More
    Blog Page 3

    معضلة العلاقات المدنية العسكرية ومآل ثورة الجزائر

    Algerian demonstrators take to the streets in the capital Algiers during the weekly Friday protest against the government on June 28, 2019. - Hundreds of Algerian protesters gathered in the city centre for the latest weekly rally since the April 2 resignation of longtime president Abdelaziz Bouteflika. (Photo by RYAD KRAMDI / AFP)

    قراءات في الاستراتيجية والفقه السياسي 

    د. محمد بريك

    من المهمّ ألا يصرفنا الإبهار الذي صنعته الانتفاضة الشعبية في الجزائر، بما تمثله من حراك صبور وسلمي لأشهر، عن التعقيدات والمخاطر التي تضفي ظلالا من التشاؤم حول المآلات الممكنة. والعكس- لايمكننا التغافل عما تمثله تلك الانتفاضة – مع ثورة السودان وانتفاضة العراق – من دلالة حقيقية على عدم خبوت وهج المقاومة في شعوبنا وانفعالها بحلم التغيير السياسي وإرادته، ولم تكسرها كل المرارات التي أفرزتها تجارب الربيع العربي المُجهضة والتي انتهت بتحطيم دولا مركزية في أمتنا.

    ماانتهى الوضع إليه الآن، هو عجز هذا الحراك الشعبي – رغم مثابرته – أن يحقق أكثر من إزاحات في بنية النظام الحاكم، مضى على إثرها بوتفليقة وكان مجرد حاكما اسميا في عهدته الأخيرة، وبشكل أهم – المجموعة المتنفذة وهي خليط من أخيه وبعض الأمنيين وحلقة مشهورعنها الفساد من رجال الأعمال، وتقدم المجلس العسكري لمنصة الحكم، واتساع دور المكوّن العسكري-الأمني ثانية بعض الضربة التي مضى على إثرها الجنرال محمد مدين في 2015، وكانت ضمن سلسلة ممتدة من تقزيم وضعية الجنرالات قام بها بوتفليقة وتعهد بها منذ أول حكمه.. بشكل عام – قام بوتفليقة قبل انعزاله عن المشهد بتقزيم وزن الجيش داخل بنية السلطة مابعد العشرية السوداء، مع سماحه باحتفاظ الجيش بدوائر محجوزة في السياق الدفاعي والمشروعات الاقتصادية.

    الجزائر الآن في طريقها لانتخابات رئاسية، يرفضها الحراك الشعبي بكل مكوناته، سواء غير المسيسة منها، أو تيار البديل الديمقراطي وأبرز قواه جبهة القوى الاشتراكية، وبعض القوى اليسارية (راج) أو حتى الانفصالية (الماك).. واختلط موقف القوى الإسلامية بين المشاركة دون ترشح والتشكيك في نزاهة العملية الانتخابية (حمس وجبهة العدالة والتنمية)، والاشتراك بالترشح (حركة البناء) مع مرشحين آخرين (علي بن فليس، والمستقل عبدالمجيد تبون، وعزالدين ميهوبي من حزب موالٍ لجبهة التحرير)، وعلى هذا فتبقى دائرة المرشحين محسوبة على نظام بوتفليقة بشكل أو آخر، وتابعة لأحزاب محدودة التأثير فيسهل قيادها.. ولم يُعرف بعد لأيها تميل كفة تأييد المجلس العسكري، وإن كان من المنطقي أن يكون أقلها زخما سياسيا أو ربما يكون مستقلا.

      ومع فشل الحراك الجزائري أن يُنشيء له قيادة استراتيجية تدير مساحات الحشد والمناورة والضغط والتفاوض، أو يُشكل حوارا سياسيا جادا يُقرّب بين القوى السياسية لتتفق على مطالب محددة، فتبقى الكفة في تحديد المستقبل السياسي – ولو في المدى القريب – في يد المجلس العسكري.. وتبقى هناك أسئلة جوهرية لاستيعاب المشهد الجزائري ومتطلباته، وأعتقد أن الفكر والخبرة المتراكمة في استيعاب (العلاقات المدنية العسكرية) قد تسعفنا بإجابات معقولة:

    ما هو الحد الأدنى وطبيعة التغيير في بنية النظام السياسي الذي قد يقبل به المجلس العسكري ؟

    المؤسسة العسكرية بطبيعتها، لجأت إلى ضرب مجموعة فاسدة محسوبة على النظام السابق وبالأخص حلقة (الشقيق) لاستعادة دورها المنقوص في إدارة الدولة أو توظيف سياسي وامتصاص غضب شعبي، ولكن هل تقبل فعلا ترسيخ أساس ديمقراطي حقيقي، كمؤسسات وقواعد وتداول سلطة ورقابة شعبية – بالنظر لاقتصاد الجيش ونفوذه بدولاب الدولة، وخلل القوى المدنية، ومخاوف حقيقية على وحدة الدولة وأمنها؟

    – وهل المؤسسة العسكرية بطبيعتها المحافظة ومصالحها الاقتصادية ورؤيتها الأبوية للواجب الوطني، من مصلحتها معاكسة أي تغيير جذري كما تنص على ذلك أدبيات العلاقات المدنية العسكرية وتجارب التحول الديمقراطي في كثير من البلدان حتى العربية كمصر؟

    وهل هذا يفسر الإسراع للانتخابات قبل تغيير الدستورلتجنب أي تغيير جذري في بنية النظام السياسي، وضمانة غلاف رئاسي هش يتمدد فيه نفوذ الجيش ثانية في دائرة الحكم؟

    هل هناك بدائل حقيقية لتطوير الوضع السياسي الجزائري – قد يضغط فيها الحراك الشعبي، وممكن أن تتقبلها السلطة العسكرية بما يُسكن هواجسها؟

    أولا) كقاعدة معيارية، المؤسسات العسكرية لابد أن تنعزل عن ممارسة السياسة، فضلا ألا تقود الحياة السياسية وتؤثر فيها بأشكال مباشرة وغير مباشرة. وهذا ليس فقط ضرورة ديمقراطية وسياسية، ولكن ضرورة الفن الاستراتيجي العسكري كذلك:

    سياسيا – الجيوش بتكوينها وطبيعتها الوظيفية لايمكن أن تكون ديمقراطية ولكن كيان هرمي يعتمد الولاء وشمول السيطرة والنزول بالأوامر (حتى مع انفتاح المؤسسة العسكرية الغربية للنقاش الداخلي والنقد واستخلاص الدروس تبقى هكذا)، وقاعدة سياسية – لايمكن الجمع بين احتكار السلاح المميت أو المنظِّم وممارسة السياسة لأنه سيجهضها، ولأن الجيوش قد تنجح بما لها من تنظيم ضخم وحِرفية تشغيلية أن تقوم بمشاريع اقتصادية محددة، ولكنها تعجز عن إدارة عمليات التنمية المُعقدة بماتقتضيه من بناء مؤسسات وطرح استراتيجيات وإدارة حوار مجتمعي ورقابة وشفافية.. وغيرها من أسباب..

    واستراتيجيا، العمل العسكري لابد أن يخضع للقرار السياسي وإلا قاد لعسكرة الخيارات، أو تكتكة الاستراتيجية (أي استبدال النهايات العملياتية والتكتيك بالنظر الاستراتيجي، أو فشل الاستراتيجية بأن يعجز الأداء العسكري أن يصل للنهايات السياسية الموضوعة لغياب التوجيه الاستراتيجي المُدقق.

    ثانيا) ولهذا – ففعلا المثال الديمقراطي هو عزل الجيش عن السياسة، وإخضاعه للهيمنة السياسية، على خلاف تنظيري وتجريبي غربي حول مستوى الهيمنة تامة (جانويتس) أم موضوعية (هنتنجتون).

    ثالثا) تجارب التحول الديمقراطي مابعد ثورة القرنفل بالبرتغال، تعثر أغلبها (وليس فقط مصر)، وكان أهم أسباب ذلك نفوذ المؤسسة العسكرية، مما قاد لفشل التجارب أو ظهور ديمقراطية زائفة.

    ولكن أحيانا ماتقود الرغبة الحادة لإخضاع الجيش للهيمنة وعزله عن السياسة لرد فعل عنيف بالأساس وإجهاض التجربة.. ولهذا – بدأت التجربة العملية والتنظير يقتربا من استيعاب خصوصية ضبط العلاقات المدنية العسكرية في حال التحول الديمقراطي..

    و يزيد على تلك الخصوصية تصور ما عند الجيوش العربية وشعبيا أنها هي من بَنَت دولة مابعد الاستقلال، بالرغم أن التدقيق التاريخي قد يُناقض  تلك الفرضية – ليس فقط من منطلق أن كثير من تلك البُنى كانت حاضرة، بل النخبة المهنية المصرية مابعد ثورة يوليو – والتي تفوق كثيرا في نجابتها ودورها – ماأتى بعدها تعود تنشئتها لفترة سابقة، ثم إن الجيوش العربية هي جيوش شعب) وليست صفوة   (Elites ممايشكك في حيازتها لصك تاريخي بالأحقية للحكم.

    رابعا)  وعلى هذا – فالدرس الحاضر لضبط تلك العلاقة في مرحلة التحول يعتمد على توفر أركان ثلاثة:

    أ.. بقاء درجة من الزخم الشعبي بالميادين، لأنه يمثل أداة ضاغطة حقيقية في التفاوض السياسي، وبما يشمل منهجته استراتيجيا بقيادة ورؤية ومسار تصعيد ومناورة وتفاوض.

    ب. توحد للقوى السياسية االمدنية تحت رؤية مطالب مُحددة تمثل الحد الأدنى للتغيير السياسي، وطريقة إدارة المرحلة الانتقالية وصولا لعقد اجتماعي وسياسي جديد – تُفاوض عليها.

    ج. تمييز حكيم بين ماينبغي ألا يُسمح للمؤسسة العسكرية به: ألا تقود بمفردها مرحلة الانتقال فضلا أن تُجهضها، ولا تكون لها وصاية دستورية على الوضع السياسي، ولاتكون لها أدوات مباشرة في التدخل بالوضع المدني في القضاء والجهاز المعلوماتي الداخلي.

    ولكن تُرحل بقية الملفات (السياسات الدفاعية، والتدخل العملي وغير المباشر في الوضع السياسي، وبالتأكيد ملفاتها الداخلية) مع السماح بمشاركتها وضمانتها للمرحلة الانتقالية مما يُسكّن هواجسها فيما يهدد ما تراه من مصلحة وطنية ومؤسسية… هذا مايُسمى مرحلة الانتقال الديمقراطي..

    أما التثبيت الديمقراطي (العزل الكامل للجيش عن السياسة، والهيمنة المدنية عليه)، فلايُمكن تصوره دون نضج السلطة المدنية (كتوافق، وشرعية، ومؤسسات، وقاعدة شعبية، وخبرة فنية في إدارة ملفات الدفاع)، والأهم – قناعة المؤسسة العسكرية ذاتها تدريجيا وتحول منظورها إيجابيا نحو الديمقراطية. وهذا قد يأخذ عقدين كما حصل في أسبانيا مثلا، والبرازيل وتشيلي..

    والحقيقة – أن التفكير فيما أفشل ثورة مصر، قد يجعلنا نتخيل أن عدم ضبط العلاقات المدنية العسكرية بالشكل السابق هو السبب، وهذا منطقي، ولكن بتدقيق – ندرك أن الانهيار الكامل في طبيعة القوى السياسية (الإخوان، والأحزاب المدنية) من حيث غياب وعيها بمتطلبات المرحلة، وهوسها الأيديولوجي والشبق نحو السلطة مماجعلها عُرضة لعقد تحالفات مع الجيش وقوى خارجية، هو ماجعل ضبط علاقة الجيش بالسلطة مستحيلا بالأساس.

    وبالإضافة لكل تلك الخصوصية للتعامل مع العلاقات المدنية العسكرية في مرحلة التحول الديمقراطي، فتبقى هناك مشكلات بنيوية تُعقد وضع الجزائر: الإشكال الانفصالي عند القبائل والأزمة الأمازيغية عموما، وانهيار قوة ورشد الأحزاب وعدم تقديمها للمصلحة الوطنية، والشروخ في جهاز الدولة في مسائل الفساد وعدم استقلال القضاء، ووضعية الجيش الملتبسة بماله من دوائر نفوذ اقتصادية وسياسية محجوزة..ومع كل هذا – الجيش الجزائري وما يلتحف به من شرعية تاريخية (وإن أثرت عليها سلبا العشرية السوداء، ومتوالية الفساد السابقة)، وهو من يقود البلاد الآن لمسار مُحدد ويتهم أي طرف مُخالف بتآمره على الدولة وقيادتها وجيشها.. وفي هذا الظرف تكون الخيارات شديدة الصعوبة.

    ومن المهمّ أن أشير لفرضيات – لا أعتقد أن ثمة خلاف حولها، قبل طرح ماأراه مطلوبا وممكنا:

    1- غالب الحراك الشعبي يريد جزائر ديمقراطية، وعادلة اجتماعيا، وفيها كرامة وسيادة قانون لمواطنيها، وبالتأكيد يلفظ أي نزعة انفصالية أو معادية للعروبة والدين (والشواهد على هذا كثيرة).. وأن هذه فرصة تاريخية قد لاتتكرر بسهولة لتغيير بنية النظام الحالي.

    2- النظام الجزائري كدستور وعلاقات وبنية مؤسسية استحالة يقدر – دون تغيير حقيقي به – أن يقود لأي شيء من هذا.. مثال بسيط: الدستور الجزائري كارثي من حيث تكريسه لحكم الفرد، وغياب السيادة الشعبية الحقيقة والرقابة على المؤسسات.. (الرئيس هو من يعين الوزراء ويعزلها، يحل البرلمان، يعين القضاة، يعين الولاة، يعين المؤسسات الرقابية، يعين القادة العسكريين دون رقابة، ليس هناك إجراءات واضحة لمحاسبته أو محاكمته)..وإن كان فيه جوانب جيدة كتقرير وحدة الأرض، وهويتها العربية والإسلامية، واعتبار تمازغت بشكل أو آخر لغة وطنية ثانية.. كذلك – وضعية الجيش – حتى مع كل التحفظات والحساسيات التي ذكرتُها في تعليق سابق بخصوص منطق التعامل معه في مرحلة التحول – لايُمكن ألا تُمس ويُنتظر تغييرا حقيقيا، خصوصا بعض انقضاء بوتفليقة وإعادة تمدد هيمنة الجيش على دوائر الحكم.. وطبعا – وصايته على الرئيس المقبل، والدفع نحو نجاح مرشحه.

    3- في ذات الوقت، هناك مشكلات بنيوية تجعل الدخول مرحلة انتقالية مخاطرة كبيرة، ليست أهمها ماذكرتُه عن الخطر الانفصالي والهوياتي، بل انهيار القوى السياسية المدنية بالأصل وتعشش الفساد بها ونزعتها الفصائلية (سواء قوى الموالاة، أو الإسلاميين، أو اليسار)، وهذا يفتح احتمالات الاستقطاب وزيادة التدخل الخارجي في الملفات وصعوبة الوصول لصيغ جامعة، وانهيار وظيفي للدولة قد يفتح الباب فعلا لاضطراب أمني واسع، وكذلك تمرد قبائلي.

    4- جزء كبير من المسئولية التاريخية حول المشكلة الأمازيغية هي من نصيب دولة مابعد الاستقلال، وليس فقط أصالة النزعة الانفصالية والتمرد عند قطاع من الأمازيغ، والدور الخارجي.. في ظل غياب أساس ديمقراطي حقيقي للدولة، تضعف القدرة على إدارة والتوفيق بين التنوعات الإثنية والثقافية، مع بناء تعاقد سياسي وإطار وطني جامع بالتالي.. أيضا – للأسف الشديد، حصل كبت شديد لمساحة التعبير الثقافي والإثني، لتوهم أنها تناقض مفهوم العروبة! وتم ربط تعسفي حتى بين العروبة والإسلام، مما دفع لردود فعل ثقافية واجتماعية متمردة على الإثنين..

