتمثل بصعوبة إيجاد قنوات معقولة مع العالم الخارجي، بل وربما حتى مع محيطه المحلي / الإقليمي، بدرجة يصح الحكم بأنها أزمة ركود.

    وهذا التقرير محاولة لتشخيص (Diagnose)، أبعاد الأزمة التغير في بلادنا والأقطار العربية، في فيما يطلق عليه أحياً الحداثة والتغير، على أن مجهوداً كبيراً كهذا، يستحق مساهمة واسعة النطاق، إذ يبدو لنا أن الموقف الحالي يحمل مؤشرات هامة كثيرة ربما تحمل في ثناياها علامات مفصلية، لا سيما وأن بلادنا والأمة تعيش مرحلة في غاية الأهمية والخطورة معاً، لذلك فإن مفكري الأمة ومثقفيها كافة، مدعون إلى موقف يتجرد الكل عن هواه السياسي والعاطفي للتنقيب في فروع الأزمة، من أجل بلورة تصورات علمية عن المسببات، ورسم صورة فيها قدر من التنبؤ العلمي (Prognose) وجهد فكري لإنضاج مبكر لما هو الآن، ربما في حالة جنينية. وبتقديرنا أن حوارات عميقة في جو من الموضوعية والعلمية كهذه ستساهم إلى حد بعيد في استشراف ما يدور في أذهان المفكرين والكتاب، ولكي نمنح المرحلة التاريخية استحقاقاتها. ونشير هنا إلى بعض العناصر التي نعتقد أنها مهمة في عملية التشكل الثقافي، ومعوقاته. نتوجه بالشكر حقاً الداعين والمنظمين للقاء.

    إذا كان التغيير ضرورة حتمية، يحتاجها كل طرف (حركات وأنظمة) من أجل ضمان بقاؤه في العملية التاريخية وإلا فسيصبح خارجها حتماً، أو وجود بلا ظل على مسرح الحياة السياسية الاقتصادية الثقافية، فالسؤال المهم هو: أين وكيف يطرح هذا التحدي نفسه وأهميته وبأية صيغ، الحداثة مطلوبة ولكن بأي مدى، الحفاظ على المروثات مفيد ولكن بأي حجم. وهل التغيير المنشود هو بالأهداف أم بإعادة النظر بالوسائل ..؟ وهناك من يغالون في الوقاية من التفاعل مع الغير، حتى تصبح هاجساً يفوق ما يستحقه من تحسب، كما أن هناك من يطالبنا، وهم من المبهورين بثقافة ومعطيات الحضارة المتفوقة، أن نخلع كل ثيابنا ونرتمي في حضن الحضارة المتفوقة، بأستسلام غير مشروط، لدرجة نقل التجربة بحذافيرها وأشكالها بإطارها ومحتواها. وبتقديري خسرنا كثيراً بالمحاولات الفاشلة أن نشيد نسخاً مشوهة عن منتجات أجنبية، بصفة خاصة من تلك الحضارات التي توسعت بقوة الاستعمار والإمبريالية.

    والأقطار العربية بمجملها خضعت لهيمنة قوى أجنبية، لذا تأخر عصر النهضة العربي، وحين بزغ فجره، (بتقديري 1850 فصاعداً) كانت الولادة قيصرية، إذ جرت في ظروف قاسية، فهناك عناصر كثيرة تتخلل عصر النهوض، عناصر دافعة للأمام، حققت منجزات غير قليلة، ولكن هناك أخرى تسحبها إلى الخلف وتبطئ من حركتها. ولا مناص من ذكر حقيقة ساطعة، أن الصراعات الدولية وضعت امتنا لأسباب عديدة في مهب تفاعلاتها، وكان الصراع بين فكرة الحداثة أو الموروث جزء مما دار وما زال يدور النقاش حوله في مجتمعاتنا العربية، ولكن بلا نتائج حاسمة.

    للفكر السياسي صفة العالمية، وتلك حقيقة مؤكدة، ولكن الفكر في جانب آخر إنما يمثل عصارة روح أمة من الأمم ويمثل المحتوى الحضاري والإنساني لتلك الأمة. والعلماء العرب المسلمون لم تفارقهم روح، وملامح وسمات متميزة عن ثقافات وحضارات الأمم الأخرى، حيث تنال القيم الروحية والمعنوية والأخلاقية مكانة متقدمة.

    وتظهر السياسة في المجال العملي نقائص الفكر أو مثاليته والحاجة إلى تعديل هذه النظرية أو تلك، وكذلك قصور الأنظمة السياسية، أو بروز معطيات مادية جديدة تستحق إجراء تحوير للنظرية، وتبرر حاجات الأفراد والجماعات إلى ما يلبي ويطمئن أهدافها ومصالحها الاجتماعية والاقتصادية. وبتفاعل الفكر والممارسة يبلغ العمل السياسي ذراه، وتنضج التجربة الفكر وتمنحه القدرة على التحقق وصفة الواقعية، وهي ثمرة لتطور الفكر الإنساني ونضال البشر

    تكتسب الدراسات والأبحاث المتعلقة بالعلوم السياسية بمختلف فروعها لها أهمية متواصلة وتتميز بطبيعة متجددة، ذلك أن لكل عصر رؤيته وقاموسه السياسي. والعلماء والمفكرين على اختلاف مناهجهم يحاولون جهدهم تقريب تلك الأحداث والظواهر وفكر ذلك العصر وإرهاصاته إلى الأذهان ووضعها في إطار حديث معاصر، ودراسة التجارب المستقلة في العديد من الحركات السياسية والثورات والانتفاضات التي اعتبرت الإفراز العملي والواقعي لتصارع الأفكار والإرادات في المجتمعات عبر التاريخ، فمهمة العالم أو المفكر أن يخلق، أو أن يساهم في خلق تصوراَ لنظام علاقات سواء بين الأفراد ضمن المجتمع الواحد أو بين الأمم والدول، ويؤشر اتجاهات العمل السياسي.

    الأقطار العربية التي ما أن نالت استقلالها (المنقوص) حتى دخلت في شبكة العلاقات غير المتكافئة سياسياً واقتصاديا مع القوى الاستعمارية الدولية (شأنها شأن البلدان النامية)، في إطار علاقات جعلت من الاستقلال منجزاً شكلياً إلى حد كبير، وبالتالي فإن عملية التراكم (Accumulation) سياسياً واقتصادياً، كانت عملية محفوفة بالمصاعب والعراقيل، الجزء الموضوعي منها وهو الأعظم والأهم منها، كانت بسبب هيمنة القوى الأجنبية على مقدرات البلاد السياسية والاقتصادية.

    والمشكلات الاقتصادية في البلدان النامية (بصفة عامة) قد جرى تشخيص تحدياتها على الأرجح بثلاث فقرات: 1. الحاجة إلى رأس المال. 2. الحاجة إلى التكنولوجيا. 3. التخلف في إنتاجية العمل. وبرغم العراقيل التي كانت تضعها البلدان الرأسمالية، فقد تم تحقيق تقدم اقتصادي / اجتماعي في بعض الدول المركزية، وإن كان لا يرقى إلى الطموح، إلا أن التخلف السياسي(بتقديرنا) تواصل يلقي بظلاله الثقيلة على تطور النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بصفة عامة، مما يحول دون تحقيق تقدم حقيقي في نظرية الحكم في البلاد العربية أو الإسلامية، وبتقديري أن المشكلة الأساسية هي عجز النظام العربي بسبب كونه مركب من عدة اتجاهات غير متجانسة عاجزة أن تحقق التقدم المنشود.

    بيد أن المشكلة الأكبر بتقديرنا تمثلت بإيجاد النظام السياسي المناسب لأقطار فقدت استقلالها منذ القرن الثالث عشر، وحرمت من تكوين تجربتها في الحكم والإدارة، وفقدان الاستقلال للإرادة الوطنية قاد لنتيجة حتمية وهي غياب الخيارات، والتجربة الوطنية، كما أن الثقافة الوطنية القومية بدورها حرمت من التواصل ومن طرح وإنضاج صيغ وتصورات وانطباعات جديدة، أدبية وفنية وسياسية، لذلك فإن هذه العمليات، (وربما ما تزال تدور بشكل ما) تحاول بأساليب تنطوي على الكثير من التناقضات، والسبب الرئيس يكمن بتقديرنا، أن السمت العام للأنظمة التي تأسست في فجر الاستقلال، كان من وحي وأصداء الدول التي استعمرت بلداننا وهي التي وضعت أولى لبنات النظام السياسي، والإصلاحات اللاحقة كانت أشبه بعمليات ترقيع وإصلاح يبعد عنها صفة البناء الأصيل المتين المتجانس مع سائر العمليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والجمع بين الحديث جداً من المكونات، وبين الموروثات بصيغها التقليدية انتج في معظم الحالات هياكل مشوهة. صحيح أن توفر أشكال واتجاهات عديدة لا يخلو من إيجابية أحياناً، ولكن الإشكالية تتمثل بأننا لم نتوصل لليوم إلى تصور لنظام سياسي يتفق مع الضرورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يحل مشكلاتنا بصورة مقبولة.

    فالأنظمة الرأسمالية المتقدمة المعاصرة (أوربا / أميركا) قامت على أنقاض التحالف الثلاثي التاريخي: المعبد (الكنيسة)، القصر (الملوك)، الأمراء. وأمام غياب نصوص مسيحية مقدسة (من الإنجيل أو أقوال السيد المسيح عامة)عن وجود حدود واضحة بين سلطة الله والدين التي تمثلها الكنيسة ورجال الدين، وسلطة البشر الدنيوية التي يمثلها الملك، اعتمدت السيفين ــ Glasnias (الجمع بين السلطة الدينية والدنيوية) ولعبت الثورة اللوثرية (البروتستانتية) دورها التنويري، وأخيراً قبلت الكنيسة تحت ضغط الظروف الموضوعية إلى أن يتراجع دورها إلى أدنى درجة (دون أن يختفي كلياً) ولكن عصر النهضة، وعصر التنوير، ثم الثورة الصناعية أحدثت تطورات حاسمة قلبت النظام الاجتماعي / الاقتصادي، استولت فيها الفئات الصناعية على النظام السياسي بصفة مطلقة، وخلقت نظامها السياسي محتكرة السلطة بصورة تامة.