    إذن ماالحل؟! لو استمر الأمر كما يريد المجلس العسكري فهذا دفن لكل ماتحرك الحراك الشعبي لأجله، وفي رأيي أنه سيقود لوضع أسوأ كثيرا من عهد بوتفليقة (حتى عهدته الأخيرة)، ولأسباب موضوعية أهمها عدم تهيؤ الجيش لممارسة السياسة ولو من وراء ستار، وعدم استقراره داخليا خصوصا بعض موجات الإزاحة في العقد السابق ممايكون دفعه لقارعة السياسة شديد الخطر من حيث تسيسه و ضعف وحدته.. ولو تم الاستسلام التلقائي لمطلب المرحلة الانتقالية  فيحمل كل المخاطر السابق ذكرها.

    هناك أكثر من حل، منها مثلا الدخول المضبوط في مرحلة انتقالية، يحدث قبلها مشاورات مكثفة مع القوى السياسية، واتفاق على أمرين جوهريين:

    1- وثيقة مباديء فوق دستورية، تضمن بقاء الثوابت الجزائرية في وحدة الأرض، والهوية العربية الإسلامية، ومركزية ملفات الدفاع والسياسة الخارجية وماتتمظهر به الحد الأدني لهذه الثوابت في سلوك الدولة ونظامها التعليمي.

    2- هندسة إدارة المرحلة الانتقالية بشكل يضمن بقاء الوظيفة وعدم انهيارها، وفي ذات الوقت، ضمانة أن يقود الحوار السياسي والاجتماعي، وفتح المجالات، لتبني ماسبق، وتطوير بنية العمل الحزبي ذاته. مثال قريب مماحصل بالسودان مثلا، مع تجنب مثالبه، بأن يتشكل مجلس رئاسي يعبر عن التيارات الأساسية ويكون مقبولا من قِبل المجلس العسكري، ويقود مجلس الأمن بعد تكثيف التواجد العسكري به ملفات الدفاع والأمن بصلاحيات تنفيذية واسعة في المرحلة الانتقالية، وضبط آلية صنع الدستور وعمل انتخابات بعده مما يتجنب مشكلة تضارب المصالح التي قد تؤثر على سلامة الخيار الدستوري لشكل النظام مثلا..

    المشكلة للأسف – جزء كبير منها كان غياب الوعي السياسي والتجريبي بمنطق التحول الديمقراطي، وملفاته، وكيفية إدارتها في بيئة معقدة، وبشكل يعالج كثير من الحساسيات الأمنية والسياسية والعليا.. وبحيث تكون مرحلة التحول فرصة لتحقيق إجماع وطني، وهيكلة جذرية للمؤسسات، وتطوير لبنية القوى السياسية والتراكيب الاجتماعية، فضلا أن ينتج عقد سياسي ودولة ديمقراطية.. وليس العكس. لكن المؤسسات العسكرية بطبيعتها، أبعد كثيرا عن امتلاك الوعي والخبرة بما سبق، مهما تكن عريقة ووطنية كما كان الحال في مصر.ولكن حتى المسار الحالي من الممكن تعديله بشكل ما – وليس نقضه – بحيث تُشكَّل لجانٌ للحوار الوطني حول تعديل الدستور، وضمانات الانتخابات، والقرارات المطلوبة لإصلاح البيئة السياسية والمؤسسية بالدولة والعدل الاجتماعي وإصلاح القضاء، وبحيث أن يقود ويستكمل تلك العملية الإصلاحية بعد ذلك الرئيس المنتخب بعد تسلمه السلطة رسميا من المجلس العسكري.الخيارات السياسية والدستورية متعددة، وخبرات التحول الديمقراطي وضبط العلاقات المدنية العسكرية متراكمة، فقط إذا استوعبت القوى السياسية بالجزائر (الجيش، الأحزاب، قوى الحراك) خطورة المرحلة، وواجب اللحظة التاريخية من حتمية الحوار، وتثبيت مباديء رئيسة هي ضرورة التحول الديمقراطي مع الحفاظ على وحدة الجزائر وأمنها والتماسك الوظيفي للدولة، وقبل كل ذلك – تغليب مصلحة الوطن على أي مصلحة فئوية.

    أوربا في أزمة

    حسين عبد القادر المؤيد مفكر وسياسي عراقي

    قادت أوروبا نهضة كبرى كانت قد بدأتها منذ مطلع الألفية الثانية للميلاد ، حيث شهدت تلك الفترة وتيرة تأسيس الجامعات ، فتأسست جامعة بولونيا في إيطاليا سنة ١٠٨٨ ، و هي أقدم جامعة بالمفهوم الحديث للتعليم العالي ، حسبما نسب الى المؤرخين . و في بريطانيا برزت جامعة أوكسفورد التي بدأ التعليم فيها سنة ١٠٩٦ ، ثم جامعة كامبريدج ١٢٠٩ . و في فرنسا تأسست جامعة السوربون سنة ١٢٥٣ . و في ألمانيا تأسست جامعة هايدلبرغ سنة ١٣٨٦ . 

    لم تكن تلكم الجامعات مجرد معاهد لتدريس العلوم ، و إنما صارت مطابخ علمية لإنتاج نهضة كبرى قام بها فلاسفة و مفكرون و علماء أوروبيون . 

    لقد أحدثت هذه النهضة تغييرات جوهرية في المجتمعات الأوروبية ، على الصعيد الفلسفي و العلمي و الفكري ، و عالجت موضوعات تتصل بحياة الفرد و المجتمع في الصميم ، الموقف من الدين و الميتافيزيقيا ، القيم و الأخلاق ، السياسة و الإقتصاد ، أنماط السلوك و حدوده .

    إن ما اصطلح عليه بعصر التنوير ، هو التجسيد الحقيقي للنهضة التي بدأت منذ مطلع الألفية الثانية و نمت و أخذت بالتألق ، فكان عصر التنوير و كانت الثورة الصناعية و استمر خط الرقي بالتصاعد .

    لقد حدثت تفاعلات مهمة أفضت الى ولادة أوروبا جديدة ، منجزات علمية ، نظام سياسي حديث ، نظام اقتصادي متميز يتسع للتنوع في إطار إفرازات الثورة الصناعية ، سلوك اجتماعي منضبط بقيم و قواعد أفرزها فكر النهضة . و قد ترسخ ذلك بعد حربين عالميتين كادتا أن تجهزا على النهضة الأوروبية برمتها . 

    لا يعني كل ذلك – و نحن نتحدث عما حققته أوروبا لنفسها ، بغض النظر عن علاقتها بغيرها من الدول و الشعوب – تمجيد النهضة الأوروبية بعجرها و بجرها ، فهي إنتاج بشري خاضع للخطأ ، و قد حصلت و لا تزال تناقضات جدلية و مفارقات خارج أي منطق متسق ، و إخفاقات على مستوى الفكر أو التطبيق . و قد قام مفكرون أوروبيون بتسجيل ملاحظاتهم النقدية على الحداثة الأوروبية و إفرازاتها . 

    لكن هذا كله يجب أن لا يمنع من النظر الموضوعي الى الإستقرار الذي حققه النظام السياسي الغربي الحديث لأوروبا ، و مستوى من العدالة الإجتماعية يوفر فرص العمل و يقدم الضمان الإجتماعي للعاطلين عنه و يقدم التأمين الصحي للجميع و يوفر فرص التعليم المجاني دون تمييز ، و عقد اجتماعي يضمن كافة الحقوق و يضبط سلوك المجتمع في إطار سيادة القانون ، و نظام قضائي نزيه يضمن بسط العدل بين الناس ، و حماية أمنية تتكفل بها الدولة عبر مؤسساتها المعنية بذلك . 

    أعتقد أن من أهم ما حافظ على أوروبا وليدةِ النهضة و التنوير ، بخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، هو نفوذ أحزاب الوسط و اليسار المعتدل في الشارع الأوروبي ، و التي كان لها دور كبير في الحيلولة دون تغلغل التطرف و نموه في المجتمعات الأوروبية . 

    لقد أدى نفوذ أحزاب الوسط و اليسار المعتدل الى عقلنة المجتمع الأوروبي و عدم تمكين الشعبوية في المجتمع . 

    لا شك في أن تكريس الديمقراطية الحقيقية و العدالة الإجتماعية حتى في ظل نظام اقتصادي رأسمالي و الحفاظ على العقد الإجتماعي و سيادة القانون و قيم حقوق الإنسان ، كل ذلك في وعاء ثقافة متسقة معه تحكم عقلية الإنسان الأوروبي ، كان بفضل نفوذ الوسط و اليسار المعتدل في المجتمع الأوروبي . مضافا إلى عوامل أخرى.

    إن أوروبا اليوم تواجه أزمة حقيقية خطيرة ، لو لم تبادر الى معالجتها فمن المحتمل جدا أن تفضي الى خلخلة البناء الذي قامت عليه أوروبا الحديثة و ربما انهياره . 

    إن انحسار نفوذ الوسط و اليسار المعتدل في الشارع الأوروبي ، سيؤدي الى صعود اليمين غير المعتدل و الذي سيخلق جدلية خطيرة على بناء أوروبا الحديثة . 

    لقد أفضى انهيار الإتحاد السوفيتي ، و صعود اليمين غير المعتدل في الولايات المتحدة الأمريكية ، و إطلاق العنان لآيديولوجية صراع الثقافات و الحضارات ، و نمو الشعور الديني عموما في العالم و الذي تزامن مع إطلاق حملة فوبيا ضد الإسلام – و هي حملة و إن كانت من زاوية موضوعية انعكاسا لموجة الصحوة الدينية التي طغت على المجتمعات المسلمة بشكل خرج عن الإنضباط و أدى الى بروز التطرف الذي أفرز الإرهاب ، و امتدت آثار ذلك الى الغرب و حركت فيه هواجس كانت نائمة ، إلا أن حملة الفوبيا هذه ، قد انطوت على تهويل و غلو و استغلال – ، الى تنامي الإتجاهات و التيارات الفكرية و السياسية المتطرفة في المجتمع الأوروبي ، و أدى كذلك الى التراخي في التمسك بالعلمانية في الغرب و التي هي الوعاء الثقافي للنهضة الحديثة في أوروبا و الأساس الذي أشيدت عليه النهضة ، و لقد أدى ذلك الى نمو تدريجي للشعبوية في المجتمع الغربي عموما . 

    أعتقد أن أوروبا الحديثة ستتجه الى حافة الإنهيار ، إذا ترك العنان للشعبوية التي ستكون بيئة خصبة لليمين غير المعتدل و ما يفرزه ذلك من جدلية على الصعيدين السياسي و الإجتماعي ، الأمر الذي سيوجه ضربة للثقافة التي قامت عليها أوروبا الحديثة و بالتالي سيوجه ضربة للتوازن الذي أنتجته تلكم الثقافة في المجتمع الأوروبي . 

    و من هنا أدعو الى ما يلي :- 

    ١- تفعيل و تقوية الإتجاه الفلسفي النقدي الذي كانت مدرسة فرانكفورت رائدة في مضماره ، و الذي يركز على عقلنة موضوعية تضع حدا لتهور العقل الأداتي الذي كانت سيطرته على المجتمع وبالا أدى الى المعاناة من الفاشية و النازية و إخفاق الإشتراكية السوفيتية و الى حدوث حربين عالميتين طحنتا أوروبا و كادتا أن تقضيا على مجمل البناء النهضوي الأوروبي . 

    إن مدرسة فرانكفورت و ما شاكلها ، يمكن أن تلعب دورا حيويا في وضع حد للشعبوية بكل أشكالها و الحيلولة دون نموها في المجتمع الأوروبي . 

    ٢- تفعيل و ترويج آيديولوجية حوار الثقافات و تعايشها ، و العمل على تشكيل محور عالمي للإعتدال يكون هو صاحب الكلمة على الساحة الدولية . 

    ٣- محاربة التطرف و الإرهاب بكل أشكاله و انتماءاته ، و أن يتم التركيز على معالجة مغذيات الإرهاب . 

    إن إبقاء الشرق الأوسط في حالة من عدم الإستقرار ، ستكون له آثار جد سلبية على الغرب و سيؤدي بالمجتمع الأوروبي الى سيطرة الشعبوية و اليمين المتطرف ، وهذا يشكل خطرا على مستقبل أوروبا الحديثة.

    أعتقد أن أوروبا يجب أن تلعب دورا فاعلا في استقرار الشرق الأوسط والمساعدة على توطيد النموذج المدني والعدالة الاجتماعية في مجتمعات الشرق الأوسط والتخلص من نظام الملالي في إيران الذي يعتبر تحديا خطيرا للاستقرار والنموذج المدني في الشرق الأوسط بل في العالم ، وإنهاء سيطرة القوى المرتبطة بإيران كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، وكذلك يجب العمل على إنجاح قيام ديمقراطية حقيقية في العراق عبر كف يد القوى الدينية والانتهازية التي سيطرت على مقاليد الأمور في العراق، واتاحة المجال لبروز قوى مدنية تؤمن بالنموذج الديمقراطي الحديث وتطبيقه في العراق تطبيقا حقيقيا ، كذلك إيجاد حل عملي يؤمّن حقوق الفلسطينيين ويضع حدا للصراع.

    إن أوروبا أمام مسؤولية تاريخية في الحفاظ على مكتسبات نهضتها التي أدت إلى ولادة أوروبا الحديثة ، هي مسؤولية لا يملك قادة أوروبا من السياسيين والمفكرين تحدي التنصل منها. وفي هذا السياق ، أعتقد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في هذا المقطع التاريخي، خطأ ستراتيجي لأن وجودها في الاتحاد الأوروبي يجعلها أقدر على الحفاظ على مكتسبات أوروبا الحديثة والتي كان لبريطانيا فيها سهم وافر.

    مدرسة فرانكفورت

    حسين عبد القادر المؤيد – مفكر وسياسي عراقي

    1

     تتكلس مضامين المدارس الفكرية ، نتيجة ما يطرأ عليها من جمود ، إما أن يكون بسبب التعصب و التبعية العمياء لتلكم المضامين ، أو بسبب توقف أو فتور الحراك العلمي للمدرسة الفكرية لا سيما حين يغيب في أجيالها المتعاقبة وجود عقليات ضخمة قادرة على إيجاد هذا الحراك . 

    و حين تتكلس مضامين أية مدرسة ، يصبح من الضروري إيجاد أو إحياء النقد و المراجعة ، حتى لو أخذ الجانب النقدي بعدا تحرريا من الجمود . 

    إن المدرسة التي تتمتع بالثقة بمضمونها الفكري ، لا تجد حرجا في التحرر من الجمود ، بل ترحب بالنقد و المراجعة و الحراك الفكري الذي يجعل هذه المدرسة حية و فاعلة إيجابيا . 

    ما أحوجنا في العالم العربي و الإسلامي الى تحريك المياه الراكدة في ثقافتنا و التحرر من الجمود و معالجة التكلس الفكري .

    2

    في سنة ١٩٢٣ تأسس في فرانكفورت معهد علمي بعنوان ( معهد العلوم الإجتماعية ) ، و كان الهدف من إنشاء هذا المعهد بواسطة ثلة من الماركسيين ، هو إحياء الجانب النقدي في الفلسفة الماركسية بعد أن أصابها الجمود و تحولت الى قوالب في عقول المفكرين و المثقفين الماركسيين ، فأرادت هذه الثلة تفعيل النقد الذي يكسر الجمود الذي أدى الى تكلس مضامين الفلسفة الماركسية و التعامل معها كنصوص مقدسة ، و أن يكون النقد تحرريا . بادر المعهد الى بحث شروط ثورة البروليتاريا بغية تحفيزها ، لكن تسنم النازية للسلطة في ألمانيا و مطاردة كادر المعهد ، أدى الى تشتت مفكريه في البلدان ، غير أن هورگهايمر و أدورنو و ماركيز و هم من كبار مفكري المعهد ، أقاموا في الولايات المتحدة الأمريكية ، و واصلوا أبحاثهم التي انتهت الى الإحباط من الثورة بل من النهضة و من العقلانية الحديثة ، و دوّن هورگهايمر و أدورنو هذه الأفكار التشاؤمية في مؤلف مشترك بينهما طبع باللغة الألمانية بعنوان ( جدلية التنوير ) و ترجم للفرنسية لكن بعنوان ( جدلية العقلنة ) .