    مضت التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تدور في أوربا عبر العصور الثلاثة وهي تفرز أوضاعاً واتجاهات تطور جديدة، وكان الفكر السياسي يرافق ذلك التطور، بل غالباً ما كان الفلاسفة والمفكرون ينيرون الطريق والمسيرة ويبشرون بآفاق التحرر والتنوير في ظل المؤشرات التالية :

    تراجع متواصل لمكانة الكنيسة ودورها في قيادة الدولة والمجتمع، وتراجع هيمنة وتأثير اللاهوت على الفكر السياسي.
    تبلورات اجتماعية جديدة، أدت إلى تراجع دور ومكانة الإقطاع وتأثيراته بما يقرب من التواري عن مسرح السياسة، مقابل تعاظم دور البورجوازية وممثليهم، واتصف بالتنامي في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.
    قاد العاملان 1/2 أعلاه إلى تراجع معادلة: الملك ـ الكنيسة ـ الإقطاع، على موقف جديد: الملك ـ البورجوازية ـ الإقطاع، مع تراجع مستمر لدور ومكانة الإقطاع.
    بروز أهمية وتأثير الثقافة وفروعها: الأدب/ الفن/ المسرح/الصحافة، مما خلق قوة وتأثير على الرأي العام في المدن، وهو عامل سوف تتضاعف أهميته على صعيد اتخاذ القرارات السياسية.
    تنامي وعي قانوني/ دستوري يسعى المواطن فيه إلى ضمان وحماية الحقوق الأساسية في إطار أهمية متزايدة للإنسان صاحب المنجزات العلمية والأدبية الرفيعة.
    عندما أنحسر أو تراجعت أهمية المقر البابوي العام/ الفاتيكان ـ روما، برزت بالمقابل وتصاعدت السلطة القومية كرابطة مادية ومعنوية.

    مقابل هذه العملية، بدا أن مفكري عصر النهضة العربية قد انقسموا جوهرياً إلى ثلاث فئات. وبتقديرنا أن مثل هذا الانقسام ما زال يطرح بهذه الصورة أو تلك إلى توجهات عديدة :

    الفئة الأولى : ترى في تخلي شبه تام عن موروثاتنا، ومحاكاة كاملة للنظام السياسي والاجتماعي الأوربي الذي أنتج الثورة الصناعية وحقق التقدم الاقتصادي، وارتمى بعضهم بابتذال تحت أقدام الغرب في استسلام تام بلغت أن اقترحوا إلغاء الأبجدية العربية واستبدالها بالابجدية اللاتينية.
    الفئة الثانية : ترى التمسك بمكوناتنا الثقافية (الدينية والوطنية) ، ولكن دون أن تحدد لهذه الإمكانية سقفاَ محدداً .
    الفئة الثالثة : وهي فئة لم تنجح في إنضاج (إلى حد الآن) تصورها السياسي والثقافي، وتتراوح أفكار هذه الفئة بين ميل للحداثة، مع عدم إغفال خصائصنا، وجهات تميل للحفاظ على الموروثات، مع عدم إهمال الحديث العصري.

    وقد فات تيارات النهضة، وربما بعض المعاصرين اليوم، أن التماثل ونقل التجارب بحذافيرها أمر مستحيل لصعوبات موضوعية قبل أن تكون ذاتية، بالإضافة إلى الحقيقة المؤكدة، للتفاوت الشديد في المعطيات المادية الموضوعية، والظروف التي مرت بها كل تجربة، إضافة إلى حقيقة موضوعية، وهي أننا لا يمكننا التخلي عن موروثنا الثقافي والحضاري الذي يمتد لبضعة آلاف من السنين، وأن محاولة من هذا القبيل قد تكون نبيلة المقاصد النهائية، إلا أنها محكوم عليها بالفشل، فهي نقل معلب لمنجزات لا تمت لنا ولموروثنا الثقافي والأخلاقي والاجتماعي، والقبول بها كما هي ونقلها بشكل آلي أشبه بزرع جسم غريب في جسد سوف لن يتقبله، وإن محاولات إرغامية كهذه، لاقت الفشل في الوطن العربي (وربما عند أمم أخرى) بسبب النقل الآلي لتجارب أمم أخرى وإحلال رموز ومصطلحات بحذافيرها. في حين ومن خلال تجارب عديدة، في حين توصلت أمة كاليابان مثلاً في المحافظة على القيم والموروث الثقافي وتحقيق تقدم صناعي / علمي / رغم أن موروثنا الثقافي هو أكثر ثراء من الموروثات اليابانية. والقوى الرجعية المحلية استفادت من مساعي تيارات الحداثة متهمة بعض المحدثين بإقحام فكر أجنبي لا يتفق مع خصائصنا.

    الثورة الصينية الحديثة مثلاً، بدورها تأثرت باتجاهات عديدة، فتأثرت بتجربة اليابان، ثم فكر صن يات صن المطعم بفكر غربي، ثم بالفكر الماركسي، ولكنهم نجحوا في صياغة نهج النهوض والتطور، ولكن بنكهة وطنية / صينية، وعندما أسسوا حزبهم الشيوعي، كان حزباً صينياً يعتمد على التقاليد الصينية حتى التفاصيل الدقيقة في اللباس والطعام، والموسيقى والأدب والفنون التشكيلية والعمارة.

    ولذلك نعتقد أن الفرصة المنطقية الوحيدة التي تطرح نفسها، وإن هي تنطوي على الكثير من العمل والجهد، إلا أنها تبقى الوحيدة الممكنة وتتمثل في السعي والعمل على ردم الهوة التي تمثل فترة الانقطاع وإعادة اللحمة والتواصل بين علماء عصر النهضة الأوائل وبين فكرينا وعلمائنا المعاصرين، فشعبنا فكر ومارس العلم والتعليم، فأستخلص المعادن من الطبيعة وصهرها، وصنع أدوات الإنتاج، وفكر بالكون وأبدع في علم الفلك، وتعلم الحرف والكتابة والرقم، وشق القنوات وأشتغل بالهيدروليك وكل هذا قبل ألاف السنين. وبتقديري فأن أفضل ما يمكن فعله هو بذل مجهود كبير في البناء فوق ما أسس هؤلاء المعلمون العظام وتحديث ما توصلوا إليه في إطار أبحاث جديدة ملائمة ومناسبة لعصرنا الحالي.

    ليس المقصود من هذا، أننا يجب أن نحاكي تجربة الغرب بصفة مطلقة، ولا أن نتجاهله بصفة مطلقة، فظروف النشأة والتطور والازدهار لها خصوصيتها التي لا تنطبق على أمم وحضارات أخرى. فأوربا كانت تعرف الفلسفة اليونانية والقانون الروماني قبل المسيحية لم تصل أوربا إلا بعد القرن الثالث ميلادي (300م) ولم تحل كديانة رسمية في إيطاليا إلا تدريجياً وبوقت طويل (عام 750)، وظلت بعض الدول الأوربية وثنية كألمانيا حتى بعد 1200 م، وقد شهدت الفلسفة ومنها الفكر السياسي، محاولات عديدة دامت نحو خمسة قرون للتقريب بين الفلسفة والدين، أشهرها كانت السكولاستية (Scholasticism) تجسدت في محاولات القس توما الاكويني (نحو 1250م)، وفيما بعد الحركة اللوثرية (1517م) ثم عصر النهضة والتنوير، ولم يحاول الفلاسفة الغربيون، خرق الهدنة مع الكنيسة، وإبقاءها رمزاً للحضارة الغربية، هذا عد عناصر اقتصادية وثقافية / اجتماعية متفاوتة لدرجة ليست بسيطة.

    وعندما يطلق الغرب يطلق شعار الديمقراطية فذلك يعني صيغة شاملة لمجتمع لا تقتصر على تبادل السلطة بشكل سلمي(فهذا يجري بهذه الطريقة أو تلك في الكثير من الحضارات والنظم)، ولا نظام برلماني وأحزاب وصحافة، أو إلى الحريات الفردية بلا حدود تقريباً ولكن مصطلح الديمقراطية يعني بالدرجة الأهم نظاماً لا سقف فيه مطلقاً لحرية رأس المال كخاصية أولى، وإذا كان النظام الرأسمالي يتدخل أحياناً (النظرية الكنزية) فيفعل ذلك لإنقاذ الرأسمالية نفسها، فالديمقراطية ليست نظاماً سياسياً، بل هو نظام اقتصادي بالدرجة الأولى، وأي تدخل بحرية رأس المال في التوسع وحرية الانتقال، يخل بمبدأ الديمقراطية كقاعدة أساسية للمجتمع الرأسمالي.

    وبتقديري أن المشكلة الأساسية في بلادنا تتمثل أننا قد حرمنا من مسيرة امتدت لقرون(منذ 1258) ومن التوصل إلى نظام يتناسب مع مجمل أوضاعنا ومعطياتنا، وما أنجز من هياكل لم يخرجنا من فلك النظام الرأسمالي العالمي كأجرام صغيرة. المحاولات التي قامت بها بعض الأقطار: مصر، العراق، سورية، الجزائر، اليمن الديمقراطية، (وليبيا جزئياً) كانت محاولات جيدة، ولكنها لم تحقق النتائج المرجوة لسببين:

    أولاً : واجهت مقاومة شرسة من الرجعية العربية، ومن القوى الإمبريالية.
    ثانياً : هي نفسها كانت مثقلة بترسبات التخلف الاجتماعي والثقافي، فلم يكن بوسعها السير بحزم في طريق التحولات الاجتماعية.

    واليوم إذ تشتد أوار الحملة الإمبريالية قي مرحلتها الجديدة، بكافة صفحاتها على بلادنا العربية وهناك تركيز على الجبهة الثقافية، ربما الأكثر بروزاً بسبب تعاظم شأن الثقافة العربية والمجتمعات العربية، ففي مطلع القرن العشرين كان الجانب الثقافي يأتي بعد الجانب السياسي والاقتصادي لعدم خطورة المستوى الثقافي العربي آنذاك، وكان التناقض الرئيسي الذي يلهب قضايا النضال الوطني والقومي، هو الاحتلال المباشر، كما كان النضال ضد الوجود العسكري والقواعد الأجنبية والكفاح لاستعادة ما استولى عليه الأجنبي من مصادر الثروة القومية، كان شعار التحرر الوطني والقومي في المرحلة اللاحقة، والعامل الثقافي كان خلف هذه الأوليات.