    3

    بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، أعيدت الحياة لمعهد العلوم الإجتماعية ، و عاد هورگهايمر و أدورنو و آخرون من الجيل الأول من أقطاب المعهد من الولايات المتحدة الأمريكية الى ألمانيا ، و استأنفوا العمل العلمي في المعهد . 

    أصبح للخط الفكري و الفلسفي الذي أخذه معهد العلوم الإجتماعية بعد استئناف نشاطه ، تميّز خاص ارتبط بالجانب النقدي الفلسفي ، بحيث صار يُعدّ مدرسة فلسفية و فكرية أُطلق عليها اسم ( مدرسة فرانكفورت ) . قيل إن أول من أطلق عليها هذا الإسم هم خصومها الفكريون ، و أن أدورنو و هو أحد أقطاب هذه المدرسة تبنّى هذه التسمية و اعتبرها فخرا ، بعكس زميله هورگهايمر رائد هذه المدرسة الذي لم ترُق له التسمية . لكن هذه التسمية شقت طريقها و صارت علَما لهذا التيار الفكري و الفلسفي الذي سيطر على الفكر الغربي و طبع أوقع الأثر في المجتمعات الغربية .

    4

    صدرت كتب كثيرة في الغرب للتعريف بمدرسة فرانكفورت ، ودراسة الإتجاه الفكري و الفلسفي لهذه المدرسة ، و تسليط الضوء على فكر أقطابها و منظّريها ، و قد ترجم بعض هذه الكتب للغة العربية ، منها كتاب ( مدرسة فرانكفورت ) تأليف بول – لوران آسون ترجمة سعاد حرب ، و كتاب ( مدرسة فرانكفورت ) تأليف توم بوتومور ترجمة سعد هجرس . 

    و صدرت كتب مهمة باللغة العربية تناولت بالبحث مدرسة فرانكفورت ، منها كتاب ( يوغن هابرماس و مدرسة فرانكفورت ) لحسن مصدق ، و كتاب ( رهان الحداثة و ما بعد الحداثة ) لعصام عبد الله ، و كتاب ( إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية الحديثة ) لعمر مهيبل . 

    و ينبغي عند محاولة التعرف على مدرسة فرانكفورت ، الإلتفات الى أن بعض الباحثين العرب عند شرحه لهذه المدرسة ، لم يوفق في بيان المضمون الحقيقي لفكر هذه المدرسة ، لأنه عرض فهمه هو و لم يكن فهمه صحيحا أو دقيقا ، لا سيما و أن أقطاب هذه المدرسة هم من كبار مفكري الفلسفة الغربية الحديثة و تتسم أفكارهم بالعمق ، و لهم أسلوب و لغة في التعبير عنها تختلف عن الطريقة المألوفة لدى المفكرين العرب في التعبير عن أفكارهم و نظرياتهم ، و هذا التفاوت في أسلوب و لغة التعبير يكاد يكون السمة العامة للبيان بين الغربيين و العرب .

    5

     من أجل تكوين تصور واضح و صحيح عن مدرسة فرانكفورت ، يجب أن نفهم الخلفية الفكرية و الإجتماعية التي أوجدت هذه المدرسة بما تنطوي عليه من فلسفة نقدية تميزت بها . و سأحاول بيان هذه الخلفية بإيجاز يتناسب و طبيعة المقال ، تاركا التفاصيل البحثية الى دراسة موسعة عسى أن تتاح لي فرصة لإنجازها إن شاء الله . 

    كان لعصر النهضة في أوروبا أكبر الأثر في تطورها الفكري و العلمي و الإجتماعي ، و في التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا فيما بعد في مختلف الأصعدة . 

    لا شك في أن النهضة الأوروبية هي التي قادت الى الثورة الصناعية في أوروبا في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر ، و التي تعتبر نقلة نوعية تاريخية لم تقتصر على أوروبا وحدها ، و إنما شملت العالم بقارّاته . 

    لقد أوجدت الثورة الصناعية في أوروبا تحولات أساسية في شتى الأصعدة ، فعلى الصعيد الإقتصادي سيطرت الرأسمالية على المجتمع الأوروبي ، و برز التفاوت الطبقي في المجتمع بوضوح ، حيث طبقة برجوازية تمتلك وسائل الإنتاج و الثروة و تتحكم بمفاصل الإقتصاد ، و طبقة متوسطة من صغار التجار و من موظفي الدولة ، و طبقة عاملة ليس عندها رصيد سوى عملها ، و قد استُغلت في ظل الرأسمالية الحاكمة في ذلك الوقت استغلالا فاحشا ، و عانت من الفقر و ضيق العيش و الحرمان من الحقوق و الإمتيازات . 

    كان هناك وفرة في الإنتاج و سوء في توزيع الثروة ، و مجتمع محكوم بمعادلات الرأسمالية و توازناتها . و كان لكل ذلك إفرازات مفاهيمية سواء من زاوية الطبقة البرجوازية أو طبقة العمال ، فنجد طغيان البراغماتية من جهة و النظرة التشاؤمية للحياة من جهة أخرى ، و قد انعكس ذلك على الأدب و الفن و السلوك في المجتمع الأوروبي . 

    و على الصعيد

    العلمي ، تحركت عجلة العلم بشكل غير مسبوق قاد الى تقدم علمي طبعت منجزاته مظاهر الحياة الأوروبية ، و برزت العلوم التجريبية و حازت قصب السبق في الميدان المعرفي . 

    و على الصعيد الفكري ، حصل تحول فلسفي باتجاه التركيز على العقل البشري و العلم و التجربة كأساس في المعرفة البشرية ، و برزت الفلسفة الوضعية لتكون رائدة الميدان الفكري ، و اعتمد التفسير العلمي للكون و للحياة على حساب الميتافيزيقيا ، و جرى تفسير الظواهر المجتمعية على حذو تفسير الظواهر الطبيعية بقوانينه و معادلاته .

    6

    لقد كان التنوير الذي تبلور في القرن الثامن عشر و أخذ بالتألق في القرن التاسع عشر ، بحيث أطلق على هذين القرنين مصطلح عصر التنوير ، أثرا مهما لعصر النهضة في أوروبا ، وقد كان قوام التنوير ، إعتماد العقل و العلم أساسا لتأسيس نظام للحياة . و يجب الإنتباه الى أن المراد بالعقل الذي اعتمده التنوير ، ليس العقل المجرد التأملي الذي قامت عليه الفلسفة اليونانية القديمة ، و إنما المراد به العقلانية و التفكير الذي يستمد من ظواهر الطبيعة ، و التفكير اللا ميتافيزيقي . و لهذا كانت المناداة في عصر التنوير لاعتماد العقل ، تهدف الى التحرر من سلطة الدين و الخرافة و التقاليد القديمة و كل فكر لا عقلاني أي لا يستمد من ظواهر الطبيعة و لا يستند الى الحس و التجربة . 

    نستطيع القول بأن مفاهيم التنوير و قاعدته الفلسفية هي التي كانت تسيطر على الساحة الفكرية و الثقافية في المجتمع الأوروبي بكل طبقاته ، و كان غير ذلك هو الإستثناء . 

    و حين انطلقت الماركسية كرد فعل على سلبيات الرأسمالية و معاناة الطبقة العاملة ، لم تخرج فكريا عن مفاهيم عصر التنوير ، و إنما اعتمدتها و عملت على تعميقها و ترسيخها ، و قد تجلى ذلك بوضوح في التصور الكوني الذي قدمته الماركسية كتفسير للوجود . 

    يمكن القول بأن كارل ماركس ، كان في عصره ملهِم اليسار و أباه ، و كانت فلسفته تشكل المضمون الفكري لليسار الذي انطلق في الشارع الأوروبي بقوة في القرن التاسع عشر . 

    لم تكن النظرية الماركسية في الإقتصاد السياسي و في علم الإجتماع و كفلسفة للتاريخ ، مجرد مدرسة فكرية نظرية ، و إنما كانت فلسفة حركية حركت الشارع و ألهبت الثورات ، و كانت تنبؤاتها تمنح الناس حلما لا يقل عن خيالات أفلاطون في المدينة الفاضلة ، و لذلك تحولت الماركسية في نفوس أتباعها الى عقيدة مقدسة لا يسمح بالجدل ضدها .

    7

    كان الربع الأخير من القرن التاسع عشر و الربع الأول من القرن العشرين ، مليئين بالأحداث و التطورات في أوروبا ، و لا سيما على الصعيد السياسي الذي شهد سياسيا صعود اليسار و على الأخص اليسار الإشتراكي و اليسار الشيوعي ، فعلاوة على النشاط ذي البعد السياسي للنقابات العمالية ، تأسست أحزاب اشتراكية و شيوعية كان لها دورها الفاعل في الحياة السياسية في أوروبا ، ثم حصلت الحرب العالمية الأولى و كان لها مآسٍ و تداعيات ، و انتصرت الثورة البلشفية في روسيا سنة ١٩١٧ ، و تأسس حكم يساري يقوم على الفكر الماركسي ، بانت إخفاقاته في عهد لينين نفسه ، و دخلت روسيا بعده منذ تولي ستالين للسلطة في ١٩٢٤ نفق الديكتاتورية الباطشة ، و في ألمانيا صعدت النازية و تمكن فيما بعد ، الحزب القومي الإشتراكي الألماني بزعامة هتلر من استلام السلطة ، و برزت الفاشية و تمكنت من استلام السلطة في إيطاليا بزعامة موسوليني سنة ١٩٢٢ . 

    كل تلك الأحداث و التطورات ، أدت الى هزات فكرية و اجتماعية في اليسار الأوروبي المنقسم فكريا و سياسيا ، الأمر الذي جعله يمر بمخاضات مهمة و مؤثرة . 

    في فرانكفورت تحقق لمجموعة من الشباب المثقفين الماركسيين الذين تفتقت عبقريتهم عن ملاحظات نقدية على الماركسية ، و الذين كانوا يتطلعون الى تأسيس معهد فكري للتعبير عن آرائهم النقدية للماركسية من داخل إطارها ، ذلك التطلع ، إذ صدر في سنة ١٩٢٣ قرار وزاري بتأسيس معهد العلوم الإجتماعية الذي صار مركزا للدراسات و النشاط العلمي لهذه المجموعة ، التي بدأ يتبلور خطها الفكري و الفلسفي شيئا فشيئا .

    8

    كان فريق الأساتذة و الباحثين الذين أصبح معهد العلوم الإجتماعية في فرانكفورت مركزا لعملهم الفكري ، مؤمنا بالماركسية ، و متماهيا مع التنظير الماركسي ، و ملتزما بالإشتراكية القائمة على المادية التاريخية . و كان بطبيعة الحال ناقدا للنظام الرأسمالي و للرأسمالية .

    بيد أن هذا الفريق و أمام مجموعة من الوقائع ، أدرك قصور الماركسية التقليدية في فهم المجتمع و تفسير التحولات الإجتماعية و آلية تغيير المجتمع . فآمن هذا الفريق بضرورة تجاوز الماركسية التقليدية ، و لزوم تجديدها لتلائم متطلبات العصر . 

    لقد رصد فريق معهد العلوم الإجتماعية عدة وقائع :- 

    ١- عدم اندلاع الثورة العمالية العالمية المرتقبة طبقا للنظرية الماركسية . 

    ٢- فشل التجربة السوفيتية ، و تحول الآيديولوجيا في عصر ستالين الى وسيلة للإضطهاد . 

    ٣- انكشاف خطأ النبوءة الماركسية ، فالثورة لم تنطلق في ألمانيا ، و لم تنجح الماركسية في بلدان الصناعة الكبرى .

    ٤ – بروز و صعود التطرف الذي تمثل بالفاشية و النازية . 

    ٥- تحول العقلانية الغربية الى آيديولوجيا شمولية ذات نزعة وثوقية و تحول التوجه التنويري الى سلطة فكرية قمعية تقر الواقع بلسان أنه ليس هناك أفضل مما هو كائن فلا نبحث عما ينبغي أن يكون . 

    كل هذه الوقائع و ما شاكلها ، أفضت بفريق معهد العلوم الإجتماعية الى الإنخراط في خط فكري نقدي ، ينظر الى التنوير و العقلانية و الرأسمالية و الماركسية ، بعين ناقدة ، و يحاول أن يخرج بمعطيات جديدة .

    9

    على الصعيد الفلسفي ، رأى فريق معهد العلوم الإجتماعية الذي أطلق عليه اصطلاح ( مدرسة فرانكفورت ) ، أن المشروع النقدي الذي تبناه الفيلسوف عمانوئيل كانط و هو آخر فلاسفة عصر التنوير ، و الذي تجسد في مؤلفاته : نقد العقل الخالص و نقد العقل العملي و نقد ملكة الحكم ، يستحق المتابعة كمشروع نقدي ، لكن هذا الفريق رأى ضرورة تجاوز أفكار كانط التي ساهمت في تأسيس العقلانية الحديثة و التي نقدتها مدرسة فرانكفورت كما سوف يأتي ، فالعقل عند كانط لا يعرف سوى ظواهر الطبيعة و لا ينفذ الى حقائق الأشياء في ذواتها ، الأمر الذي يجعل الفلسفة الوضعية هي الأساس و بالتالي اعتماد العقل الأداتي البراغماتي الذي يتلخص هدفه في إنتاج النجاح و الوصول اليه ، و هذا ما رفضته مدرسة فرانكفورت التي آمنت بوجود العقل الموضوعي و اعتبرته عقلا أصيلا فعالا ، و قررت أن أي إنكار للعقل الموضوعي الأصيل ستكون له نتائج تدميرية للمجتمع . 

    و كذلك نقدت مدرسة فرانكفورت ، فلسفة هيغل للتاريخ ، و رأت أن هذه الفلسفة مثالية و لم تعد قادرة على تحليل المجتمعات الرأسمالية الحديثة و معالجة التحديات التي تواجهها المجتمعات الغربية . لذا رأت مدرسة فرانكفورت ضرورة جعل الفلسفة أكثر علمية بإيجاد ربط وثيق بين الفلسفة و العلوم التجريبية . 

    وجدت مدرسة فرانكفورت أن عصر التنوير أنتج ثقافة هاجمت التأمل الفلسفي التجريدي ، و اعتمدت العقل البراغماتي ، و اختزلت الإنسان ببعد واحد ، و أن هذه العقلانية تحولت الى آيديولوجيا شمولية . و اعتبرت مدرسة فرانكفورت أن ثقافة عصر التنوير هي السبب في سيطرة النظام الرأسمالي الذي أوجد الطبقية و استغل الطبقة العاملة و ظلمها ، و هي السبب في بروز الفاشية و النازية ، فكل ذلك نتاج العقل الأداتي البراغماتي الذي أودى بالعقل المعاصر الى السقوط في اللاعقل . و من هنا جائت مهاجمة مدرسة فرانكفورت لا للتنوير نفسه كما فهمه البعض خطأ ، و إنما لثقافة التنوير التي أنتجها عصر التنوير في ذلك الوقت و سيطرت على الفكر في المجتمع الأوروبي . 

    إذن نخلص الى أن مدرسة فرانكفورت ، ميّزت بين العقل الأداتي البراغماتي و العقل الموضوعي الأصيل ، و أعطت للعقل الموضوعي الأصيل قيمة معرفية ، و دعت الى أن يلعب دوره الإجتماعي الذي يؤكد على البعد الإنساني و يحرر الإنسان من اختزاله ببعد واحد و النظر اليه كأي وجود مادي بحت خاضع لقوانين الطبيعة و معادلات المادية التاريخية . هذا من جهة 

    و من جهة أخرى رفضت الفلسفة المثالية و التنظيرية التي لا ترتبط بالعلم الحديث و معطياته ، و دعت الى تخليص الفلسفة من طابعها التجريدي ، لترتبط بالعلوم لا سيما العلوم الإنسانية و الإجتماعية ، كعلم الأنثروبولوجيا و علم الإقتصاد و علم الإجتماع و علم النفس ، و إنزال الفلسفة الى الحياة الواقعية .

    10

    و أما الرأسمالية فقد كان موقف مدرسة فرانكفورت منها واضحا و صارما ، و لم يكن وليد الخط الفكري و الفلسفي الذي تبلور بعد تأسيس معهد العلوم الإجتماعية في فرانكفورت ، و إنما كان قائما على الفكر الماركسي الذي تبنّاه الباحثون في المعهد قبل تأسيس المعهد بوصفهم ماركسيين . 

    بيد أن هؤلاء المفكرين ، و بعد تبلور مدرستهم الفلسفية النقدية ، تناولوا الرأسمالية في إطار الفكر النقدي لهذه المدرسة ، بعد أن كان نقدهم للرأسمالية في إطار الماركسية التقليدية قبل تبلور مدرستهم النقدية . و من هنا ، فإنهم نقدوا المجتمع الصناعي و ما نجم عنه من تناقضات لا سيما في الثقافة البرجوازية ، و اعترضوا بقوة على الحداثة الرأسمالية التي تنظر الى كل المواضيع كأشياء . 

    و نجد أن مدرسة فرانكفورت هذه المرة في إطار فكرها الفلسفي النقدي ، لم تميّز بين الرأسمالية و الإشتراكية بمعيار الأسود و الأبيض ، و إنما اعتبرت كلا من الرأسمالية و الإشتراكية السوفيتية ، مظهرين مختلفين لمجتمع العقل الأداتي الذي يقصي كل ما هو إنساني .

    و يجدر بنا أن نقف عند نقد مدرسة فرانكفورت للماركسية ، فقد كان نقدا جوهريا و في العمق.

    لقد رفضت مدرسة فرانكفورت النظرية الماركسية التي ترى ثقافة المجتمع نتيجة تحددها البنية الإقتصادية للمجتمع . و اعترضت هذه المدرسة على نظرية ماركس التي تربط أي معرفة بالمصالح الإجتماعية ، كالمصالح الطبقية و مصالح الربح و المصالح المرتبطة بوسائل الإنتاج ، و قررت مدرسة فرانكفورت أن هذه النظرية لا تصلح لتفسير الإنتقال من الوعي الآيديولوجي الى الوعي الموضوعي ، و رأت أن العلم و الفلسفة يشتركان في وجود مصالح مجردة ، منها الحقيقة التي هي معيار مقبول للإنسان أيّا كانت طبقته . و استشهدت مدرسة فرانكفورت لذلك بأن ماركس و إنجلز ينتميان للطبقة البرجوازية ، فإذا كانت نظريتهم معرفة موضوعية ، فسيدل ذلك على أن الوعي لا يتحدد دائما بالمصلحة الطبقية . 

    أعتقد بأن ما ذهبت اليه مدرسة فرانكفورت في نقدها للماركسية ، لا سيما مع الأخذ بنظر الإعتبار ما تقدم في بيان الفكر الفلسفي لمدرسة فرانكفورت ، و ما وصلت اليه من قصور الماركسية التقليدية في فهم التحولات الإجتماعية و آلية التغيير ، هو أقرب الى الإنقلاب على الماركسية من كونه تجديدا أو إصلاحا لها .

    لقد أحدثت مدرسة فرانكفورت ، إنشقاقا في اليسار الأوروبي المثقف ، الذي كان قد تبنّى الماركسية التقليدية .

    11

    على الرغم من أن مدرسة فرانكفورت مدينة للجيل الأول من أقطابها الذين رسموا خطها الفلسفي و الفكري النقدي الذي عُرِفَت به هذه المدرسة و طبعت بصمتها على الفكر الغربي في العصر الحديث ، إلا أن هذه المدرسة ، حظيت في الجيل الثاني و الثالث من فلاسفتها بمفكرين كبار كان لهم دورهم في أن تبقى هذه المدرسة حية متجددة متألقة على الرغم مما تعرضت له من انتقادات خصومها الفكريين . 

    لقد برزت في الجيل الأول قامات فكرية يتقدمها ماكس هوركهايمر ( ١٨٩٥ – ١٩٧٣ ) و الذي يعتبر رائد هذه المدرسة ، و قد كتب رؤيته الفلسفية النقدية في عدة مؤلفات : بين الفلسفة و العلوم الإجتماعية ، خسوف العقل ، جدلية التنوير ، و قد اشترك معه في الكتاب الأخير المفكر أدورنو . 

    و في الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت ، برز أيضا ، تيودور أدورنو ( ١٩٠٣ – ١٩٦٩ ) من مؤلفاته : صناعة الثقافة ، الشخصية السلطوية ، جدلية التنوير ، و قد كتبه بالإشتراك مع هوركهايمر كما تقدم . 

    و كذلك برز في الجيل الأول من مفكري هذه المدرسة ، هربرت ماركوزه ( ١٨٩٨ – ١٩٧٩) كتب مؤلفات جد مهمة في تنظير الفكر الفلسفي النقدي لمدرسة فرانكفورت : العقل و الثورة ، الحضارة و الرغبة ، الماركسية السوفيتية ، الإنسان ذو البعد الواحد . 

    لقد رسم الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت ، الخط الفلسفي و الفكري لهذه المدرسة ، و على يديه تشكلت معالم هذه المدرسة المتميزة ، التي كان لها تلامذتها البارزون الذين بهم استمر العطاء الفكري لهذه المدرسة ، و الوجود المؤثر لها . و هؤلاء هم الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت . 

    لا يمكن حين يُذكَر الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت ، إلا و يتبادر اسم يورغن هابرماس  ( ١٩٢٩ ) صاحب نظرية الفعل التواصلي ، و التي تعتبر من أهم و أبرز نظريات علم الإجتماع المعاصر . 

    و أما الجيل الثالث من مفكري مدرسة فرانكفورت ، فهم مجموعة ليست قليلة ، من أبرزهم أكسل هونِث ( ١٩٤٩ – ) ، تلميذ هابرماس . لقد وصفت بعض الكتابات المتخصصة بهذا الشأن أكسل هونث بأنه يلعب دورا فاعلا في الفكر الفلسفي الغربي الحديث على الصعيد الفلسفي و السياسي و الإجتماعي . و بالمناسبة ، فإن أكسل هونِث صار مديرا لمعهد العلوم الأجتماعية ، المركز الذي انطلقت منه مدرسة فرانكفورت ، و احتضنها الى الآن .

    التعاملات المالية ترتفع إلى 6600 مليار دولار في اليوم

    ماجد مكي الجميل 27 أيلول (سبتمبر) 2019

    إرتفعت أحجام التداول اليومي للعملات العالمية بشكل حاد منذ 2016، وفقاً لدراسة خاصة يُصدرها مصرف التسويات الدولية كل ثلاث سنوات. وتكشف الدراسة بقاء الدولار الأميريكي كعملة مُهيمِنة في التداول على باقي العملات الأجنبية.

    وظهر الدرهم الإماراتي والريال السعودي في المرتبتين 31 و 33 -على التوالي- بين أعلى 35 عملة في العالم تداولاً. وبخلاف هذين البلدين العربيين وتركيا، لم تظهر عملة أخرى لدولة عربية أو شرق أوسطية على القائمة.

    وفي نيسان (أبريل) 2019، بلغ متوسط حجم التداول اليومي بالعملات الأجنبية 6.6 ترليون دولار (6600 مليار دولار)، بعد أن كان 5.1 ترليون دولار (5100 مليار دولار) في الشهر النظير عام 2016، وفقاً لما ذكره المصرف الذي يُجري كل ثلاث سنوات -منذ عام 1986- تحقيقاً واسع النطاق لمراقبة التحركات الرئيسية في أسواق الصرف الأجنبي.

    وللمقارنة، كان حجم التداول اليومي للعملات العالمية بحدود 539.24 مليار دولار في 1989، و 817.22 مليار دولار في 1992. لكن حجم التداول المالي في العالم إخترق لأول مرة حاجز الترليون دولار في 1995 عندما  بلغ 1.18 ترليون دولار في ذلك العام، ليواصل التبادل بأرقام الترليونات وبنمو مطرد حتى اليوم. 

    وبلغ حجم التداول المالي العالمي اليومي في 1998 1.53 ترليون دولار قبل أن يهبط إلى 1.24 ترليون في 2001، ثم يرتفع إلى 1.93 ترليون في 2004، ثم 3.32 ترليون في 2007، و 3.97 ترليون في 2010، و 5.36 ترليون في 2013، و 5.07 ترليون في 2016، و 6.59 ترليون في 2019.  

    وقال المصرف، الذي يُعتبر المصرف المركزي للمصارف المركزية في العالم، من مقره في مدينة بازل السويسرية الشمالية إنه لا تزال العملات الثلاث الأكثر تداولاً في العالم هي الدولار، متقدماً بكثير على اليورو، الذي زاد وزنه بشكل طفيف، والين الياباني، الذي شهد على النقيض من ذلك إنخفاض حصته إلى حد ما على خلفية إنخفاض معاملات الين/الدولار.

    وفي التفاصيل، إحتفظ الدولار الأميريكي بمركزه المهيمن في التعاملات العالمية، حيث سادَ لوحده على 88.3 في المائة من جميع الصفقات في 2019 مقابل 87.6 في 2016.

    وللمقارنة، بلغت حصة الدولار في التبادلات العالمية 87.0 في 2013، و 84.9 في 2010، و 85.6 في 2007، و 88.0 في 2004.

    وتوسعت حصة الصفقات باليورو، وهو ثاني أكثر العملات تداولاً في العالم، بمعدل أعلى إلى حد ما من السوق الإجمالية، إلى 32.3 في المائة من مجموع التداول العالمي، مقابل 31.4 في 2016.

    على النقيض من ذلك، شهد حجم التداول في الين الياباني هبوطاً، إذ إنخفضت حصة الين في حجم التداول العالمي بمقدار 5 نقاط مئوية، لتصل إلى 16.8 في المائة، مقابل 21.6 في 2016. على الرغم من ذلك، ظل الين ثالث أكثر العملات تداولاً على الصعيد العالمي. وعزا مصرف التسويات الدولية إنخفاض حجم الين الياباني في معظمه إلى إنكماش الين مقابل الدولار الأمريكي في ظل تقلبات العملات. 

    وزاد وزن عملات الإقتصادات الناشئة في السوق مرة أخرى بفضل العملات الآسيوية بنسبة 4 في المائة ليبلغ مجموع حصتها 24.5 في المائة من إجمالي رقم التداول العالمي مقارنة بـ 21.0 في المائة في 2016.

    بعد الين، جاء الجنيه الإسترليني في المرتبة الرابعة بحصة 12.8 في المائة (الحصة نفسها في 2016)، ثم الدولار الأسترالي (5.0 في المائة، مقابل 5.1 في 2016)، ثم الفرنك السويسري في المركز السابع بحصة 5 في المائة (مقابل 4.8 في المائة في 2016).  

    غير أن الرنمينبي الصيني تطور بنفس المستوى الذي تطورت به بقية عملات السوق، أو بمعنى آخر لم يزد إلا بوتيرة أسرع قليلاً من السوق الإجمالية. لكن الرنمينبي لم يرتفع أكثر من ذلك في الترتيب العالمي حيث توقَّف عن الصعود في الترتيب، ليحافظ على المركز الثامن بين أكثر العملات تداولاً.

    وبلغ متوسط الحجم اليومي لتداول العملة الصينية 284 مليار دولار، أو ما يُعادل 4.3 في المائة من الحصة العالمية (مقابل 4.0 في المائة في 2016) ليأتي بعد الفرنك السويسري مباشرةً.

    لكن من جهة أخرى، إرتفعت العملة الصينية فى غضون الخمسة عشر عاما الأخيرة من المركز 29 الى المركز الثامن بين أكثر العملات تداولاً في العالم. لكن الرنمينبي كان أكثر العملات تداولاً مقابل عملات الأسواق الناشئة، حسب ما جاء في دراسة مصرف التسويات الدولية.

    واكتسبت عدة عملات أخرى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ حصة في السوق خاصة في دولار منطقة هونك كونك الإدارية الخاصة -حسب التسمية الرسمية لهونغ كونك- على وجه الخصوص.

    فقد زاد حجم التداول في دولار هونك كونك بأكثر من الضعف مقارنة بعام 2016، أو من مجرد حصة 1.7 في المائة من التبادلات العالمية إلى 3.5 في المائة، مما سمح له بالصعود إلى المركز التاسع في الترتيب العالمي، (بعد أن كان في المرتبة الثالثة عشرة في 2016). يأتي بعدها في المركز العاشر دولار نيوزلندا بحصة 2.1 في المائة.

    من بين العملات الرئيسة للاقتصادات الناشئة، إنخفض البيزو المكسيكي أربعة مراكز إلى المركز الخامس عشر (بحصة 1.7 في المائة)، في حين تراجعت الليرة التركية أيضاً إلى المركز التاسع عشر، أي أقل بثلاثة أضعاف عن عام 2016، بحصة 1.1 في المائة.

    وظهر الريال السعودي في المرتبة 33 بين أعلى 35 عملة في العالم تداولاً بحصة في سوق التعاملات المالية قدرها 0.2 في المائة. واحتل الريال السعودي ذات المركز في السنوات 2004، و 2007، و 2010، ثم هبط إلى المركز 34 في 2013، قبل أن يصعد إلى المركز 26 في 2016.

    وظهر الدرهم الإماراتي في المرتبة 31 بين أعلى 35 عملة في العالم تداولاً بحصة في سوق التعاملات المالية قدرها 0.2 في المائة. وللمقارنة، كان الدرهم الإماراتي في المركز 55 بين العملات المُتداولة عالمياً عام 2004، ثم في المركز 57 عام 2007، والمركز ذاته عام 2010، ثم في المركز 41 عام 2013، ثم 39 في 2016، قبل أن يصعد إلى المركز 31 في 2019.

    وتكشف دراسة المصرف (23 صفحة) أن التداولات المالية في خمسة بلدان -بريطانيا، والولايات المتحدة، ومنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، وسنغافورة، واليابان- مثَّلت 79 في المائة من جميع تجارة العملات الأجنبية. وقد نما النشاط التجاري في بريطانيا ومنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة بأكثر من المتوسط العالمي. كما سجل البر الرئيسي للصين إرتفاعاً كبيراً في النشاط التجاري، مما جعله ثامن أكبر مركز لتجارة العملات الأجنبية بعد أن كان في المركز 13 في نيسان (أبريل) 2016.

    وتهدف هذه الدراسة الإستقصائية، وهي أشمل مصدر للمعلومات عن حجم وهيكل أسواق التبادلات العالمية للعملات الأجنبية، إلى زيادة شفافية أسواق التجارة الخارجية، ومساعدة المصارف المركزية والسلطات والمشاركين في السوق على رصد ومواكبة تطور سوق الصرف الأجنبي. 

    وايضاً، تُساعد الدراسة المصارف المركزية على دراسة تطورها في الأسواق إستناداً إلى البيانات التي تُجمَع في 53 بلداً لديها 1300 مصرفاً ومؤسسة مالية. هناك ثلاثة بلدان عربية فقط أعضاء في مصرف التسويات الدولية هي: السعودية، الإمارات، البحرين.

    ويتم إعداد هذه الدراسة تحت رعاية لجنة الأسواق واللجنة المعنية بالنظام المالي العالمي، بدعم من ”مبادرة الثغرات في البيانات” التي أقرتها مجموعة العشرين.