    في مطلع الثمانينيات، حضرت وضمن البرنامج الثقافي (أيرنا) ندوة مهمة كان يديرها ويحضرها عدد من العلماء الألمان من اختصاصات شتى، ينتمون إلى جامعات ومعاهد ومؤسسات علمية مختلفة. وموضوع الندوة الذي كان البحث يدور حوله هو (حماية الثقافة واللغة الألمانية) واستطراداً، عناوين ومفردات أخرى مهمة في الحياة الاجتماعية الألمانية عن تسلل ثقافات أجنبية. فقدم العلماء الألمان معطيات دقيقة مدعمة بالإحصائيات تعبر عن حجم هذا التسلل الذي أعتبر في وقته كبيراَ. وخلاصة ما دار في هذه الندوة الهامة، أن اللغة والثقافة الألمانية تواجه خطراً لا يستهان به في المستقبل القريب والبعيد. وبعد عقد من السنوات أو أكثر، يقول رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية في كلمة له أمام مؤتمر البرلمانيين الدولي: ” إن على شعوب العالم أن تأخذ حذرها مما يسمى بالثقافة العالمية التي تدمر الهوية القومية والثقافية للشعوب”. وبعد ذلك اتخذت الدولة الفرنسية قراراً بمنع استخدام الفاظاً أجنبية في اللغة الفرنسية، منها كلمات بسيطة وشائعة.

    ويحق لنا هنا أن نتساءل ونتأمل، إذا كان شعباً كالألمان أو الفرنسيين، ذوو الأمجاد الثقافية والاقتصادية والحضارية عامة من جهة، وقربهم من ثقافة وحضارة الثقافات المتسللة إليهم من جهة أخرى، يطلقون نداء التحذير ويتخذون الإجراءات المضادة، فما هي إذن المخاطر التي تتعرض لها أمم وشعوب هي في الواقع شبه عزلاء، لهجمة شرسة عاتية لا تبقي ولا تذر..؟ وإذا كانت الثقافة العربية تمتلك دروعاً ومعدات، وحصوناً منيعة، ترى ماذا يمتلك شعب بوركينافاسو مثلاً كي لا يفقد آخر ما يمتلك من مقومات الهوية الوطنية والقومية..؟ وهو لا يمتلك أساساً الكثير منها بسبب تعرضه لقرون طويلة، ولا يزال، للاستعباد وعمليات صيد وقنص للبشر، ونقلوا إلى قارات أخرى واستخدموا كعبيد هناك، أو تجنيدهم في الحروب والغزوات الاستعمارية لضم وإلحاق بلداناً أخرى إلى ممتلكات الدول الاستعمارية.

    وقد غدت هذه التوجهات في أعلى مراحل تطور نظام الدولة الرأسمالية الاحتكارية خطوة على طريق دمج شعبها وشعوب أخرى ضمن نسيجها الاقتصادي والسياسي بالدرجة الأولى، وتكريس هذا الواقع من خلال قطع الأواصر التي تعبر عن كيانها وشخصيتها المستقلة واحتقار تقاليد وعادات الشعوب الأخرى وثقافتها وموروثاتها. والهدف النهائي هو : استنزاف قدراتها الاقتصادية وقوة العمل البشرية فيها، وأخيراً جعل هذه الشعوب والبلدان توابع ثقافية وسياسية، ولكن بالدرجة الأساس، جعلها وسطاً اقتصادياً تابعاً لا يمتلك أي طاقة روحية للنهوض، وإسناد دور نهائي لها في تقسيم العمل العالمي، يتمثل بتصنيع المكونات الثانوية أو الإمداد بالمواد الخام، أو ميداناً لنشاطات الشركات المتعددة الجنسية، وهذا الأمر لم يعد مقتصراً على منطقة واحدة، بل أنه موجه إلى أقطار العالم كافة لاسيما البلدان النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وفي هذا المجال يكتب الأستاذ البرازيلي كاردوز قائلاً : ” هناك تبعية تنجم بالنتيجة، وهي تبعية متعددة الأوجه، سياسية واجتماعية وثقافية وعسكرية، بل أن عمليات التشكل الطبقي والفئوي تتأثر بالتبعية بشكل بالغ “.

    وفي المرحلة الحالية التي تتميز بهيمنة الولايات المتحدة بوصفها متروبول الرأسمالية العالمية ومتمسكة بقوة بهذا الموقع القيادي ولا تقبل المشاركة فيه، تهدف إلى تعميم ضرب من الثقافة التي لا تلامس جوهر مشكلات الإنسان، ثقافة سطحية تتعامل مع غرائز الإنسان وتشجع فيه روح التفوق والتسلط الفردي والنزوع المطلق نحو الثروة وإحراز النفوذ والهيمنة، وإطلاق لنزعات الجنس الشاذة، أن إنسان العصر الذي قدم منجزات كبيرة بفضل تراكم التجربة والعلم، تضعه في قمقم مشكلاته الذاتية لتخلق منه إنساناً نرجسياً على استعداد لفعل أي شيئ، حتى القتل الجماعي من أجل إشباع نزعاته، إنها نزعات وثقافة وتربية اجتماعية تهدف في النهاية إلى خلق الإنسان الكوزموبوليتي (الإنسان العالمي) Kosmopolit، الذي لا جذور له ولا يؤمن بقضية أو وطن بل بالمصالح والأرباح المادية وأي غرابة في ذلك…؟ أليست البراغماتية Pragmatism، وهي جوهر الفكر السياسي الفلسفي للرأسمالية، التي لا تؤمن إلا بالنتائج بصرف النظر عن الأساليب وأخلاقياتها. والإنسان الكوزموبوليتي هو حيوان انتهازي منافق قد يتحول في أي لحظة إلى آلة شرسة مدمرة مكن أجل تحقيق مصالحه الذاتية، وهذا هو سر انحطاط الحياة الاجتماعية في الغرب الرأسمالي لاسيما في الولايات المتحدة، ونجد أصدائها الخافتة في بلادنا حيث تروج لها أجهزة الأعلام الغربية وصنائعهم وأدواتهم.

    إن الإمبريالية المعاصرة لا تحاربنا بالعولمة فقط (كأداة سياسية واقتصادية وثقافية)، إنها قبل ذلك تمد خراطيمها وتنهش ثرواتنا بفعالياتها الاقتصادية، وتحاربنا بأستخدام صريح للقوة المسلحة. وللإمبريالية بين صفوفنا كعرب وكمسلمين حلفاء وأصدقاء في السر والعلن، النظام الرأسمالي يؤمن بصفة جوهرية بالتفوق العرقي ويدعو إلى حروب عرقية، وما الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية إلا أشكال منها، ومن ضروب الأنظمة الرأسمالية اليمينية التي وصلت للحكم بواسطة الأنتخابات، بل إن النظام السياسي في الولايات المتحدة يتجه في هذه المرحلة حثيثاً إلى هذه المواقع بسبب الأزمات التي يمر بها النظام الرأسمالي الاحتكاري داخلياً وخارجياً، لذلك فهم يطلقون النداءات المشحونة بالتحريض العرقي والديني، وبالحروب والإبادة، لكنهم يتحولون فجأة إلى مدافعين عن (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) عندما يتعلق الأمر بالبلاد العربية والإسلامية أو الصين الشعيبة أو كوريا الشمالية أو كوبا، وهناك من يصفق لهم إعجاباً أو نفاقاً أو كيداً بجار له يضمر له الحسد.

    ومن البديهي أن تكتنف عملية التحديث والبحث والعصرنة جدال وخلافات في وجهات النظر، وأجد من الطبيعي أن ينظر كل عالم إلى حشد الموضوعات والأحداث والأبحاث من زوايا مختلفة، بل أن ذلك ضروري وسيؤدي إلى إثراء الفكر وأتساعه ولكن لا بد للباحث أن يتصف بالموضوعية والأمانة والرؤية المتوازنة وعدم إغفال حقائق مهمة أو الجنوح إلى المبالغة وتهويل مما يفقد الباحث نزاهته كما أن التطرف يفقد كل قضية فرصتها في التطور والنجاح ويسيء إلى المتانة المعنوية الأخلاقية التي ينبغي أن تتمتع بها.

    لابد للمفكرين العرب من أداء دورهم، وهو الدور الذي يقوم على حراسة المنجزات الثقافية والحضارية وتطويرها من أجل أن تسهم ثقافتنا العربية في الحضارة العالمية، وزيادة حصة هذا الإسهام. والمثقفون العرب مدعون إلى التفاعل فيما بينهم وإنضاج مواقف موحدة حيال التيارات التي تقف ورائها القوى المضادة لحركة التقدم العربية وصياغة برنامج يمكن إيجازها بما يلي:
    الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى والتفاعل معها بإرادتنا على أساس من المبادئ والأخلاقيات الإنسانية التي تمتاز بها الحضارة العربية الإسلامية من جهة، وحماية أجيالنا من أوبئة تسللت إلى مجتمعاتنا التي تروج الإباحية والمخدرات والأمراض الجنسية والشذوذ ومظاهر الفساد الأخرى.
    العلماء العرب مدعون اليوم، كل في اختصاصه إلى إيجاد العلاقة بين المستوى الحالي للعلوم، وبين ما توصل إليه العلماء العرب في عصور الازدهار، أي تجسير الفجوة بين عصور الازدهار وما أعقبها من سبات بعد انحطاط الحضارة العربية، وبين المرحلة الحالية لكي نتحرك على أرضية صلبة ونواصل البناء على أساس متين. لقد آن للجامعات والمعاهد العربية وقد بلغت مرحلة النضج في العمل والتعامل مع المنجزات الحديثة في العلوم، وصياغة نظريات عمل عربية. أن كثير من الجامعات الأوربية تعتبر أعمال العلماء العرب هي الأساس في العلوم التي تطورت فيما بعد على أيديهم في مختلف المجالات العلمية والإنسانية.
    الابتعاد عن التطرف والتعصب ومعاداة الثقافة الأجنبية لمجرد كونها أجنبية فذلك سيقودنا إلى العزلة، فالأمم الأخرى قد تمكنت من تقديم منجزات رائعة أغنت الثقافة الإنسانية، فكيف لنا أن نتجاهل أعمال فكرية وفلسفية، فنية / أدبية، موسيقية وسينمائية، عدا التقدم الكبير في مجال العلوم الطبية والإنسانية.
    إبداء الاحترام التام لحقوق الأقليات الدينية والقومية المتواجدة في البلاد العربية، وبهذا تحافظ الثقافة العربية على إحدى مميزاتها وهي ابتعادها عن الصيغ الشوفينية، وتواصل الثقافة الإسلامية في منح الأمان والحرية الأقليات الدينية .

    وبطبيعة الحال، فأن الهجمة الثقافية الحالية تتميز بملامح عديدة ينطوي البعض منها على ما هو جديد في أسلوبه وأدواته، وابتداء لابد لنا من تشخيص أبرز الظواهر على مسرح العلاقات الدولية المعاصرة، وتحليل الاتجاهات المختلفة وعناصر الموقف الموضوعية منها وأبرزها:

    أولاً: ـ ظاهرة القطبية الأحادية: ويتمثل هذا العامل باستفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالدور القيادي في الحياة السياسية الدولية واستخدامها لأساليب التهديد والترغيب، وللأمم المتحدة (كشرعية دولية) ومجلس الأمن لتحقيق أغراضها وأهدافها السياسية والاقتصادية، وفرض أنماط اجتماعية وثقافية.

    ثانياً: ـ ظاهرة عولمة الاقتصاد: ويتمثل هذا العامل بتسارع وتائر حركة رأس المال المالي (المصرفي) وأتساع حركة الاستثمارات ليصبح العالم بأسره فعلاً سوقاً واحدة بقبضة الشركات المتعددة الجنسية في تعاظم متزايد لدورها.

    ثالثاً: ـ الإمبريالية في مرحلة جديدة: ويتمثل بدخول دولة الاحتكار الرأسمالي (الإمبريالية) في مرحلة جديدة، ويتمثل داخلياً باشتداد التمركز المالي وذلك بميل رؤوس الأموال خوض غمار المشروعات الكبرى وقيام الاحتكارات العملاقة في فروع الإنتاج المهمة من جهة، والإقحام المتزايد للأجيال الجديدة من التكنولوجيا المتمثلة بالحاسبات العملاقة والروبوتات والميكروالكتروتكنيك، والتطور الهائل في وسائل الاتصالات والنقل وفي وسائل العلام المرئية والمسموعة والمقروئة.

    وبتقديرنا فأن الجانب الأخطر من الهجمة الإمبريالية على بلادنا يتمثل بالدرجة الأولى بالإخضاع السياسي وذلك ما يسلب القدرة على التطلع إلى المستقبل بحرية واستقلال، أي قمع المشروع النهضوي العربي وفي مقدمة فقرات هذا المشروع :
    تقليص حجم التبعية الاقتصادية: وفي تفاصيله الجانب الغذائي(الأمن الغذائي).
    تقليص حجم التـخلف العلـمي: وفي تفاصيله التكنولوجي.
    تقليـص التـبعية الاجتماعـية: وفي تفاصيله الحفاظ على شخصية مجتمعنا العربي الإسلامي.
    تقليص التبعية الثقافية: (الأمن الثقافي)، وفي تفاصيله مفردات التطور الثقافي ـ الحضاري، والسعي لرفع إسهام ثقافتنا العربية في الثقافة الإنسانية العالمية في إطار العمل المشترك مع الشعوب والأمم لأن يكون هذا العالم أكثر إنسانيا وأكثر رخاء وعدالة، والكف عن اضطهاد الإنسان للإنسان، والأمم الغنية القوية للأمم الأقل ثروة وقوة، عالم التعايش السلمي والتعامل القائم على التكافؤ، عالم يشعر فيه أي إنسان، إن أي تقدم علمي بسيط في أقصى بقعة في العالم ينتمي إليه مباشرة، ولكنه يشعر بالمقابل أن أي صفعة يتلقاها أي إنسان ظلماً في العالم يوجعه ويدمي كبرياءه وكرامته.

    ندعو المفكرين والعلماء والمثقفين العرب إلى وضع إطارات عامة، يمكن أن تحشد ورائها الحجم الأكبر من الجمهور. النظام العربي المنشود يفترض العدل والمساواة وتكافؤ الفرص أمام القوانين، ويفترض قيام دولة سيادة القانون العادل. أن الفكر الإسلامي، السياسي/ الاقتصادي مطالب بحل الإشكاليات القائمة في العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية، والتصدي لمشكلات التصنيع والتنمية بكافة فروعها، وتحقيق ثورة علمية / ثقافية، ومواجهة قضايا التحرر الوطني والقومي وتقليص التبعية للاستعمار والإمبريالية وانتهاج أساليب سياسية ناجحة مع تفهم لمعطيات العصر وسماته ومؤشراته، نظام يبدد آخر آثار ومظاهر وبقايا والتخلف والسبات الطويل، وليمضي بأقطارنا إلى القرن الواحد والعشرين وإلى غزو الأفلاك والكواكب.

    وثمة أمر آخر يستحق الإشارة إليه، هو أنني أجد ضرورة التميز بين الفرق والمذاهب الدينية، والحركات السياسية / الدينية المطلبية، وهنا ينبغي على الباحثين أدراك حقيقة هامة، هي أن كافة الحركات السياسية التي هبت منذ القرن الهجري الأول، وتحديداً منذ الصراعات الإسلامية ـ الإسلامية، التي كانت الخلافة والإمامة محورها، اتخذت مواقفها السياسية توجهات دينية لتكسب موقفها السياسي قوة ونفوذاً مضافاً بين الجماهير، في حين أن المذاهب التي نشأت واستمرت هي تفسير وإيضاح للشريعة وموقفها من شتى المشكلات سواء في مجال العبادات أو المعاملات. وكان انتشار الفرق والمذاهب، ومن تلك الفرق الباطنية والغالية، وقد اندثر الكثير منها في حين أستمر البعض الآخر موجوداً ولكن بتأثير وإشعاع ضعيف.
    فلنركز على الموضوعات السياسية ذات الجوهر التقدمي في الإسلام وفي التراث والموروث:

    ــ يمكننا أن نتلمس توجهات وأنظمة تهدف إلى تحقيق العدل الاجتماعي.
    ــ يمكننا الحديث عن يسار ويمين في الإسلام.
    ــ رفض للاضطهاد الطبقي واستغلال الإنسان للإنسان، ودعوة إلى اكتفاء الإنسان وأن ينال بقدر ما يكد وبقدر ما يحتاج.
    ــ رفض لتمركز رأس المال بيد فئة قليلة لتتحول إلى أداة للقهر والتسلط.
    ــ إدانة واضحة وصريحة لاكتناز الأموال وإدانة لفائدة رأس المال المالي.
    ــ حقوق متساوية للبشر في الخيرات المادية وفي الدراسة والتعليم.
    ــ مكافحة مظاهر الفساد التي تفرزها الطبقات الثرية.

    أما الحركات السياسية التي اعتمدت بدرجة كبيرة على الشريعة كمصدر لشعاراتها السياسية، فأن هذه الحركات كانت تشبه (من حيث الجوهر) السكولاستية، scholasticism في الكنيسة المسيحية التي حاولت في القرون الوسطي إخضاع الفلسفة لعلوم الدين(اللاهوت) وإقامة صلات لا تخلو من التناقضات بين الدين والفلسفة. ولا نعتقد أن شيئاً من هذا القبيل أو باليات مماثلة لما حدث في الكنيسة الأوربية رافق تطور الفكر السياسي العربي الإسلامي، ذلك أن الفلسفة كانت متقدمة في أوربا قبل حلول المسيحية بوقت طويل( كانت هناك أمم أوربية وثنية حتى القرن العاشر الميلادي). وقد أعتنق عدد كبير من الفلاسفة الأوربيين الديانة المسيحية في القرون الخامس حتى العاشر ميلادي.

    فالسكولاستية كانت محاولة لتجسير الهوة بين عقائدهم القديمة وديانتهم الجديدة (لتأخر حلول المسيحية في أوروبا كما أسلفنا)، وبين ما تبلغوا به من أصول الدين وتعاليمه على أيدي القساوسة والرهبان، كما كان الرهبان بحاجة لهل بصفة خاصة لمحاورة أقطاب الفكر والفلسفة في أوروبا. لذلك كان قادة السكولاستية رهبان وقساوسة(أشتهر منهم بصفة خاصة القس توماس الأكويني)، ولكن أمراً كهذا لم يحدث في الحركات السياسية الإسلامية كما حدث في السكولاستية.

    وينطوي الفكر السياسي الإسلامي (القرآن ـ الحديث والسنة) على الكثير من العناوين والإشارات السياسية كالعدل والشورى والبيعة والمساواة وسواها، وعلى قواعد للتعامل في السياسة الداخلية والخارجية، وفي الحرب والسلم، ولكن هذه العناوين السياسية بحاجة للتحديث والعصرنة (Modernisation) بأتجاهات تقدمية مما يمكن اعتباره أساساً ليشيد فوقه فكر سياسي عربي معاصر يهدف إلى إقامة نظام سياسي / اجتماعي ينشد العدل والمساواة، وعدم التميز بناء على العرق واللون والمعتقد،من خلال التغير نحو الأفضل “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الرعد ــ 11)، ونعتقد أن هذه العناوين الواردة في (القرآن) تصلح للاستنباط والاجتهاد واستخراج أحكام جديدة وفق قواعد الاجتهاد، فالشريعة هنا بالنسبة للمجتمعات العربية ـ الإسلامية أشبه ما تكون بروح الدساتير) Spirit of the Lows) في صياغة أفكار وفي قراءة حديثة لها في عالم السياسة الدولية المعاصرة.