    تجدون في الرابط أدناه نص الدراسة باللغة الإنكليزية

    https://www.bis.org/statistics/rpfx19.htm

    أونكتاد: أزمة المناخ تسبب صدمات لمختلف قطاعات السلع الأساسية وتشكل مخاطر إقتصادية شديدة

    ماجد مكي الجميل 

    قالت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ”أونكتاد” إن التنويع الإقتصادي وتنويع الصادرات هو أفضل إستجابة للتحديات التي يطرحها تغير المناخ في البلدان النامية التي تعتمد على السلع الأساسية، وإنه يلزم إتخاذ إجراءات أكثر طموحاً وإرادة سياسية أقوى لمواجهة أزمة المناخ. لكنها أقرت أن البلدان النامية تحتاج إلى دعم مالي وتقني لتنفيذ خططها المعلنة بشأن المناخ.

    وحددت ”أونكتاد” درجة إعتماد 33 دولة -أغلبها نامية- على صادرات الوقود من مجموع صادراتها، فكانت نسبة السعودية 71 في المائة، وهي أدنى من 12 دولة نامية، هي: أنجولا (97 في المائة) -أعلى نسبة في العالم-، العراق والجزائر (96 في المائة لكل منهما)، بريوني دار السلام (92 في المائة)، نيجيريا  (92 في المائة)، أذربيجان (90)، ليبيا (88)، قطر (86)، غينيا الإستوائية (83)، الكويت (79)، تشاد (78)، فنزويلا (77) ثم السعودية (71 في المائة).

    لكن السعودية تجاوزت 20 دولة في نسبة إعتماد صادراتها على الوقود، هي: الجابون (70 في المائة)، كازاخستان (63 في المائة)، تيمور الشرقية (61 في المائة)، روسيا وسلطنة عُمان (59 في المائة لكل منهما)، النرويج و تركمانستان (57 في المائة لكل منهما)، كولومبيا (54 في المائة)، الكونغو (52)، ترينيداد وتوباغو (49)، اليمن و موزمبيق (46 في المائة لكل منهما) السودان (44 في المائة)، البحرين (43)، الكاميرون والإمارات وجزيرة سانت لوسيا (38 في المائة لكل منها)، الإكوادور (36 في المائة) بوليفيا (35). 

    وقالت ”أونكتاد” في تقرير عن السلع الأساسية والتنمية لعام 2019 -سيصدر يوم غد/الخميس- إنه يمكن أن يكون التنويع أفقياً، مما يستتبع المغامرة في الخوض بسلع وقطاعات جديدة للحد من الإعتماد على مجموعة ضيقة من السلع الأساسية، أو الرأسية، التي تنطوي على نقل سلسلة قيمة السلعة إلى زيادة قيمتها.

    ووفقا للتقرير المعنون “الإعتماد على السلع الأساسية وتغير المناخ واتفاق باريس”، من المرجح أن تشمل إستراتيجية التنويع الناجحة مزيجاً من السياسات الأفقية، مثل تعزيز رأس المال البشري من خلال الإستثمار في التعليم والصحة، والتدابير المحددة الهدف لتعزيز القطاعات الفردية، والمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.

    وقال الأمين العام للأونكتاد، موكهيسا كيتويي، “إن أزمة المناخ تشكل تهديداً وجودياً للبلدان النامية المعتمدة على السلع الأساسية وستؤدي إلى إنهيار بعض الإقتصادات إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة الآن”. وأضاف: “تحتاج هذه البلدان الآن أكثر من أي وقت مضى إلى تقييم إمكاناتها في التنويع والحد من إعتمادها على السلع الأساسية، الأمر الذي جعلها على مدى عقود عرضة للأسواق المتقلبة وتغير المناخ.

    إرتفاع المخاطر يعزز الحاجة إلى العمل

    وعلى الرغم من أن البلدان النامية المعتمدة على السلع الأساسية لا تسهم إلا إسهاماً متواضعاً في تغير المناخ، فإن أزمة المناخ تضعها أكثر من غيرها في شدة الخطر. ويشير التقرير إلى أن البلدان النامية أكثر عرضة للخطر في المقام الأول لأنها تعتمد إقتصادياً على القطاعات المعرضة بشدة للظواهر الجوية الشديدة. والدول الجزرية الصغيرة النامية هي من بين أكثر الدول تضرراً.

    يشكل إرتفاع درجات حرارة سطح البحر مخاطر كبيرة على الدول الجزرية الصغيرة النامية التي تستمد حصة كبيرة من حصيلة صادراتها من البضائع من مصائد الأسماك، مثل كيريباس (88 في المائة في الفترة 2013-2017)، ومالديف (79 في المائة) وميكرونيزيا الموحدة (75 في المائة). ويلاحظ التقرير أن الآثار السلبية لتغير المناخ على إنتاج المحاصيل ومصائد الأسماك أشد حدة في مناطق خطوط العرض المنخفضة (بين مداري السرطان والجدي)، حيث توجد معظم البلدان النامية المعتمدة على السلع الأساسية.

    وبالمثل، فإن البلدان ذات الدخل المرتفع والمعتمدة على الوقود الأحفوري، مثل بريوني دار السلام وقطر والكويت، التي لديها بعض أعلى مستويات انبعاثات غازات الدفيئة للفرد الواحد، معرضة للخطر أيضاً. وقال التقرير إن هذه الدول قد تتأثر بشدة بتعثر مواردها الطبيعية الرئيسية نتيجة للدفع المتزايد نحو مصادر الطاقة الخضراء.

    ويشدد التقرير على أن المخاطر الشديدة التي تواجهها البلدان النامية المعتمدة على السلع الأساسية تعزز حاجتها إلى تكييف إقتصاداتها وتنويعها وتحديثها. وينبغي عليها أيضا أن تتكيف مع آثار تدابير مكافحة الإحتباس الحراري التي تتخذها بلدان أخرى، التي يتوقع أن تخفض الطلب على بعض السلع الأساسية الرئيسية التي تعتمد عليها.

    الفرص وسط التحديات

    وذكر التقرير أن التصدي لتغير المناخ يتيح بعض الفرص للبلدان النامية المعتمدة على السلع الأساسية. ويلاحظ أن الدفع العالمي نحو الطاقة المتجددة وكفاءة إستخدام الطاقة يخلق فرصاً في البلدان التي توجد فيها احتياطيات كبيرة من المواد المستخدمة في التقنيات النظيفة، مثل الخلايا الكهروضوئية الشمسية، وتوربينات الرياح، وبطاريات المركبات الكهربائية.

    على سبيل المثال، في 2018، مثَّلت جمهورية الكونغو الديمقراطية 58 في المائة من العرض العالمي من الكوبالت، وهي سلعة رئيسية تُستخدم في إنتاج نضائد المركبات الكهربائية، في حين شكَّلت شيلي والأرجنتين معا 71 في المائة من الإحتياطيات العالمية من الليثيوم، وهو مكوِّن رئيسي آخر في تصنيع البطاريات.

    يقول التقرير إن مكافحة تغير المناخ يمكن أن تخلق أيضاً فرصا لزيادة إنتاج بدائل للحوم الماشية والحليب. يشير إلى حالة الماشية في بعض الأراضي الجافة في أفريقيا، حيث شجع تزايد تواتر الجفاف وانخفاض توافر الأعلاف الرعاة على إعتماد الإبل لتكملة الماشية أو إستبدالها.

    ووفقاً للتقرير، أدى السعي إلى التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه إلى حفز الإستثمارات في الإبتكارات التقنية التي يمكن أن تفيد البلدان المعتمدة على السلع الأساسية. من الأمثلة على ذلك إعتماد خلايا ضوئية شمسية فعالة من حيث التكلفة، يمكن أن يُعزز أمن الطاقة ويدعم قطاعات السلع الأساسية في المناطق النائية غير المتصلة بشبكات الطاقة الوطنية.

    إتفاق باريس: ما الذي يجب عمله؟

    ويردد التقرير تحذيرات الخبراء من أن الإلتزامات التي تعهدت بها البلدان للتخفيف من آثار تغير المناخ بموجب إتفاق باريس ليست طموحة بما فيه الكفاية. ويشير إلى أن الإلتزامات تحتاج إلى أربعة أضعاف للحد من إرتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي. ويوضح التقرير أن اعتماد طموح أكبر في تنفيذ التزامات البلدان المتعلقة بالمناخ سيتطلب إرادة سياسية أقوى وتعبئة أكبر للموارد المالية والبشرية.

    ويؤكد أن التمويل المتصل بالمناخ، الذي لا يشكل حالياً سوى جزء صغير من الإحتياجات الفعلية، يحتاج إلى زيادة كبيرة نظراً لارتفاع تكلفة التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه. على سبيل المثال، فإن التكلفة الإجمالية لتنفيذ خطط العمل المتعلقة بالمناخ لـ 80 بلداً نامياً حددت إحتياجاتها التمويلية بما يُقدَّر بمبلغ 5.4 تريليون دولار. وهذا هو ترتيب الحجم الإجمالي للمبلغ المُنفق على إعانات الطاقة كل عام في العالم.

    علاوة إلى ذلك، يذكر التقرير أن تخضير السياسات المالية -جعلها خضراء- يمكن أن يساعد على ضمان أن تسهم الضرائب والإعانات وأدوات السياسات المماثلة في تنفيذ خطط العمل المتعلقة بالمناخ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويقترح بهذا الصدد إصلاح إعانات الوقود الأحفوري لتعزيز السياسات المالية الخضراء. وتشير التقديرات إلى أن أغنى 20 في المائة من الأسر المعيشية في البلدان النامية تحصل على 43 في المائة من الفوائد المتأتية من إعانات الوقود الأحفوري، في حين أن أفقر 20 في المائة لا يحصلون إلا على 7 في المائة.

    كما أن قدرات البلدان النامية المعتمدة على السلع الأساسية على إتخاذ إجراءات مناخية تحتاج إلى تعزيز، وفقاً للتقرير. ويشمل ذلك بناء القدرات التقنية والتنظيمية لتصميم المؤسسات وتنفيذ السياسات الرامية إلى دعم استراتيجيات التخفيف والتكيف. إضافة إلى ذلك، يتعين على البلدان المتقدمة النمو أن تفي بالتزامها بموجب اتفاق باريس بنقل التقنيات الصديقة للبيئة إلى البلدان النامية لمساعدتها على المشاركة بفعالية في الجهود العالمية الرامية إلى التخفيف من حدة أزمة المناخ والتكيف معها.

    وحسب أرقام ”أونكتاد”، بلغت النسب المئوية لمصادر انبعاثات غازات الدفيئة العالمية حسب القطاع، في عام 2010، كالتالي: إنتاج الكهرباء والحرارة (25 في المائة)، الزراعة والحراجة وغير ذلك من أشكال استخدام الأراضي (24 في المائة)، الصناعة 21، النقل 14، الطاقة الأخرى (10 في المائة) البناء (6 في المائة).

    بالنظر للنتائج الدورية لترتيب جامعاتنا العربية و تأخرها عن نظيراتها الغربية، الأكيد أن قطاع التعليم العالي في بلادنا العربية يحتاج لإصلاحات في أغلبها و تعزيز الإصلاحات في بعضها. وبميزانيات تعتمد رأسا في أغلبها على ميزانيات الحكومات أو من الميزانية العامة- على اختلاف نسبها من دولة لأخرى-، الأكيد أنه يشكل عبئا ماليا على الخزائن العامة، خاصة في ظل الأزمات الراهنة التي تمر بها الدول العربية، وسياسة ترشيد النفقات والتقشف التي تنتهجها أغلب الحكومات.   وبطبيعة الحال، استراتيجية إصلاح منظومة التعليم العالي في بلادنا العربية عملية جد معقدة، قد تبدأ من إعادة صياغة الترسانة القانونية المسيرة للقطاع، وصولاً إلى تحيين وتطوير برامج ومقررات التدريس، مرورًا بإعادة هيكلة العلاقة المتبادلة مع الشركاء الداخليين والمحيط الخارجي على حدٍ سواء…الخ.   ولعل أهم ملف في القضية يطرح نفسه بقوة، ضمن المرحلة الراهنة التي نعيشها، هو : تمويل القطاع.   والتجارب الدولية كثيرة في حقل إصلاح منظمات التعليم العالي ودمجها في مشروع التنمية الاقتصادية، والتجربة الصينية من أهم تلك التجارب الرائدة. التي نعتقد أن أهم ما بنيت عليه، هو : تحويل الجامعة إلى مؤسسة علمية عمومية مستقلة ذات طابع اقتصادي. وهي الفكرة التي أعتقد أنها مهمة جدًا بالنسبة لبلداننا العربية، خاصة في ظل الظرف الراهن.   ثمانينيات القرن الماضي، قررت الحكومة الصينية، تطبيق مبدأ استقلالية الجامعة، وتحويلها إلى مؤسسة علمية عمومية ذات طابع اقتصادي، ترتكز في جزء كبير جداً من إدارتهاالتسييرية والبيداغوجية، على تفاعلها مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي الذي تنشط فيه. وتقدم له أصولها ومخرجات العلمية والتكنولوجية كسلع بما يلبي احتياجاته، وهو ما قلص بشكل كبير تبعية تمويلها للخزينة العمومية.   ففي الصين كان الطرح واضحاَ، أكثر من 16 ألف مؤسسة تعليم عالٍ ، لا يمكن أن تكون تحت الوصاية الكاملة للدولة، خاصة من ناحية التمويل. ومنظومة جامعية في دولة بها أكثر من 1.5 مليار نسمة يقطنون حوالي 10 مليون كلم²، ومتوزعين على أكثر من 22 مقاطعة (كل مقاطعة بحجم دولة)، ومقسمين لأكثر من 56 مجموعة عرقية، لا يمكن أن تكون مقرراتها الدراسية نمطية، فلكل منطقة، ولكل مرحلة خصوصياتها وبالتالي احتياجاتها العلمية. وأخيراً، لا يمكن إبقاء هذا الكم الهائل من المؤسسات العلمية خارج استراتيجية التنمية الوطنية كممول للاقتصاد، ويجب ردم الفجوة بين التعليم العالي والتنمية الاقتصادية.   في ظل ذلك، كان الإجماع شبه كلي حول: استقلالية مؤسسة التعليم العالي، وأن تمنح الجامعة مجالاً واسعاً في الإدارة الذاتية، والسعي لخلق موارد مالية من المحيط الاجتماعي والاقتصادي المحيط بها، بما تراهملائما لذلك.   وكانت الاستراتيجية أوضح، أهم ما جاء فيها : الرقمنة الكلية والشاملة لكل الإجراءات الإدارية والوثائق البيداغوجية والوظيفية للطلبة والأساتذة والموظفين، وكل ما تعلق بالحياة اليومية لمنتسبي الجامعات. وتشير الكثير من التقارير أن معدل زيارة الطلبة والمواطنين لمسؤولي الجامعات في الصين شبه معدوم، فخلال السنة الجامعية قد لا يضطر الطلبة نهائيا لمراجعة أي مكتب من مكاتب إدارة الجامعة نظراً للتعميم للتعاملات الإدارية والبيداغوجية، وبسبب الوضوح الشديد والشفافية العليا التي تمتاز بها القوانين والتعليمات الجامعية التي تطبق على الجميع، بدون استثناءات. ربط الأجرة بالحوافز والإنجازات العلمية وليس التدرج الوظيفي : فقد قررت الحكومة إجراء تغيير جذري في آلية توظيف هيئة التدريس وتعيين موظفي المكاتب الرئيسية في الجامعات، من خلال اعتماد معايير عالية، كالسيرة العلمية والوظيفية، والتزكية العلمية، ومعيار الكفاءة المهنية والقدرة على الإبداع في المنصب …الخ، واعتماد مبدأ ربط الأجرة بالحوافز والإنجازات وليس بالتدرج الوظيفي أو تاريخ التعيين. توسيع سلة الخدمات والمنتجات التي تقدمها الجامعات، إضافة إلى دورها المركزي في التكوين والتعليم. وإضفاء الطابع الاستثماري على تلك المخرجات وخلق مصلحة للتسويق وإدارة العمليات المالية للمؤسسة الجامعية. توسيع هامش الشراكة مع مؤسسات القطاع الاقتصادي وتنظيمات المجتمع المدني، والتعاون (بمعناه الاقتصادي) مع مؤسسات الدولة والقطاع العام، كل ذلك وفق دفاتر شروط وعقود تعاون تتيح للجامعة الاستفادة من موارد مالية لدعم ميزانياتها أو الحصول على تخفيضات تخفف الضغط على نفقاتها. تفعيل عملية الاندماجالاقتصادي مع الجامعات الأخرى (المحلية، الوطنية أو العالمية)، كمثل : تبادل الأساتذة والباحثين، كراء واستغلال مخابر البحث والدراسات، استغلال القاعات ومدرجات التدريس، الشراكة في استعمال المكتبة والهيئات التابعة. كراء المرافق للشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، كمثل الملاعب، وقاعات العروض، والساحات العامة، ولافتات الإشهار، والمطاعم وغيرها من المرافق التي تحقق ريوعاً لميزانية الجامعة، وتسهم في تنمية المجتمع وتخفيف الضغط على المرافق العامة للدولة. الاستفادة المشتركة من إمكانياتها العلمية والمالية التي تمتاز بها كل جامعة عن الأخرى، لتخفيف حجم التكاليف التعليمية، فهما تشاركان بعضهما في الاستفادة من المعامل والمدرسين والمكتبات الخاصة بهما وتدريب الخريجين والمدرسين. فرض رسوم دراسية على الطلبة ومضاعفة المبالغ على الطلبة الأجانب. اعتماد معيار الترتيب العلمي للجامعة في السلم الوطني والعالمي كأساس لحجم الميزانية الحكومية المخصصة للجامعة مقارنة ببقية الجامعات، وهو ما أحدث هيجانا تنافسيا حادا، وطوّر بشكل جد ملحوظ مخرجات الجامعة ودورها العلمي والاقتصادي والاجتماعي. . تشجيع الاختلاف مضمون المناهج التعليمية والتكوينية : وذلك من خلال منح إدارة الجامعات ومجالسها العلمية هامش استقلالية جد واسع لفتح التخصصات أو إلغائها بما تتناسب واحتياجات المحيط الاجتماعي والاقتصادي المحلي الذي تنشط فيه. والأكثر من ذلك منح الطلاب حرية اختيار المواد والتخصصات التي يرغبون في دراستها. وهذا ما أدى إلى إلغاء أكثر من 300 تخصص، إذ تشير بيانات وزارة التعليم الصينية أنه تم خفض عدد التخصصات العلمية من حدود 813 تخصصا إلى 504 تخصصات. عام 2015، اعترفت مؤسسة المسح الدولية للتعليم العاليQSأن برنامج الاستثمار في مجال التعليم العالي الذي طبقته الصين خلال العقود الماضية أتى ثماره، حيث صنفت 07 جامعات صينية ضمن قائمة أفضل 50 جامعة في العالم. وبدأت الكثير من دول العالم تحاول التقرب من التجربة الصينية والاستفادة منها في تطوير منظوماتها التعليمية والبحثية، خاصة على مستوى التسيير والإدارة، وتبقى البرامج ومقررات التدريس خصوصيات حضارية وتراثية لا يمكن استنساخها أو استيرادها. وفي الأخير، نعتقد بغالب الظن، أنه في ظل منظومة جامعية ريعية المورد والتوزيع، لا يمكن الحديث عن إنجازات كبرى في هذا القطاع الذي راهنت عليه الكثير من الدول، ونجحت في تطويره فنجح في تطويرها. د. بن حرزالله حوداشي  