    ويحق القول تماماً أن في حديث الرسول (ص) : (لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ) ، ومثل هذا القول أكده الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب بقوله ” لا تربوا أولادكم كما رباكم آبائكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم ” وتضم الشريعة موضوعياً عناصر مشجعة للتقدم، وتقف في أكثر الأمور الحساسة موقفاَ مرناً مثل : عملية التطور، كقضايا الدولة والرئاسة، والقضايا الاقتصادية الرئيسية، ونعني بالموقف المرن، هو الموقف المتقبل للتطور والمتفهم للظروف المعاصرة. كما أن الشريعة تقف موقفاً متقدماً من قضايا توزيع الثروة الوطنية على أفراد المجتمع، وكذلك من قضايا الحريات الإنسانية في العمل السياسي، بالإضافة إلى أن الشريعة تمثل جزءاً أساسياً وحيوياَ من الرصيد الثقافي كما ينطوي أيضاً على جوهر شخصية شعبنا. وبتقديرنا، فأن المؤسسة الدينية (من المراجع الدينية) ، عليها استيعاب دورها ضمن عملية النهضة الحديثة، وتوفير فرص التلاؤم والانسجام معها وليس الاصطدام بها.

    ومن البديهي، بتقديري أن مهمة الدولة العربية الحديثة لا تتمثل في إقامة مفردات صغيرة(بصرف النظر عن أهميتها) كالحجاب أو أصناف الأزياء، أو تحريم تناول هذا الصنف من الطعام والشراب أو ذاك من الغذاء. بل بأبعاد نظام سياسي مقبول على مسرح السياسية الدولية، إن النظام العربي الإسلامي مطالب اليوم قبل كل شيء بإقامة مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع يختفي فيه الظلم بكافة أشكاله، وفي المقدمة منه الظلم الاجتماعي/الاقتصادي، وأي ظلم أشد من ذلك الذي يقود في مرحلته القصوى إلى انفجارات، انتفاضات وثورات، ثم قمع واضطهاد.

    تهدف السياسة في نظرية الحكم الإسلامية إلى إقامة العدل وإشاعة السلم الاجتماعي بين فئات الشعب (الأمة) بأختلاف انتمائهم العرقي والديني والطبقي بأساليب شرعية قانونية، ولابد أن تتوافق (تتلائم ) تلك السياسة بأهدافها وأساليب وقواعد تحقيقها مع قواعد ودستور العمل والشريعة الإسلامية بمصدريها الرئيسيين : الكتاب والسنة. أو أن لا تتنافض معهما تناقضاً صارخاً في جوهر توجهاتهما اللذان يمثلان الأساس القانوني والآيديولوجي لتلك السياسة، وبهذا المعنى، فإن العلوم السياسية الإسلامية تهدف إلى البحث في أركان وأسس إقامة هذه السياسة الشرعية العادلة.

    وإذ تتوجه هذه السياسة بصفة مبدأية إلى الحكام فتأمرهم بالعدل ورد الأمانات إلى أهلها، وما الأمانات هنا سوى إعطاء كل ذي حق حقه، سواء كانت حقوقاً معنوية أو سياسية أو اجتماعية، فإنه يتوجه إلى الأفراد بوجوب طاعة السلطات، لأن تلك السلطات لا تهدف إلا خدمة البلاد والأمة تنفيذاً لأوامر الخالق (الله) وبحسب أحكام الشريعة، التي تنطوي على نظرية عربية / إسلامية للعقد الاجتماعي، إلا إذا أمر الحاكم بما يخالف شريعة الخالق، وهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وتمثل الآيتان 58 ــ 59 من سورة النساء ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعماً يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً. يا أيها الناس الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولى الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً “.

    تمثل هاتان الآيتان العنوان والمصدر الرئيسي لمثل هذه لمباحث في الحكم بالعقد الاجتماعي، يسندهما ويعززهما أحاديث كثيرة للرسول، منها ” إن الله يرضى لكم ثلاثة : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاًـ وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاة الله أمركم “. فالحاكم إذن بحسب النظرية الإسلامية مخول بالحكم من الله طالما هو منفذ وماض وفق نظام الشريعة واحكامها، فرض على الرعايا، ومخالفته تعني مخالفة أوامر الله، فإذا توصلت السياسة الاسلامية إلى تحقيق الأمانة والنزاهة والعدالة، فتلك هي فحوى السياسة العادلة ومبتغاها، وكذلك الحاكم الصالح.

    ــ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99 سورة يونس
    ــ ” فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر “. الغاشية. قرآن كريم.
    ــ ” لا إكراه في الدين، أن أحسنكم عند الله أتقاكم ” . البقرة 256 قرآن كريم.
    ــ حديث الرسول (ص): ” لا يحتكر إلا خاطئ “
    ــ حديث الرسول (ص) : ” الناس شركاء في ثلاثة : النار والماء والكلأ “.
    ــ حديث الرسول (ص) : ” ليس منا من دعى إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية “.
    ــ حديث الرسول (ص) :” لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل الإنسان “.
    والخليفة الراشدي الأول قال ” أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فان عصيت فلا طاعة لي عليكم”.
    وقال عمر بن الخطاب في الناس في مستهل خلافته ” إن رأيتم في اعوجاج فقوموني “.

    الفكر السياسي العربي موجود وثري، لكنه يحتاج إلى عصرنة، ولكن ما نحتاج إليه مزيد من الدراسات والتجارب في بلورة نظام عربي، فالشورى بحاجة إلى تحديد دقيق، وكذلك نظام الدولة، وعلاقة القوى الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومفاهيم ومصطلحات كأهل الحل والعقد. وأسس نظام اقتصادي بهدف للعدالة الاجتماعية، يقلل من فرص الصدام الطبقي

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    هوامش
    التراكم هو عملية تحويل جزء من فائض الإنتاج الاجتماعي الى قوى إنتاجية جديدة.
    وأكثر من ذلك، فقد ناضل الفاتيكان والبابا من اجل إخضاع كافة الكنائس الكاثوليكية حيثما كانت لسلطة البابا في روما، وكان الهدف من ذلك واضحاً، في تعزيز نفوذ الكنيسة حيال السلطة الدنيوية وتوحيد الجهود في كافة البلدان وجعلها قوة موحدة تحت قيادة البابا، فظهرت عقيدة تسعى إلى هذا الهدف، أطلق عليها أولترامونتيه Ultramontis (التأييد لسلطة البابا المطلقة) تسعى إلى إخضاع الكنائس الكاثوليكية حيثما كانت لسلطة البابا في روما، ودافعوا عن حقه في التدخل في الشؤون الدنيوية لي دولة.
    وأمام غياب نصوص مسيحية مقدسة(من الإنجيل أو أقوال السيد المسيح عامة)عن وجود حدود واضحة بين سلطة الله والدين التي تمثلها الكنيسة ورجال الدين، وسلطة البشر الدنيوية التي يمثلها الملك، وحيث لا ينبغي الجمع بين السلطتين، فتلكم كانت المشكلة التي تثار. فكل من السلطتين تطمح بالمزيد من الصلاحيات وقد أشير بالرموز إلى السلطتين بنظرية السيفين، جلاسنوس Glasnias سيف الكنيسة وسيف الدولة، ولكن التطور التاريخي كان يشير دوماً إلى تقدم سلطة الملوك وإلى تراجع سلطة الكنيسة، وعبثاً كانت تجري محاولات البابوات في استعادة هيمنتهم ونفوذهم الآخذ بالانحسا
    والقديس توما الأكويني 1225 ـ 1274 إيطالي المولد درس على يد البرتو الكبير 1206 ـ 1280. والبرتو الكبير هذا كان أول من دعا إلى التعامل مع الفلسفة وتجاوز عقد الكنيسة الكاثوليكية، وبذلك يعتبر المؤسس الحقيقي للمدرسة السكولاستية Scholasticism التي واصل تلميذه الأكويني السير على خطاه وآخرون من بعده وإن كانوا اقل أهمية. ودرس الأكويني في جامعة باريس وانظم على سلك الرهبنة الدومنيكانية(التي أسسها القديس عبد الأحد دومنيك من قشتالة 1206 بأسبانيا، وهو واضع فلسفة التوماتية Tomatism في علم اللاهوت، ودرس مؤلفات وأعمال ابن رشد وابن سينا، وله مؤلفات عديدة منها ” الخلاصة اللاهوتية)(الخلاصة ضد الأمم) ومختصر جهوده الفلسفية، هو أنه حاول أن يقيم الصلة بين الدين والفلسفة، وإخضاع منطق وفلسفة أرسطو للاهوت المسيحي الكاثوليكي بعد إدخال تعديلات وتأويلات تساير هذا الهدف، وقد وصف علماء ومؤرخون هذا العمل بالتزوير والتشويه

    سيرة ذاتية: ضرغام الدباغ

    المعطيات الأساسية:
    الاسم : ضرغام عبد الله الدباغ
    الجنسية : ألمانيا الاتحادية
    مكان وزمان الولادة : بغداد 1 / تموز / 1944
    الدراسة الابتدائية : 1956 أربيل
    الدراسة المتوسطة : 1959 كركوك
    الدراسة الثانوية :1961 بغداد / ثانوية الأعظمية
    كلية الأداب / جامعة دمشق : 1970 / 1974
    دبلوم عالي/ ماجستير تاريخ معاصر : جامعة لايبزغ / ألمانيا 1975 / 1977
    دكتوراه / علوم سياسية : جامعة لايبزغ / ألمانيا 1979 / 1982
    تدريب وتأهيل في مؤسسة أكوا : برلين / ألمانيا 2003 / 2004
    تدريب اقتصاد العمل : برلين / أكاديمية اقتصاد العمل ومواصلة التعليم / 2004

    المعطيات الأساسية:
    الاسم : ضرغام عبد الله الدباغ
    الجنسية : ألمانيا الاتحادية
    مكان وزمان الولادة : بغداد 1 / تموز / 1944
    الدراسة الابتدائية : 1956 أربيل
    الدراسة المتوسطة : 1959 كركوك
    الدراسة الثانوية :1961 بغداد / ثانوية الأعظمية
    كلية الأداب / جامعة دمشق : 1970 / 1974
    دبلوم عالي/ ماجستير تاريخ معاصر : جامعة لايبزغ / ألمانيا 1975 / 1977
    دكتوراه / علوم سياسية : جامعة لايبزغ / ألمانيا 1979 / 1982
    تدريب وتأهيل في مؤسسة أكوا : برلين / ألمانيا 2003 / 2004
    تدريب اقتصاد العمل : برلين / أكاديمية اقتصاد العمل ومواصلة التعليم / 2004