    البعد الإقتصادي ضرورة أهملت في إصلاح منظومة التعليم العالي

    لابد من وعي مختلف

    بقلم د. عبد الله الطوالبة

    لا أظننا نبالغ اذا قلنا أننا اليوم كعرب نمر بمرحلة تكاد تكون الأخطر في تاريخنا. على الصعيد الداخلي، يئن واقعنا العربي بحمولة ثقيلة من الاستبدادين السياسي والديني. ويشقى باقتصادات متخلفة، هي الأعلى في العالم بنسب الفقر والبطالة. بلداننا مستباحة للتدخل الخارجي، وأجزاء من أراضينا ترزح تحت الاحتلال الأجنبي، في القرن الحادي والعشرين. أما التبعية السياسية والأمنية، فلم تعد معنية حتى بورقة توت تخفي بها عوراتها.

    استبشر الانسان العربي بما بات يُعرف بـ ”الربيع العربي”، في بدايات اندلاع أحداثه أواخر عام 2010، حيث فاجأ العرب أنفسهم والعالم، بعد أن كاد المراقبون والمعنيون ومراكز الدراسات والأبحاث تنعى ما اصطُلح على تسميته بالشارع العربي. فقد تصدت لقيادة الحراك الجماهيري في بداياته جموع الشباب، وصدحت الحناجر بشعارات الحرية والكرامة. ما حدث كان حراكاً جماهيريا واسعا وليس ثورات بالمعنى المتوافق عليه للثورات. فلم تكن هناك قيادات ذات رؤى سياسية وفكرية تحرك الملايين المنتفضة وتوجهها وتقرر الخطوات واحدة تلوَ أخرى، في ضوء المعطيات القائمة ونتائج الحراك الجماهيري. ولم يحدد المنتفضون بوضوح بدائل أنظمة حكم هرمت ولم تعُد قادرة على الاستمرار في ضوء تطورات العصر وأحداثه المتسارعة، وفي الطليعة منها التحولات الديمقراطية التي اجتاحت العالم بعد انهيار جدار برلين عام 1989 ، وثورة تكنولوجيا الإتصال والمعلومات. وحتى عندما حصل التغيير، فقد كانت نتيجته سقوط رؤوس الأنظمة الحاكمة في بلدان عربية عدة وبقاء الأنظمة . والأخطر من ذلك، أن المشهد سُرعان ما انقلب في الاتجاه السار لأعداء الحرية والكرامة في الواقع العربي، ولصالح الإستبداد والمستفيدين من استمراره في الداخل والخارج. لم يلبث مسرح الأحداث أن تلون بالدم والدموع والأنقاض. انفجر خزان الماضي في الحاضر دفعة واحدة، وعادت المجتمعات في دول ”الربيع العربي”، باستثناء تونس ومصر الى حد ما، الى عصبياتها الماقبل دولتية، ونعني القبلية والعشائرية والمذهبية والطائفية، وغدت الأوطان مستباحة للتدخل الخارجي، السياسي والعسكري والاستخباري . وللتذكير، فان نكوص المجتمعات العربية الى هذه الانتماءات انما يقدم الدليل الأفقع على فشل العرب في بناء دول مدنية حديثة. ولمن يسأل عن أهم شروط بناء الدول المدنية الحديثة، نرى أنها أساسا دولة المواطنين الأحرار في أوطانهم وليس الرعايا. ولعل أهم ما يميز المواطن عن الرعية، أن الأول يقرر مصيره بنفسه من خلال الاختيار الطوعي الواعي الحر لمن يحكمه عبر صناديق الاقتراع. ويراقبه عبر برلمانات تمثيلية منتخبة بمنتهى الشفافية، ومن خلال وسائل الاعلام. كما يحاسبه ويقيله مثلما انتخبه عبر صناديق الاقتراع أيضا اذا تطلبت المصلحة العامة ذلك. وعليه، تنهض الدولة المدنية الحديثة على الديمقراطية الحقيقية وليس التمثيلية الديكورية والانتخابات المزورة. الديمقراطية التي تضمن التداول السلمي للسلطة، وليس تجميل وجه الاستبداد القبيح وتبرير توريث السلطة. ولسوء طالع الربيع العربي، أن تسيّد الإسلام السياسي المشهد، باعتباره الأكثر تنظيما حينذاك والأكثر استثمارا في العاطفة الشعبية، خلال عقود من الزمن. ولقد تبين بالأدلة القاطعةـ كما تابعنا ومعنا العالم كله، ما حصل في مصر عامي 2012 و 2013 أن الاسلام السياسي، وبخاصة في نسخته الأخوانية، ليس لديه برنامج نهضوي يواكب تطورات العصر وتحولاته. والأخطر من ذلك، أنه غير مؤهل أصلا لامتلاك مثل هذا البرنامج، لأسباب عدة، أهمها على الاطلاق، عدم قيامه بمراجعة نقدية لمرجعياته المعرفية ومنظومته الفكرية تؤهله لتلبية طموحات الجماهير المنتفضة ومطالبها.

    لا رؤية عصرية للدولة بمنظور الاسلام السياسي، حتى بالنسبة لتياراته الموصوفة بالمعتدلة. ولا شيء يقدمه في هذا السياق سوى ”الخلافة”، التي أصدر التاريخ حكمه بشأنها وانقضى الأمر. ويتغاضى الاسلام السياسي، وربما يتعامى لغاياته، عن حقيقة أن الخلافة لم تُذكر في آية قرآنية أو في حديث نبوي، وأنها ليست من الدين أصلا. الخلافة اجتهاد بشر، أنتجته ظروف زمانه في سياقاتها التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما الديمقراطية، فما تزال في نظر الاسلام السياسي ”بدعة غربية”. وهي في أفضل تطبيقاتها بالنسبة لهؤلاء، وسيلة يتم استخدامها للوصول الى السلطة لمرة واحدة، ثم التشبث بها. ألم يقصِ ”الأخوان” في مصر بعد وصولهم الى كرسي الحكم حتى الاسلاميين خارج تنظيمهم عن المشاركة في السلطة، مثل حزب النور السلفي الذي صوت لصالحهم في الانتخابات. وعندما بدأ التذمر يتسع في مصر من ممارساتهم وتخبطهم وهم في السلطة، تشير بعض المصادر الى ردهم على ناصحيهم بالقول ”انهم مؤهلون لحكم مصر 500 عام” (الشرق الأوسط اللندنية 4/9/2013 مقال عبد المنعم سعيد بعنوان: الخطايا العشر في القصة الأميركية).

    تأسيسا على ما سبق، بمقدورنا القول أن لا خيار أمامنا اليوم سوى النهوض بالواقع العربي، والا فالمزيد من التخلف المقترن والتردي. وبطبيعي الأمر، فان التقدم والتخلف يتوقفان أولا وأخيرا على الانسان. التقدم لا يهبط من السماء ولا تصنعه المعجزات والخوارق، بل يصنعه الانسان بمعجزة العقل والارادة. ومثلما يحقق الانسان التقدم، فانه في المقابل، يكرس التخلف ويستكين له. والعامل الحاسم في الحالتين، هو الثقافة وأنماط التفكير. فالانسان، ابن مألوفه، بحسب ابن خلدون، بمعنى أنه نتاج ثقافة تحدد أنماط تفكيره وتقرر نظرته الى الذات والوجود، وبالتالي تحدد حركته في الجغرافيا وعلى مسرح التاريخ. ولعل من أهم دروس التاريخ في هذا السياق، أن الأمم والشعوب تنهض وتتقدم بتطور أنماط تفكيرها وثقافتها. فلا نهوض ولا تقدم ما لم يقترنا بمقدمات ثقافية وفكرية من نوع مختلف عن السائد الذي أوصل الواقع الى ما هو عليه من تخلف وعجز وجمود. هذا ما نتعلمه من تجربة ماليزيا منذ عام 1981، في الحاضر. وهو أيضا ما نستلهمه من الرجوع الى مرحلة النهضة الأوروبية وعصر الأنوار.

    ويظل الحديث عن التقدم بلا معنى من دون تحديد عناصره في المرحلة التاريخية المقصودة بالنظر والتحليل. بالنسبة لعصرنا الراهن، فان معايير التقدم ثلاثة،هي: الديمقراطية والعلم والعقل. على صعيد الديمقراطية، تكاد المنطقة العربية تكون الوحيدة، باستثناء تونس وموريتانيا، التي تحيط نفسها بأسيجة منيعة ضد ”عدوى” الديمقراطية. حتى افريقيا سبقت العرب في التداول السلمي للسلطة، واجراء انتخابات حرة ونزيهة. وفي سياق الديمقراطية أيضا، تجدر الاشارة الى أن المعيار الأهم بمعايير الحاضر لمعاينة واقع الدول، هو حالة حقوق الانسان. هنا نكتفي بايراد الحقيقة المرة، وهي أن أكثر المشردين داخل أوطانهم وخارجها ، في عالم اليوم، عرب، للنجاة بأرواحهم من ويلات الحروب الأهلية والتطرف والارهاب.

    وعلى صعيد العلم، فالعالم العربي يفتقر الى وجود قواعد علمية تكنولوجية رغم ما يتوفر عليه من موارد بشرية وامكانات مادية. ويتأكد لنا ذلك من مجموع ما ينفق العرب على البحث العلمي، بنسبة لا تتعدى 0،2% من الناتج القومي الاجمالي ، مقابل 4،7% تنفقه اسرائيل من ناتجها الاجمالي السنوي في هذا المجال. لا نلمس في العالم العربي دعما يُعتد به للعلم والعلماء ، ناهيك بخلق حواضن اجتماعية وثقافية مناسبة لازدهار العلم والمعرفة. واللافت أن مصطلح العلم ذاته، ما يزال ملتبساً في الذهن العربي. ففي مجتمعاتنا يطلقون لقب ”علماء” على بعض رجال الدين ممن يُعرفون بالفقهاء، مع العلم أن ما يقوم به هؤلاء يتركز في حفظ النصوص الدينية وتكرارها ولا يتعداه الى التفسير بما يناسب تحولات العصر وشرط التقدم. أما العلم بمفهومه الحديث فيقوم على الاكتشاف والابتكار الجديدين، أي اكتشاف ما لم يُكتشف بعد. والعالِم هو المكتشف والمبتكر.

    أما مقصود القول بثالث معايير التقدم بشروط العصر الراهن، أي العقل، فيتحقق عندما يصبح العقل مناط الحكم على الأشياء وليس النص الديني. هنا، وهنا بالذات، ثمة ما يستحق وقفة مع اشكالية نرى أن لها علاقة بكل ما يحدث في واقعنا العربي، ونعني اشكالية الاشتباك بين الديني والدنياوي. فنحن الوحيدون على سطح المعمورة الذين لم يعطوا بعد لله ما لله ولقيصر ما لقيصر. نحن الوحيدون تقريبا، في عالم اليوم، التائهون في دوامة الاشتباك بين الديني والدنياوي. والنتيجة تشير بكل وضوح إلى أننا نخسر الدنيا، بدليل الفارق المذهل في التقدم العلمي والتكنولوجي بيننا وبين الأمم المتقدمة. ولا دليل يخضع لمنطق العقل، بمقدوره أن يطمئننا على أننا كسبنا الآخرة مقابل خسارتنا الدنيا.