    الاسم : ضرغام عبد الله الدباغ
    الجنسية : ألمانيا الاتحادية
    مكان وزمان الولادة : بغداد 1 / تموز / 1944
    الدراسة الابتدائية : 1956 أربيل
    الدراسة المتوسطة : 1959 كركوك
    الدراسة الثانوية :1961 بغداد / ثانوية الأعظمية
    كلية الأداب / جامعة دمشق : 1970 / 1974
    دبلوم عالي/ ماجستير تاريخ معاصر : جامعة لايبزغ / ألمانيا 1975 / 1977
    دكتوراه / علوم سياسية : جامعة لايبزغ / ألمانيا 1979 / 1982
    تدريب وتأهيل في مؤسسة أكوا : برلين / ألمانيا 2003 / 2004
    تدريب اقتصاد العمل : برلين / أكاديمية اقتصاد العمل ومواصلة التعليم / 2004

    العمل والوظائف:
    1975 / 1983 : مستشار / وزير مفوض في وزارة الخارجية العراقية منها:
    1975 / 1979 مستشار في سفارة الجمهورية العراقية / برلين
    منذ 1986 : عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين
    منذ 1986 : عضو الجمعية العراقية للعلوم السياسية
    1986 / 2002 : مدرس في الجامعة المستنصرية / بغداد.
    2003 / 2004 : مسؤول قسم الدراسات والبحوث/ المعهد الثقافي العربي / برلين.
    2005 ــ 2010: أستاذ مساعد / أستاذ في الجامعة الحرة / لاهاي / هولندة.
    منذ 2006 : مدير المركز الألماني العربي للدراسات والنشر والإعلام.

    اللغات :
    العربية، الألمانية، الإنكليزية، التركية، الكردية (بدرجة متوسطة)

    آ / المؤلفات المنشورة :

    المقدمات السياسية للاستقلال الوطني في العراق: (رسالة ماجستير باللغة الألمانية / لايبزغ / ألمانيا).
    Die Politischen Voraussetzungen der Natinalen unabhängigkeit des Irak. Leipzig 1977.

    سياسة التوسع الأمريكية في الشرق الأوسط: (أطروحة دكتوراه باللغة الألمانية / لايبزغ / ألمانيا).
    Die Expansionspolitk der USA im Nahenosten, Leipzig .1981 .

    لوحة وتاريخ (كراس باللغة الألمانية): د, ضرغام الدباغ، المعهد الثقافي العربي / برلين 2003
    Ein Gemaelde und eine Geschichte, Dr. Dergham Aldabak, Arabisches Kulturinstitut, Berlin 2003

    حرب فوكلاند: الأبعاد السياسية والاستراتيجية للصراع البريطاني الأرجنتيني حول جزر فوكلاند. بيروت ـ بغداد / 1985، المؤسسة العربي للدراسات والنشر.

    قوة العمل الدبلوماسي في السياسة: دار آفاق عربية للصحافة والنشر، بغداد / 1985.

    قضايا الأمن القومي والقرار السياسي: الدار الوطنية للنشر والتوزيع، بغداد / 1986.

    تطور نظريات الحكم والسياسة العربية: جزءان: العصر القديم والوسيط، بغداد / 2006.

    تطور نظريات الحكم والسياسة العربية: العصر القديم (نشر كمسلسل في مجلة البلاد)، تورنتو / كندا، 2007.

    تطور نظريات الحكم والسياسة العربية: العصر القديم، دار نشر الشرق الأوسط / نشر ككتاب الكتروني، لندن / 2010

    أشهر الخطابات في تاريخ العرب والإسلام: دار ضفاف / دبي / الأمارات المتحدة، 2013.

    الاستهلال والاستكمال: دراسة مقارنة الفكر السياسي الرافديني / الاغريقي، دار ضفاف / دبي، 2014..

    الاستهلال والاستكمال: دراسة في الفكر السياسي المقارن، العربي الإسلامي/ المسيحي الليبرالي. دار ضفاف، دبي، 2014

    الحرب الأهلية الأسبانية: (ترجمة) تأليف زيجفريد كوكلفرانتز، دار ضفاف / دبي . 2014

    قمر أبو غريب كان حزيناً: شهادة في التاريخ العراقي الحديث، دار ضفاف / دبي . 2014.

    الإعلام والرأي العام: محاضرات، دار أكاديميون / عمان/ المملكة الأردنية الهاشمية 2015.

    مباحث في الفكر السياسي الإسلامي: دار أكاديميون / عمان / المملكة الأردنية الهاشمية 2015.

    محاضرات في العلوم السياسية: دار أكاديميون / عمان / المملكة الأردنية الهاشمية. 2015

    الشرق في عيون الغرب: (ترجمة)، دار أكاديميون/ عمان/ المملكة الأردنية الهاشمية. 2015.

    قلب الأشياء: (ترجمة)، دار أكاديميون / عمان / المملكة الأردنية الهاشمية. 2015.

    نظام الخلافة العربي الإسلامي: دار أكاديميون/ عمان / المملكة الأردنية الهاشمية. 2015.

    مذكرات تحت المقصلة : (ترجمة) يوليوس فوجيك الكتاب العراقيين، الولايات المتحدة / 2009

    استخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية، طبعة 1: موقع البلاد، تورنتو / كندا / 2013.

    طريق إلى الحرية. (ترجمة) رواية هانز كونزاليك : موقع الكاردينيا، زيوريخ / سويسرا 2015

    لابد لنا من فجر، سيرة في النضال القومي الاشتراكي، دار ضفاف دبي / 2015

    مقاتلو الشمس : (ترجمة)، رولاند كوربر، عمان/ المملكة الأردنية الهاشمية / 2017

    ثلاث مسرحيات : د, ضرغام الدباغ، دار أكاديميون، عمان / المملكة الأردنية الهاشمية/ 2017

    استخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية: دار أكاديميون، عمان/المملكة الأردنية الهاشمية/.2017

    عضة الخفاش : رواية، ضرغام الدباغ، دار أكاديميون، عمان/ المملكة الأردنية الهاشمية/ 2017

    سياسة التوسع الأمريكية: أطروحة دكتوراه، (ترجمة)، دار ضفاف / دولة قطر 2016

    المقدمات السياسية للاستقلال الوطني في العراق، رسالة ماجستير (ترجمة)، دار ضفاف/ قطر2016

    تغريد بلابل متعبة، مسرحية، دار ضفاف / دولة قطر 2016

    كلمات لها قدرة المرايا، طبعة 1ن رواية ضرغام الدباغ، مجلة كاردينيا / زوريخ / 2016

    أياديكم مضرجة بالدماء، (ترجمة) روبرت هويزر، ضفاف / قطر 2016

    تاريخ الثورة الكوبية، (ترجمة) ضفاف 2016

    وثائق البعثة الدبلوماسية البريطانية في العراق، ضفاف / 2016

    نشوء الولايات المتحدة الأمريكية، (ترجمة)، ضفاف 2017
    37 الأهداف السياسية في مرمى النيران، ضفاف / 2017

    كلمات لها قدرة المرايا، طبعة 2 رواية، ضفاف / 2017

    الدفاع من في قضايا الاستراتيجيات السياسية والعسكرية / ضفاف / 2017

    العشرة أيام الاخيرة للهتلرية (ترجمة)، ضفاف 2016

    ب / الأعمال غير المنشورة(تحت الطبع) :
    1 . الدروس الأساسية لتعلم اللغة الألمانية.
    2 . تعلموا الألمانية..

    حتى النبض الأخير : مذكرات

    التاريخ ليس يوماً واحداً.

    وميض في ظلام الليل. رواية

    ولد مناضلأ : رواية (ترجمة) هارالد هاوزر.

    عصيان على الزينورا : رواية (ترجمة)، جاك لندن.

    مسرح الجبهة : رواية (ترجمة)، هاينز كونزاليك..

    هروب إلى الأمام : رواية (ترجمة)، كلاوس مان.

    عكس التيار : رواية (ترجمة)، هاينز كونزاليك.

    مايكل أنجلو وعصر النهضة : (ترجمة)عمل فني.

    موسوعة تاريخ العرب: 4 أجزاء (ترجمة)، مجموعة مؤلفين.

    البروتكولات الدبلوماسية، د. ضرغام الدباغ (ترجمة)، ديفيد درايمان

    ج / عدد كبير من البحوث والمقالات باللغتين العربية والألمانية، منها:

    السياسة والعمران في فكر أبن خلدون، المعهد الثقافي العربي برلين،
    http://www.aki-ev.de/seiten_ar/index_ar.html

    المعتزلة حركة ديمقراطية في فجر الإسلام ،المعهد الثقافي العربي / برلين،
    http://www.aki-ev.de/seiten_ar/index_ar.html

    إعادة تشكيل الثقافة الأوربية، المركز الألماني العربي للدراسات والبحوث
    http://www.dazentrum.org/reports_and_research_a.html

    تقرير عن الطاقة والنفط، المركز الألماني العربي للدراسات والبحوث
    http://www.dazentrum.org/reports_and_research_a.html

    الفكر السياسي الإغريقي، المركز الألماني العربي للدراسات والبحوث،
    http://www.dazentrum.org/reports_and_research_a.html

    الفكر السياسي العربي الإسلامي، المركز الألماني العربي للدراسات والبحوث
    http://www.dazentrum.org/reports_and_research_a.html
    .7لمحات من الفكر السياسي الرافديني، المركز العربي الألماني للدراسات والبحوث
    http://www.dazentrum.org/reports_and_research_a.html

    ميكافيلي، مفكر لا يأفل نجمه، المركز الألماني العربي للدراسات والبحوث
    http://www.dazentrum.org/reports_and_research_a.html

    الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في أفغانستان، المركز الألماني العربي للدراسات والبحوث
    http://www.dazentrum.org/reports_and_research_a.html

    لقاء الحضارات، مؤسسة أبن رشد للفكر الحر
    www.ibn-rushd.org/forum/DabakAr.htm و / مساهمات أخرى منها :
    ندوة نقاشية Seminar : عن أعمال رسام الكاريكاتور ناجي العلي 2003اتحاد المثقفين العرب/ برلين المانيا
    ندوة نقاشية Seminar : عن صراع الحضارات، اتحاد المثقفين العرب/ المانيا 2003
    ندوة نقاشية Seminar : العولمة وأثارها/ اتحاد المثقفين العرب/ ألمانيا2003
    مؤتمر دولي/ برلين: الآثار الاقتصادية للحرب على العراق. تحالف أحزاب ألمانيا2004
    مؤتمر دولي برلين: طرق القانون الدولي في الحرب على العراق.2004
    مؤتمر دولي باريس: الآثار السياسية للحرب على العراق.2004
    ندوة نقاشية Seminar : عن أعمال الرسام برهان كركوتلي
    ندوة نقاشية Seminar : في تلفزيون منار اللبناني: الحوار بين السنة والشيعة2004
    مؤتمر دولي/ برلين: التضامن مع الشعب العراقي مارس/2005
    المساهمة في امسية ثقافية رمضانية 2004
    المساهمة في أمسية ثقافية شبابية 2004
    المساهمة في تحرير info plat ألمانيا
    مقالة في صحيفة ألمانيا: الغرب في عيون الشرق
    مقالة في صحيفة ألمانيا: الشرق في عيون الغرب
    نشر أعمال سياسية/ أدبية على موقع: الحوار المتمدن
    نشر أعمال سياسية على موقع: المعهد الثقافي العربي/ ألمانيا
    نشر مقالة في صحيفة البلاد الكندية/ تورنتو
    مؤتمر دولي روما : موقف القانون الدولي من الحرب على العراق . أكتوبر / 2005
    مؤتمرات دولية وعلمية أخرى في: كوبنهاغن، باريس، لاهاي، ليدن، روما، مالمو، برلين، استامبول، زيوريخ، بروكسل.
    أعمال وبحوث كثيرة نشرت في المواقع الأختصاصية في أوربا والوطن العربي

    مداخل أولية لرؤية عربية جديدة

    حالة الاُمة وضرورات التجديد:

    أظهر الواقع العربي المعاش، حالة تراجع غير مسبوق وهو يواجه تفاعلات حزمة مترابطة من التحديات وعلى مختلف الصعد، طالت النسان والمجتمع والثروة والأرض، مسببة انهيار في البنى

    .السياسية منها والمجتمعية، وعجزها عن تحقيق الحد الأدنى من الأمن الجماعي للاُمة
    أمن الاُمة، مستقبلها ووجودها مهدد في ظل مشاريع الاستهداف الأجنبية، وهي على إختلاف

    .مصادرها إلآ أنها تتوافق في استهداف الاُمة
    في المقابل نشهد في حالة القبول والتعايش العربي مع الأمر الواقع المتراجع لصالح التحدي الإستعماري المتشابك مع قوى محلية واقليمية لاتخفي نزوعها لاستأصال اُمة العرب بشرآ وهياكل سياسية قائمة، لانجد فاعلية سياسية حركية تجابه تحدي يطور نفسه بالمستوى الذي يكفل التصدي للتحديات القائمة، فأمن الاُمة لم يؤسس على قاعدة الأمن الاستراتيجي على صعيد الوطن العربي، وحتى على صعيد القطر الواحد، حيث مارست النظم العربية سياسة اللهاث وراء تحقيق أمن تكتيكي تبعآ للمتغيرات السياسة، ذلك الأمن الهش الذي سرعان ما تعرض لإختبار انقلاب المتغير السياسي نفسه لنواحي وتوجهات سلبية، حتى صار فعل الأمس عبء ثقيل يهدد أمن الاُمة، بل تجاوزه إلى تفاعلات وظفته قوى الاستهداف الإقليمية والدولية وسيلة فاعلة للتدخل وفرض أجندتها في مفردات الصراع التي طالما عانى منها العرب مذ ماعرف بالمسألة الشرقية حيث وضعت المنطقة العربية على طاولة التقسيم والتفتيت. ونتيجة لغياب الرؤية العربية الموحدة فقد

    .المواطن العربي في مشهد اليوم أمنه القطري والقومي معآ في حالة من الإنكشاف الكامل
    لا جدال أن الاُمم تتعرض خلال مسيرتها إلى نكسات، لكن الاُمم الحيّة تجاهد في توظيف الدرس لمعاجةالإنكسار واستنباط الوسائل بتجديد أساليب العمل ( إذا لم تغير الإتجاه فقد ينتهي بك

    .الأمر إلى البقاء صفرآ في مكانك – لاوتسي – الفيلسوف الصيني)
    من هنا تبرز أهمية التجديد ومغادرة حالة الجمود، فالنزوع نحو التطور جوهر وأساس الفكر الإنساني، فغياب العقل الباحث عن الأفضل يبقى الإنسان والمجتمع صفرآ راكدآ في مواضعه ويفاقم من التراجع. والتجديد لايعني التنكر لما حققه الفكر الإنساني عبر تاريخه الطويل، وإنّما تأسيسآ مضافآ يطور ما تحقق من التراكمات المشرقة.
    ربما يكون الفكر السياسي، على الصعيد النظري، هو الأكثر ضرورة لدواعي التجديد والتطوير، كونه الأساس الذي يصنع المسارات الحركية للمجتمع، فالنظرة السياسية المتجددة لا تتوقف عند تصحيح المسارات فحسب، وإنما ترتقي بالواقع نحو آفاق وأساليب ممارسة تتماشى مع القانون الأزلي المتمثل بالتطور الحقيقي، ليس فقط على صعيد المجتمعات وإنما تطال حتى الأشياء.
    بعض الايديوليوجيات التي نجحت في نقل الأفكار إلى ممارسات السلطة، واجهت بعد عقود طويلة من سلطة الحكم، فشل مدوّي أفضى إلى اضمحلالها، مقرونآ باللعنة لعجزها عن مواكبة التطور الحاصل في مجتمعات منافسة، كان سبب تلك النهايات الركود والعجز عن فهم واستيعاب ضرورات التجديد بأعتباره قانون البقاء.
    قيمة الفكر الخلّاق، المتجدد، عدم تخندقه في أسر الماضي حتى وإن كان ذلك الماضي مبهرآ، قيمة ذلك الماضي مستمدة من زمنه وظروفه الموضوعية، الزمن يتغير ويفرز معطيات جديدة وحاجات من الخطأ نكرانها، فعبر عصور عاشتها الإنسانية طورت الممارسة السياسية عبر فكر مجدد واكب الضرورات المستجدة بما أفرزته من مطالب وتحديات. لذلك فإن قانون التحدي والإستجابة هو الضمان لنجاح أي فعل وحركة سياسية، وبالأخص منها تلك التي تحركها أيديولوجيات وطنية وقومية بسبب تعقد مفردات الصراع وتعاضم التحديات وتشابكها مع قوى محلية ودولية، حيث لم تعد التحديات مرهونة باُطرها وبيئتها الوطنية والقومية لتتجاوزها نحو أبعاد دولية واسعة مما يضيف أعباء جديدة فرضها التشابك في العلاقات الدولية ونزوعها نحو استخدام القوة وسيلة في فرض توجهاتها ذات النزعة الإستعمارية متحالفة مع قوى محلية مهادنة شكلت إحدى أخطر أدوات الاختراق للمجتمعات بالأخص منها المجتمعات النامية.
    إنَ الإرتكان إلى التحصين العقائدي للأحزاب والحركات السياسية وقبولها حالة السكون ورفض ضرورات التجديد يجعلها قاصرة وعاجزة عن مواجهة التطور في الخندق المواجه الذي وظف العلم والتكنولوجيا وأقحمها بفاعلية في مفردات الصراع.
    من هنا تتبدى ضرورات التجديد الواعي الذي لا ينقلب على الاُسس والثوابت مادامت تجسد الأهداف والمصلحة العليا للاُمة.
    التجديد بهذا المعنى لا يطال الأهداف والاُطر العامة التي تصبو اليها الأيديولوجيات واُطرها التنظيمية، وإنّما القصد إضافة فهم وحركيات جديدة قادرة على إدامة وتفعيل زخم العمل وبما يغني الأيديولوجيا القومية ذاتها.

    ركائز المشروع القومي العربي:

    المشروع، أيّ مشروع سياسي لبناء الدولة الاُمة، لابد أن تتوافر له ركائز ومقومات رئيسية يتمحور حولها مجمل الحراك السياسي، حتى تغدو تلك الاُسس بمثابة الدستور الذي يتحرك ويتحدد فيه النشاط والعمل السياسي، وهي اُسس ثلاثة في المتصور، تتمثل في:
    الإستقلال.
    السيادة.
    الهوية.
    الواقع العربي ومنذ ماعرف بإستقلال الدولة القطرية في بعض أفكاره والتخلص من الإستعمار العسكري الأجنبي المباشر من أقطار عربية اُخرى، واجهت قضية إستقلاله السياسي الكامل لغاية إمتلاك حرية القرار، واجهت ومازالت قضية التبعية والارتباط الإقتصادي الخارجي وخصوصآ للعالم الغربي، الذي طور آليات عمله الإقتصادي والمالي من خلال مؤسسات الإقراض الدولية وربطها بالتوجه السياسي وإقحام تلك المؤسسات في مفردات إتخاذ القرار في سياسات الدول الغربية، تجاه الأقطار العربية ودول العالم النامي عمومآ.
    وقد جابهت بدورها مشاريع التنمية في هذه الأقطار، معوقات مضافة لجهة عوائق نقل التكنولوجيا لإستخدامها في مشاريع التنمية، فقد وضعت قوى الإستعمار منذ وقت مبكر قواعد ومحددات قلصت فيه تدفق الكثير من المفردات الصناعية والعلمية للإبقاء على الأقطار العربية في حالة تبعية مستدامة تُفقد دعوى الإستقلال السياسي مصداقيتها فبدون الإستقلال الإقتصادي لايمكن للقرار السياسي المستقل أن يأخذ أبعاده الكاملة. وحتى الثروة الأساسية التي يملكها العرب، النفط ، خضعت للهيمنة الإستعماية منذ استكشافه هو وعائداته المالية مرتهنة في المؤسسات والبنوك المصرفية الغربية، والأنكى من كل هذا فإنّ الثروة لدول الفائض المالي وظفت ومولت مشاريع غربية استهدفت العرب أنفسهم والأمثلة هنا متعددة.
    المرتكز الثاني، السيادة، فقد مصداقيته بفعل غياب الإستقلال السياسي الفعلي، فسيادة أي وحدة سياسية يرتبط بشكل عضوي بأستقلالها، فما دام الأول مفقودآ من الصعب قبول فكرة السيادة المنتهكة سياسيآ وإقتصاديآ، وامنيآ حيث تتواجد القواعد العسكرية الأجنبية في بعض الأقطار العربية المكبلة بإتفاقيات وتفاهمات أمنية ثنائية مع دول أجنبية غربية وشرقية (الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، روسيا).
    ولعل الهوية العربية، المرتكز الثالث، يواجه في مشهد اليوم أخطر التحديات، فبعد كارثة الإستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، يواجه الطرف الشرقي من الكيان العربي – العراق – خطر الإحلال البشري الأجنبي حيث تتشارك إيران مع الولايات المتحدة بعد إحتلال العراق بموجات من تدفق العناصر الإيرانية إلى العراق عبر منحها تسهيلات ووثائق رسمية عراقية مما يخل بالبنية الديمغرافية لصالح قوة بشرية تتناقض مع الهوية والإنتماء العربي، وهي ممارسة طالما اعتمدتها وعملت بها قوى الإستهداف الأجنبي حتى شكلت إحدى ظواهر العمل الإستعماري.
    إنّ هذا الإحلال البشري يمثل على مستوى الحاضر والبعيد خطرآ يستهدف الهوية القومية، فهذه الجاليات الأجنبية المجنسة تشكل جيوب جاهزة للإستخدام تتناغم مع أي توجه خارجي معادي وتتجاوب تلقائيآ بالضد من أي مشروع وحدوي عربي.
    ركائز المشروع القومي العربي، الثلاث، الإستقلال والسيادة والهوية مهددة في الصميم وهي بذلك بحاجة إلى دراسات وأبحاث على مستوى قومي عربي تُخضع هذه المشكلة المركبة الأبعاد لتساؤلات علمية وصولآ لإنتاج فكري رصين يعالج الأبعاد المستقبلية الضارة بالبنية المجتمعية العربية، وهي مسؤولية تقع أولآ على المشتغلين بقضايا الفكر القومي العربي.

    رؤية أولية لشكل دولة الوحدة المتصور:
    منذ غياب التأثير العربي عن العالم، بفعل التراجع والإنحسار بسبب ما تعرضت له الاُمة من غزو وإحتلالات أجنبية، ظل النزوع إلى إسترجاع الإرث قائمآ في الضمير الجمعي العربي، مُعَبرآ عنه بالمحاولات المبكرة لبعض رجالات العرب خاصةً مع الحقب الأخيرة من عصر الدولة العثمانية. النزوع نحو الحرية ومحاولات التخلص من الهيمنة الأجنبية جوبه بمقاومة شرسة من قوى الإحتلالات على تتابعها، متحالفآ مع قوى وتوجهات عربية إرتبطت مصلحيآ مع تلك الإحتلالات، وبذلك لم يتبلور النزوع نحو التحرر وبناء الدولة القومية إلى مشروع متكامل نظريآ، بل تحولت دعوات الوحدة والتحرر إلى شعارات تفتقر إلى فكر كفيل بتعبئة القوى نحو مسارات عمل جامعة.. ومع نبل شعارات الوحدة، والتضحيات الجسام التي رافقتها، إلآ إنّها عمليآ بقيت مبهمة، وللتدليل على صحة تشخيص هذه الحالة، يجهل القوميون العرب ما هو شكل دولة الوحدة بعد إفتراض إنجازها، ماهي آلياتها، وشكل علاقة الأقطار ببعضها، ماشكل دستورها، ماهو موقف الدولة من خصوصيات أقطارها، وغيرها الكثير من الأسئلة الضرورية التي تتطلب الإجابة عليها فكرآ واضحآ جامعآ.
    إذآ بإستثناء محاولات نظرية محدودة تبنتها الاحزاب والقوى القومية، وهي محاولات لم ترتقي إلى بناء نظرية وحدوية متكاملة، بإستثناء هذه الحالة، من الصعب أن نصف النزوع العربي نحو الوحدة، بالمشروع القومي، فمتطلبات أي مشروع هو الوضوح النظري المتماسك، وهذا مازال غائبآ يسبح في محاور شعارية رغم صدقيتها.
    هذه المقدمة تدفعنا إلى تصور مؤشرات أولية تعالج الخلل البنوي في الخطاب القومي لجهة شكل دولة الوحدة المنشودة، من هذه الملامح أنّها:
    ° دولة فيدرالية، ديمقراطية، تقر الخصوصيات القطرية، بحيث يشعر المواطن العربي في أي قطر من الأقطار بخصوصيته لتجاوز هاجس الالغاء من المجتمعات العربية القوية الاُخرى، هذا الهاجس المُعَبر عنه بوضوح في المجتمعات الخليجية (دول الفائض المالي) تجاه دعوات الوحدة والإندماج.
    ° ولضمان سلامة الدولة العربية الفيدرالية من التفكك يتطلب:
    بناء دستور فيدرالي محكم يجرم فيه الدعوات الإنفصالية.
    بناء جيش فيدرالي قوي يدين بالولاء بالدستور الفيدرالي، ويكون حارسآ له.
    القبول بفكرة دساتير فرعية محلية للأقطار العربية تستجيب لخصوصية الأقطار، شرط عدم تقاطعها مع الدستور الفيدرالي، واعتبار الدستور الفيدرالي هو المرجع الفصل في أي خلاف محتمل.
    إنشاء محكمة فيدرالية عليا للدولة، تختص بالبت النهائي في القضايا المثارة محل تهديد الدولة في سياستها الداخلية والخارجية.
    التمثيل الخارجي للدولة وقواتها المسلحة تخضع لإدارة الدولة حصرآ والحكومة الفيدرالية.
    لاتعتمد الكثافة السكانية العالية لقطر عربي ما بإعتبارها أرجحية على باقي الأقطار فيما يتعلق بالترشيح لمجلس الاُمة وغيرها من الأمور التمثيلية.
    إنّ هذه الرؤية تتطلب مشاركة سياسية واسعة من خلال الرقابة الشعبية المستدامة بتوفير:
    ° صحافة ووسائل إعلام حرة دون قيود، يكفلها الدستور الإتحادي، شرط عدم تعرضها لوحدة الدولة.
    ° تجديد وحجب الثقة عن أعضاء الحكومة بما فيهم رئيس الدولة عبر استفتاء شعبي مباشر، أو عبر مجلس الاُمة حسب حالة الخلل وبقرار من المحكمة الفيدرالية العليا.
    ° إشتراط مشاركة الأحزاب والقوى السياسية في الحياة السياسية الداخلية، سلوكها الديمقراطي الممارس، والمنصوص عليه في صلب بنيتها الفكرية وممارساتها التنظيمية، واعتبار تحقق هذا الشرط هو الحاسم في قبولها كفاعل في الحياة السياسية العربية.
    ° وبسبب التراكمات السلبية بالتمركز القطري في الأقطار العربية بتغليب الإنتماء القطري حدودآ وثروة وهوية مجتزئة، فإنّ بناء منظومة قيمية وفلسفة تعليم جوهرها الإنتماء للاُمة، كفيل بتجاوز المناطقية والعنصرية والمذهبية، بدونها من الصعب بناء لحمة وطنية عربية متجانسة، تلغي التمركز المجتمعي حول بؤر تهدد الدولة والأمن الوطني والقومي كما هو حاصل في المجتمعات العربية، حيث اُستِغلت ووظِفت هذه الحالة الشاذة من القوى الإقليمية والدولية المناهظة لوحدة المجتمع والدولة العربية.

    لمشروع الامة
    البناء النظري للأفكار، بخاصة منها، تلك التي ترنو نحو صيرورة تاريخية لابد وأن تتكامل وتتسم بالوضوح، وهي مهمة النخب الأكثر وعيا بالمجتمع.
    ضرورات هذه الدعوة لها ما يستوجبها لأسباب متعددة:
    أولها لكي تكون المعالجات النظرية منهاج عمل جامع يستقطب القوى هاديا لها في حراكها السياسي والمجتمعي.
    أن أي حراك سياسي يفتقر الى رؤية نظرية متكاملة يفقد استمرارية وزخم اندفاعه، ومن ثم ينحى باتجاه التلاشي وحرق الزمن.
    الصيرورات التاريخية، بخاصة منها التي أفضت الى تكون الأمم، سبقها جهد فكري منظم تصدى بالمعالجة لقضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية وأمنية تجسد فيها طموح الدولة المنشودة وشكلها لتصبح هدفا للحراك المجتمعي.
    الامة اليوم بحاجة الى تمركز قواها الحية نحو أهداف محددة تتجاوز التوقف عند الشعارات العامة المرفوعة ، هذه الشعارات المبهمة بحاجة إلى تأصيل واضح المعالم وقابل للتحقق تجنبا لتشتيت العمل ، وتجنبا للصدام بين القوى السياسية والمجتمعية ، ذلك الاختلاف والصدام أفضى في حالات كثيرة إلى تمركز قوى المجتمع بجزر معزولة عن بعضها مما أضعف فاعليتها وهو ما أضر بالمصلحة القومية العليا للامة ، والانكى من هذا تحول بعض الأحزاب السياسية القومية العربية الى منطق أحادي شديد التمركز والولاء حتى تحول بعضها الى منطق القبيلة وضيق تفكيرها وتقاطعها مع الاخر.
    كل هذه الظواهر السلبية مرجعها ومسبباتها اختلاف التفسير والفهم الذي أطرته الشعارية المجردة الغائبة عن التأصيل.
    من هنا تتبدى أهمية وضرورات العمل نحو أنتاج فكري رصين يعالج بعمق متطلبات المشروع القومي العربي.

    ضرورات البناء النظري

    ArabicEnglishSpanish