    في تناولنا لهذه الاشكالية، نرى من الأهمية بمكان، تثبيت حقيقة أن تصورالمجتمع للدين وعلاقته به، يرتسمان بناء على مستوى تقدمه الاقتصادي والاجتماعي ونمط علاقات الانتاج السائدة ومستوى التقدم العلمي والتكنولوجي. وعليه، فان المجتمعات ذات الدين الواحد، قد تتمايز في فهم الدين وتفسيره وتقرير دوره. ففي ماليزيا وتركيا، على سبيل المثال لا الحصر، يتعايش الاسلام مع العالمانية وينسجم مع الديمقراطية. أما في بلداننا العربية، فيتم توظيف الدين لوصم العالمانية بالكفر والإلحاد، والنظر الى الديمقراطية على أنها ”بدعة غربية”. وعلى هذا الأساس، بمقدورتا القول أن علاقة الانسان بالدين تنتظم في مسارين، يحددهما الواقع المجتمعي المعيش بمعايير التقدم والتخلف. فاما أن يكون الانسان من أجل الدين، أو الدين من أجل الإنسان. في الحالة الأولى، تؤخذ نصوص الدين بحرفيتها منتزعة من سياقاتها التاريخية، ويتم التعامل معها على أنها عابرة للتاريخ ومتعالية على الخبرة الانسانية. هنا، يُستلب الوعي في الحاضر لصالح الماضي، ويكف العقل عن المراجعة النقدية والتفكير بروح العصر واشتراطات الحاضر. وفي المحصلة، يسود فهم قروسطي متحجر للدين، وبذلك يتحول هذا الأخير الى عامل شدّ الى الوراء. عندما يسود هذا النمط من فهم الدين والتعامل معه على هذا الأساس، ينام العقل وتستيقظ الأصنام وتنتشر الأوهام والخزعبلات وتتفشى الخرافات. أما في الحالة الثانية، أي عندما يكون الدين من أجل الانسان، فمن طبائع الأمور أن يقرأ الانسان الدين بمنظار العقل ومعايير العلم والسياقات التاريخية لمراحل التطور الانساني. وبهذه القراءة، يضع الانسان الدين في مكانه الصحيح كشأن معتقدي خاص، مكانه القلب والوجدان على صعيد الانسان، ودور العبادة على مستوى المكان. هنا، يتوصل الانسان الى وضع الدين في مكانه الصحيح، المومأ اليه قبل قليل، وبذلك يكف الدين عن التدخل في الشأن السياسي وفي شؤون الاجتماع الانساني. فما من دين الا وتم توظيفه سياسيا، وعلى وجه الخصوص لخدمة الاستبداد، في مراحل تاريخية معينة لها سياقاتها بمعايير التقدم والتخلف التي ذكرنا. فالاستبداد على مر العصور وما يزال، يجد في “النصية”، أي التعامل مع نصوص الدين بمعزل عن سياقاتها التاريخية، معينا لا ينضب لتوظيف الدين لصالحه. النصية، بهذا المعنى، تعني الثبات واليقين. وبذلك تتقاطع مع الاستبداد في رفض التغيير ومقاومته. ومن سمات الدين المناسبة للاستبداد أيضاً، امكانية تفسير نصوصه في أكثر من اتجاه (القرآن حمّال أوجه)، بل وفي اتجاهين متناقضين في آن واحد.

    في اسقاط ما ذكرنا على واقعنا العربي اليوم، سنجد أن تخلف البنى الاقتصادية وهشاشة البنى المجتمعية، انما يشكلان معا العامل الرئيس لغياب الفواصل بين الديني والدنياوي في حاضرنا. في واقعنا العربي، تتداخل أنماط الانتاج، وهو ما يصنف ضمن أنماط الانتاج السابقة على الرأسمالية. فلم تعرف بلداننا في مسيرتها التاريخية ”انقلابا برجوازيا” حقيقيا، حيث ظلت الأشكال التقليدية ما قبل الرأسمالية مسيطرة في تنظيم الحياة الاقتصادية، وهو ما أدى اجتماعيا الى غلبة العوامل الشخصية على العوامل الشيئية والسلعية والنقدية والحقوقية، بالاضافة الى الدور الكبير للخلايا المحلية: المشاعة والبطن والعشيرة والقرية، وما يتصل بذلك من هيمنة الكلي على الفردي، وسيطرة النزعة الأبوية في معاملة الجماعات والأفراد( د. توفيق سلوم: نحو رؤية ماركسية للتراث العربي، دار الفكر الجديد، بيروت 1988، الطبعة الأولى، ص 23).

    ونضيف أيضا، أن عالمنا العربي ”لم يعرف مثيلا لحركات الاصلاح الديني الأوروبية، التي كان لها الباع الأطول في تذليل الفهم اللاهوتي المتحجر للدين ولعلاقته بالحياة، وفي تحطيم الأطر الدينية القروسطية التي تحد من فعالية الانسان، وتكبح قدراته الخلاقة، وفي اعادة تأويل الدين ومعتقداته تأويلا يتفق مع متطلبات العصر” ( نحو رؤية ماركسية للتراث العربي 24) وإذا ما أخذنا بنظر الإعتبار إرتفاع معدلات الفقر والبطالة، ونسب الأمية العالية (100 مليون عربي لا يقرأون ولا يكتبون) نكون قد تبينّا الروافد المغذية لاشكالية الاشتباك بين الديني والدنياوي في واقعنا العربي. أما بخصوص تجليات هذه الاشكالية، على ضوء ما يحدث في العديد من بلداننا اليوم، فاننا واجدوها أولا في تحويل الدين الى أيديولوجيا صراعية إنقسامية. فمن طبائع الأيديولوجيا، وبخاصة الدينية منها، أنها تستدعي المكبوتات التاريخية لتحريك النزعات الثأرية ومشاعر الكراهية. وتلك هي مقدمات التخندق المذهبي والطائفي، المفضية لا محالة في ظروف تناسبها، الى الاقتتال الداخلي وتشظي المجتمعات وانقسامها. ولنا بما جرى في العديد من دولنا بعد عام 2011 مثل سوريا واليمن وغيرها أمثلة بارزة.

    في واقع عربي ما يزال تائها في دوامة الاشتباك بين الديني والدنياوي، تتوفر أرضية مناسبة جدا لتوظيف الدين في لعبة السياسة والتواءاتها، من قبل النّظُم الحاكمة أو التنظيمات والتيارات الدينية، سواء بسواء، كل في الاتجاه الذي يناسبة ويخدم مصالحه. ولا أظننا بحاجة الى ايراد أدلة وبراهين، خاصة وأن تسييس الدين في واقعنا العربي لا يحتاج الى مزيد بيان أو إثبات. لكننا نكتفي في هذا السياق بالتذكير بأن التاريخ لم يذكر تجربة اختلط فيها الدين بالسياسة الا وكان الاستبداد ثالثهما، والخوف رابعا، وسفك الدم نتيجة لا محيد عنها. هذا ما حصل في أوروبا خلال مراحل حكم الكنيسة باسم الحق الالهي في القرون الوسطى، وما حصل ويحصل في العديد من بلداننا العربية اليوم في القرن الحادي والعشرين. فكل قاريء متفحص لحاضرنا، لا بد سيصل الى نتيجة مؤداها أن أوطاننا كلها تعاني من حروب أهلية، اما مشتعلة أو صامتة.

    على صعيد آخر في السياق ذاته، ننوه بأن من طبائع الأمور في مجتمعات تداخل الديني بالدنياوي أن يكون الفكر الديني الأعلى صوتاً، وأنماط التفكير المنطلقة منه الأكثر تداولا، بكل ما لذلك من ارتدادات سلبية على حركة العلم. والذي نراه أن البحث عن أسباب تخلف العرب علميا يجب أن يبدأ من هنا. وكذلك الأمر فيما يتعلق بحل لغز تفوق العلماء العرب في الدول المتقدمة، الذي يقابله تهميشهم وانطفاء جذوة الابداع لديهم في بلدانهم.

    العلم بحث وتجريب، واثبات ودليل. والدين، ثبات ويقين، واعتقاد لا يخضع لنظر الحس والتجريب. الشك وسيلة العلم للوصول الى الحقيقة، لذا فان السؤال رئته التي يتنفس منها. أما الدين، فسمع وطاعة وامتثال من دون سؤال أو نقاش. نحن لا نرى أن من مهام الدين مواجهة العلم، لكن الزج باليقيني الثابت في مواجهة النسبي المتحرك، لا بد سيضع الدين في مواجهة مع حركة الحياة ومستجداتها ومع العلم وفتوحاته.

    ما الحل؟! وما العمل؟!

    في التمهيد للاجابة، نستحضر الحقيقة الناصعة من دروس التاريخ، وهي أنه لا نهوض ولا تقدم من دون أنماط تفكير جديدة تنطلق من أرضية ثقافية تناسب تحولات العصر. لا يمكن الاجابة على أسئلة اليوم بأجوية الأمس ومناهجه وأساليبه. لن نتقدم بالذهنية القديمة التي أوصلتنا الى ما نحن عليه. فمن سنن الحياة وثوابتها أنها لا تتوقف عن الحركة ولا تأتي بالجديد والمستجد. ولا شك أن التعامل مع المتحرك والمستجد بمنطق الثابت لا بد سيضع الدين في مواجهة مع الحياة، بما لذلك من تداعيات مأساوية نرى تعبيراتها في التخلف والجمود وتزييف الوعي والانتحار الذاتي باقتتال الأشقاء الأعداء.

    لا خيار اذن، سوى النهوض بالواقع العربي وسلوك طريق التقدم. ولكن كيف؟! أعتقد أننا قلنا ما يكفي لاظهار النتيجة التي نتغيّا. التقدم بمعايير الحاضر، وبناء على ما تشقى به مجتمعاتنا وانساننا اليوم غير ممكن من دون أربعة روافد، كل منها يغذي الآخر ويسنده وهي: الديمقراطية، والعقل، والعلم، والعالمانية. الديمقراطية، تعني ضمن أهم معانيها، الانتخابات الحرة النزيهة المفضية الى تداول سلمي للسلطة. نقول ذلك وفي الخلفية عجز العقل العربي حتى يوم الناس هذا عن حل اشكالية السلطة السياسية، رغم حجم الدم المسفوح على مذبحها وما يزال منذ مئات السنين. فلم يعرف التاريخ العربي حتى اللحظة، سوى أسلوبين لانتقال السلطة باستثناءات قليلة، هما التورث أو الانقلاب.

    الديمقراطية تعني من أهم ما تعني أيضا، الحرية. في أجواء الحرية، ينطلق العقل في فضاءات العلم والابتكار والتفكير من دون قيود ومعيقات. في أجواء الحرية، يتحرر العقل من سلطة النقل. وبذلك يحقق العقل ذاته، ويصبح مناط الحكم على الأشياء وليس النص الديني. ولا تكتمل الحرية وشروط بناء الدول المدنية الحديثة، من دون تنظيم العلاقة بين الديني والدنياوي، من خلال وضع الدين في مكانه الصحيح، كشأن تعبدي خاص لا يتدخل في شؤون السياسة ولا في شؤون الاجتماع الانساني. وتُعتبر العالمانية أفضل ما توصل اليه الانسان لترجمة ذلك على أرض الواقع. وتعلمنا تجارب الأمم المتقدمة في عالم اليوم، أن العالمانية بتنظيمها للعلاقة بين المطلق الثابت والنسبي المتحرك، انما توفر ضمانة أكيدة لاستقرار المجتمعات وأمنها. فلا وصاية على العقول، ولا ادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة والتحكم بالناس باسم السماء، ولا قتل أو اقصاء أو تدمير بزعم تطبيق شرع الله. الدولة لكل مواطنيها، لا تنحاز لصالح أتباع أكثرية دينية أو مذهبية. لا ديانة للدولة العالمانية. فالدولة لا تصلي كدولة ولا تصوم، وبالتالي لا تذهب الى المسجد أو الكنيسة. هذا شأن الأفراد بناء على معتقداتهم التي تضمن العالمانية حرية ممارستها.

    مخاطر تشكيل قوة جوية خاصة بالحشد الشعبي

    لا تعنيني كثيرا تلك الضجة المفتعلة من قبل وسائل الاعلام والمواقع الالكترونية وخاصة العراقية، حول نية الحشد الشعبي بتشكيل قوة جوية تابعه له. فهذا الحشد او المليشيات المسلحة ليست بحاجة لمثل هذه القوة المستقلة، فهي قد انهت مهمتها في التحكم بما يسمى بالدولة العراقية وجميع مؤسساتها الكبيرة منها والصغيرة، ومن ضمنها مؤسسة الجيش العراقي بكل صنوفه بما فيها القوة الجوية. وقد تجسدت هذه الحقيقة بشكل جلي وواضح في تشكيل حكومة عادل عبد المهدي، حيث نالت هذه المليشيات غالبية المقاعد الوزارية، اما القلة الباقية من الوزرات، فقد تم اسنادها الى اعضاء مستقلين تم ترشيحهم من قبل متزعمي هذه المليشيات.، وبالتالي ضربت عرض الحائط جميع اكاذيب ووعود عبد المهدي وفي مقدمتها”تشكيل حكومة وطنية مستقلة وعابرة للطائفية وبعيدة عن المليشيات المسلحة”. 

    لكن الذي يعنيني هنا ان الاعلان عن هذا الامر من قبل المليشيات قد اكد من جهة، على ان قرار  الحكومة بدمج جميع المليشيات المسلحة بالجيش العراقي وموافقة قادتها على هذا القرار، ليس سوى وسيلة مضلله لامتصاص نقمة الناس جراء الافعال المشينة والجرائم الشنيعة التي ارتكبتها هذه المليشيات بحقهم، ومن جهة اخرى، وهنا بيت القصيد ومربط الفرس، فانه يعد بمثابة التمهيد لاعلان الاسم الجديد للحشد او للمليشيات، وهو “الحرس الثوري العراقي”، الذي سهرت ايران وملاليها على بنائه منذ سنين عديدة، على غرار الحرس الثوري الايراني. بل ان هذا الحرس العراقي المرتقب سيفوق نظيره في طهران كونه يسيطر سيطرة كاملة على ما يسمى بالدولة العراقية، على عكس الحرس الثوري الايراني الذي يتقاسم السلطة مع الحكومة، بل ويخضع لها عند الضرورة.

    هذا الجهد الايراني الحثيث لبناء حرس ثوري عراقي لم يات من فراغ، وانما يستند الى نظرية اسس لها اية الله الخميني قبل استلامه السلطة، فهو قد امن بان الاعتماد على المليشيات المسلحة ضد تهديدات محلية او خارجية، هو اكثر ضمانا من الاعتماد على الجيوش النظامية لوحدها، وان حماية مشروع الجمهورية الاسلامية العالمية المبتكر من قبله والذي يشمل العراق قبل غيره من الدول الاسلامية، لا يمكن تحقيقه والحفاظ عليه من قبل جيش نظامي ينتمي الى جيوش دول العالم الثالث، لان مثل هذا الجيش مهما كان متطورا لا يمكنه مقارعة جيوش الدولة العظمى، مثل جيش الولايات المتحدة الامريكية، ليس فقط في العدة والعتاد، وانما للفرق الهائل في التطور العلمي والتكنولوجي وانواع الطائرات والقنابل ذات الدمار الشامل.  فليس صدفة اذن اعتماد ملالي طهران على الحرس الثوري الايراني اكثر من اعتمادهم على الجيش النظامي الايراني، كما انه ليس صدفة الاهتمام بتقوية مليشياتها المسلحة في العراق وسوريا واليمن ولبنان على حساب الجيوش في هذه البلدان، بل ان ملالي طهران قد سعوا فعلا الى اضعاف هذه الجيوش لصالح المليشيات المسلحة. وقد نجد نموذجها الصارخ في العراق، حيث تسعى من خلال عملائها في السلطة الى اضعاف الجيش العراقي

    اذا حدث ذلك، فان هذا الحرس الجديد سيخضع لاوامر الولي الفقيه علي خامنئي، تماما كما يخضع الحرس الثوري الايراني وحزب الله في لبنان لان قادة الحرس المرتقب دون استثناء يؤمنون بولاية الفقيه واطاعة اوامره دون نقاش كون هذا الولي هو نائب الامام المهدي المنتظر المعصوم من الخطا، الامر الذي سيؤدي بالضرورة الى تعبيد الطريق امام الولي الفقيه الايراني لان يكون الحاكم الفعلي في العراق بشكل علني وواضح. 

    قد يعتقد البعض باستحالة حدوث ذلك في ظل قوة امريكا وجبروتها في العراق، اذ من غير المعقول السماح لايران بسرقة العراق منها وهي التي قدمت خسائر بشرية ومادية هائلة من اجل الاحتفاظ به، لكن هذا البعض لم يدرك بالقدر الكافي بان حدوث ذلك يمثل بالنسبة لامريكا “عز الطلب” ، كما يقول العراقيون، كونه ينسجم مع نظرية الفوضى الخلاقة التي تصب في خدمة مخطط تدمير العراق دولة ومجتمعا. ولا يغير من هذه الحقيقة وجود خلافات بين البلدين، فهذه لا وجود لها داخل العراق، بمعنى اخر، فاذا اختلفت امريكا وايران على كل شيء في العالم، فانهما يتفقان بالكامل على تدمير العراق، فتحقيق هذا الهدف الغادر ضد العراق وشعبه هو مطلب ايراني امريكي صهيوني . وبالتالي فان ايران مهما بلغ نفوذها في العراق من قوة لن تمس او تفكر في الاضرار، لا من بعيد ولا من قريب بالمصالح الامريكية، سواء في العراق او عموم المنطقة العربية، بل على العكس من ذلك، فامريكا تعتبر ايران القوية عامل مساعد لضمان هذه المصالح كونها تشكل البعبع الذي تخشاه دول المنطقة التي لاتجد طريقا امامها سوى طلب الحماية الامريكية مقابل تقديم كل ما لديها من امكانات مالية وثروات نفطية وارض لقيام قواعد عسكرية الخ. هذه هي الحقيقة واي تصور اخر حول قرار الرئيس الامريكي بشن حرب ضد ايران او اجبارها من خلال الحصار على انهاء نفوذها في العراق وحل المليشيات المسلحة ومن ضمنها الحشد الشعبي واجبار ملالي طهران على الانكفاء داخل حدودها، ليس سوى ضرب من الخيال، كون ذلك يتعاكس كليا مع مخطط تدمير العراق دولة ومجتمعا والذي لم يكتمل فصوله لحد الان.

    ولكن هذا ليس كل شيء. فتسليم الحكم في العراق بيد المليشيات المسلحة، او الحرس الثوري هو الضمانة الاكيدة بالنسبة للمحتل الامريكي ضد اي انتفاضة او ثورة شعبية تطيح به وبعملائه واتباعه. لان حدوث ثورة كهذه هي وحدها التي لا تستطيع مواجهتها اكبر قوة عسكرية نظامية في العالم، وقد اثبتت المليشيات مثل هذه القدرة في مناسبات عديدة، كان اخرها قمع الانتفاضة العملاقة التي قامت في مدينة البصرة وامتدت نيرانها الى المدن الاخرى، من خلال احتلال هذه المدينة الباسلة، وخطف  قادتها وتصفيتهم واعتقال الالوف من ابنائها، في حين عجزت حكومة حيدر العبادي عن اداء هذه المهمة المخزية. خاصة وان المحتل الامريكي على وجه الخصوص قد ادرك حجم الاستياء الشعبي ضد الحكومة وانه بلغ اشده واصبح من الصعب خنوع العراقيين لهذا الظلم والقمع وانعدام الخدمات بما فيها الضرورية مثل الماء والكهرباء والدواء. ناهيك عن القناعة التي تولدت لدى عموم العراقيين باستحالة اجراء اية اصلاحات من قبل هذه الحكومة او توفير ابسط الخدمات، وقد نجد نموذجا لهذا الاستياء الشديد في العزوف عن المشاركة في الانتخابات الاخيرة وعدم الاكتراث بنتائجها او الاهتمام بالكتلة الاكبر او اسم رئيس الحكومة او غيره، اما الاوصاف المزيفة التي تطلق على الحكومة الفائزة من قبيل حكومة وطنية مستقلة، لا امريكية ولا ايرانية، او حكومة عابره للطائفية، فهذه اصبحت موضع تندر وسخرية جراء الاصرار على توزيع المناصب على اساس المحاصصة الطائفية والعرقية حيث رئيس الوزراء شيعي ورئيس البرلمان سني ، ورئيس الجمهورية كردي. 

    لقد اثبتت هذه التوجهات الخطيرة، بما لا يدع مجال للشك، بان العملية السياسية كذبة كبرى، فهي قائمة على المحاصصةالطائفية والمليشيات المسلحة، وليس كما يسمونها شراكة وطنية، وان الانتخابات ليست سوى عملية تزوير ومدخل للفاسدين، وليست طريقا لبناء نظام ديمقراطي في العراق، وان البرلمان وسيلة لشرعنة الفساد والفاسدين، وليس برلمانا لتشريع القوانين التي تخدم البلاد والعباد، وان القضاء اداة لمنح البراءة للقتلة والمجرمين، وليس لمحاسبتهم وانزال العقوبة بحقهم، وان الدستور وضع من اجل حماية السلطات الحاكمة، وليس من اجل تنظيم عمل الدولة ومؤسساتها بما يخدم مصلحة العراق وشعبه، وان المرجعيات الدينية اداة لمباركة كل هذا الخراب والتدمير، وليست اداة لاصلاح المجتمع وتشجيعه على التمسك بالقيم والاخلاق ونبذ الرذيلة، بالمقابل، فان المعارضة داخل البرلمان، سواء كانت ممثلة بمقتدى الصدر وتياره، او تحالف سائرون او غيرهم من القادمين الجدد، خديعة وضيعة ونصب واحتيال. فقد اثبتت الوقائع بان مقتدى الصدر وسائرون واتباعهم هم لا يقلون حرصا من غيرهم على حماية العملية السياسية من السقوط بسبب ما جنوه من شهرة وسلطة ومال، وهذا يعني في نهاية المطاف ان صفحات مخطط تدمير العراق دولة ومجتمعا لم تطو بعد، وبالتالي لا طريق للخلاص من المحنة، قبل الخلاص من هذه العملية السياسية، ولا طريق لتحقيق ذلك سوى طريق الانتفاضات الشعبية واستخدام الامكانات المتاحة كافة، بما فيها حق الدفاع عن النفس بالوسائل المسلحة، واية مراهنة اخرى لتحقيق ذلك الهدف المشروع مراهنة فاشلة قطعا.

    عوني القلمجي

    8/9/2019

    Réduire

    ثلاثة اشهر حاسمة في مستقبل الجهاز القضائي لمنظمة التجارة العالمية

    ماجد مكي الجميل 7 أيلول/سبتمبر 2019 

    في 11 كانون الأول (ديسمبر) المُقبل ينتهي أمد ولاية إثنين من قضاة هيئة تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية ليبقَ قاضٍ واحدٌ فقط. لكن توقيعه لن يكون كافياً لإصدار أحكام المنظمة، بمعنى: لن تكون هناك، من الناحية القانونية، هيئة قائمة للفصل في المنازعات بين أعضاء المنظمة.

    وسيصل عضوان في هيئة الاستئناف هما، أوجال سنج بهاتيا، وتوماس جراهام إلى نهاية أمد خدمتهما في 10 كانون الأول (ديسمبر) 2019، ليتركا منظمة التجارة بعضو واحد فعَّال في هيئة الاستئناف هو هونج زهاو.

    ويُراقب اللاعبون التجاريون الوضع عن قُرب لأن إعاقة الولايات المتحدة، منذ عدة أشهر، تعيين هيئة جديدة للاستئناف سيشل حتماً نظام تسوية المنازعات التجارية في غضون ثلاثة أشهر من الآن. هذا الوضع دفع سفير الاتحاد الأوروبي لدى المنظمة، مارك فانهاوكلين، إلى التحذير في وقتٍ مبكر من أن المنظمة “في أزمة”، مضيفا أن “هناك حاجة عاجلة إلى تثبيت نظام تسوية المنازعات على وضعه الحالي قبل الحديث عن إصلاحه”. وأضاف  ”إذا لم تضع الولايات المتحدة في نهاية العام حداً لعرقلة نظام التحكيم في المنظمة، فسيفقد هذا الكيان التجاري الضخم أهميته”. 

    في الأصل، فإن عدد قضاة منظمة التجارة سبعة وليسوا ثلاثة، لكن الولايات المتحدة مازالت منذ 18 شهراً تُعيق تعيين قضاة جدد ليحلوا محل الذين تنتهي فترة ولايتهم. كما رفضت تمديد ولاية قضاة لفترة ثانية وهو ما يسمح به القانون. حتى الآن، أدت الإعاقة الأمريكية المتعلقة بتعيينات هيئة الاستئناف إلى تقلص عدد أعضاء الهيئة السبعة إلى ثلاثة أعضاء فقط، وهو الحد الأدنى المطلوب للفصل في النزاعات التجارية والاستئناف في منظمة التجارة.

    حسب أحكام منظمة التجارة، يتم تعيين أعضاء هيئة تسوية المنازعات لمدة أربع سنوات، مع إمكانية تجديد ولايتهم لدورة ثانية من أربع سنوات، إذا تحقق إجماع على ذلك بين الأعضاء الـ 164. لكن إذا استمرت الولايات المتحدة صامدة في موقفها إلى ما بعد 10 كانون الأول (ديسمبر) 2019، فستُشَل هيئة تسوية المنازعات، لأنه لن يعد لديها ما يكفي من القضاة اللازمين للتوقيع على أحكامها”.

    لإنقاذ الموقف باستعادة الأداء السليم لهيئة الاستئناف الخاصة بالمنظمة، قدم الإتحاد الأوربي في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي ورقة تدعو إلى تمديد فترة عمل أعضاء هيئة الاستئناف من أربع إلى ست أو حتى إلى ثماني سنوات، على أن يتم تطبيق المبدأ إعتباراً من الأعضاء الحاليين لهيئة تسوية المنازعات بهدف تجنب المأزق الحتمي المقبل في 11 كانون الأول (ديسمبر) المقبل. لكن الولايات المتحدة رفضت المقترح، واصفةً الخطة الأوروبية بأنها “غير كافية”، وواصلت طريق إعاقة تعيين قضاة جدد أو منح ولاية ثانية للقضاة قبل إنتهاء ولايتهم الأولى.

    الخطة الأمريكية واضحة: شَلّ النظام القضائي في منظمة التجارة، ولا تخفي واشنطن ذلك، إذ تتهم إدارة الرئيس دونالد ترمب هيئة تسوية المنازعات بتجاوز سلطاتها بإصدار أحكام تقول إنها تنتهك السيادة الوطنية. تقول واشنطن أيضاً إن أعضاء الهيئة الحاليين قد تجاوزوا ولايتهم من خلال إتخاذ ”مواقف ناشطة تبتعد أحياناً عن الموضوعية” وكذلك الوصول إلى “نتائج غير ضرورية في التحكيم” وإصدار ”آراء إستشارية”.

    وتتهم واشنطن هيئة الاستئناف بتجاهل القواعد التي وضعها أعضاء المنظمة ويشمل ذلك الموعد النهائي الإلزامي لإصدار الأحكام، وإصدار فتاوى غير ضرورية لحل النزاع، وتعامل الهيئة مع أحكامها الأولية التي أصدرتها باعتبارها ”سابقة قانونية”، وتبنيها “أحكاما متناقضة” في قضايا ذات طبيعة واحدة بعد لجوئها إلى مبدأ السابقة القانونية.

    وفي هذا الإطار، قال دينيس شيا، نائب الممثل التجاري الأمريكي في جنيف، خلال نقاشات متوترة في هيئة تسوية المنازعات: “إن أعضاء الهيئة الحاليين تجاوزوا ولايتهم من خلال إتخاذ مواقف ناشطة تبتعد أحياناً عن الموضوعية، وكذلك الوصول إلى نتائج غير ضرورية في التحكيم وإصدار آراء استشارية”. وأضاف: “وجهة نظرنا أن التمديد يعني مُساءلة أقل.. لا يُمكننا أن ندعم مقترحا يجعل من هيئة الاستئناف أقل مساءلة”. وتقول الولايات المتحدة، “إن أعضاء الهيئة الحاليين تجاوزوا ولايتهم من خلال إتخاذ مواقف ناشطة تبتعد أحياناً عن الموضوعية، وكذلك الوصول إلى نتائج غير ضرورية في التحكيم وإصدار آراء استشارية”.

    وردت دول على الولايات المتحدة بوجود فرق بين الأحكام التي تحدد أحكاما سابقة على أنها “مُلزمة”، والأحكام التي تستخدم أحكاما سابقة “كتوجيه واسترشاد” لهيئة الاستئناف وفرق التحكيم بمجرد الإشارة إليها.

    وأكد أعضاء آخرون أنه كثيرا ما تلجأ دول المنظمة، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، إلى الأحكام السابقة عند تقديم حججها أمام فريق تحكيمي أو هيئة الإستئناف.

    ويوضح بعض الأعضاء أن المادة الثالثة من نظام هيئة تسوية المنازعات تؤكد على وجه التحديد دور نظام تسوية المنازعات في توفير الأمن وإمكانية التنبؤ بتطورات النظام التجاري متعدد الأطراف وأن الإشارة إلى الأحكام السابقة، حسب الاقتضاء، تساعد على اضطلاع الهيئة بذلك الدور.

    واعتبر عددٌ من الأعضاء الآخرين، مثل الصين، المخاوف الأمريكية بشأن عمل هيئة تسوية المنازعات، بأنها لا يمكن أن تكون سببا أو مبررا لاستمرار إعاقة تعيين قضاة جدد في الجهاز القضائي للمنظمة.

    جاء جواب الإتحاد الأوروبي بتقديمه مقترحاً ثانياً تحت عنوان “ورقة نقاش” يقضي بزيادة عدد أعضاء هيئة الاستئناف من سبعة إلى تسعة، ومنح مزيد من الموارد المادية والبشرية لأمانة هيئة الاستئناف، كردٍ على مخاوف الولايات المتحدة من أن الهيئة قد تجاوزت ولايتها. وأشار الإتحاد الأوربي إلى أن منظمة التجارة تمضي الآن في عملية تؤدي إلى شلل سمة فريدة من نوعها لهذه المنظمة، هي تسوية المنازعات. وقال نحن بحاجة إلى أن نجد طريقاً للعودة إلى سبعة أعضاء في هيئة تسوية المنازعات.

    وهيئة الإستئناف، التي يُشار إليها في كثير من الأحيان تحت مسمى “المحكمة العليا للتجارة العالمية”، لها القول الفصل في إصدار الأحكام، وتعديلها، أو حتى قلبها في النزاعات التجارية التي غالباً ما تؤثر في بعض أكبر الشركات في العالم، وتتضمن أحكامها مليارات الدولارات.

    وتابع سفير الاتحاد الأوروبي لدى منظمة التجارة، أن “الهيئة يجب أن تكون مُزوَّدة بالموارد التي تحتاج إليها لإنجاز مهمتها، لأنه ليس بمقدروكَ أن تطلب من أشخاص أن يعدّوا حكماً من 400 صفحة في أربع ثوانٍ. هذا ليس كلاما جدياً”. وأضاف “في الوقت الراهن، هيئة تسوية المنازعات تعمل بثلاثة قضاة لمعالجة 11 استئنافاً، والمزيد آت.. يستحيل على هؤلاء القضاة التعامل مع مثل هذه القضايا خلال 90 يوما”. 

    الأمر ميئوس منه تماماً، والتشاؤم بلغ، روبرتو أزيفيدو، المدير العام للمنظمة حين حذر الدول الأعضاء من خطر إنهاء نظام تسوية المنازعات التجارية الذي حظرته الولايات المتحدة منذ شهورن قائلاً إنه لم يعد يفصلنا عن كانون الأول (ديسمبر) سوى ثلاثة أشهر فقط. وأشار إلى أن أعضاء المنظمة “يعملون جاهدين من أجل إيجاد حل لكسر الجمود في الوقت المناسب لتجنب الشلل.. لكنهم بدأوا يدركون أن عليهم أيضا أن يعملوا على رؤية لا يمكن فيها إيجاد حل لكسر الجمود”. وقال: “إذا لم يكن لدينا نظام لتسوية المنازعات يعمل بشكل صحيح، فالعمل الذي نقوم به سيتعرض للخطر”.

    وقال سفير الإتحاد الأوربي لدى المظمة:  إذا لم يتم تعيين قضاة جُدد بحلول كانون الأول (ديسمبر) المقبل، فسنضع إجراءات التقاضي في شلل وعدم الأهلية. بدون الجهاز القضائي، سيتم الطعن في سير عمل منظمة التجارة العالمية بأكمله. وأضاف: ”لا آمل ولا أؤمن أن 2019 ستكون سنة قاتلة لمنظمة التجارة في حالة تعطُّل نظامها القضائي، لكنها ستكون بالتأكيد سنة حاسمة. قد تكون سنة تتشوه فيها سمعة المنظمة وتفقد بعض مصداقيتها”.

    ArabicEnglishSpanish