More
    Blog Page 2

    رسائل المعهد العالمي للتجديد العربي للأمل

    رسائل المعهد العالمي للتجديد العربي للأمل
    نخبة من المعهد العالمي ترسل رسالة امل – كورونا وباء زائل

    الدكتورة أماني الطويل

    الدكتورة أماني الطويل
    الدكتورة أماني الطويل

    د. علي حرجان.. الجلسة الثانية

    د. علي حرجان
    د. علي حرجان

    سقوط الفكرة

    د. علي عبد الرحيم علي

    السخط الشعبي المشتعل في السودان الآن لا يتوجه حصراً الى البشير ولا الى المؤتمر الوطني بل الى ’الكيزان‘، والمحكمة الأخلاقية التي تُنصَب في ساحة التاريخ السوداني هذه الأيام لا يقف موقف المتهم فيها البشير أو الحركة الإسلامية فقط، بل الاسلام السياسي. والسقوط الداوي الذي سيحصل عند نهاية الإنقاذ لن يكون سقوط البشير وحده، بل سقوط الفكرة. هل يدرك الإسلاميون فداحة ما يجري الان؟

    مشروع التغيير:

    الفكرة التي يقول الإسلاميون إنهم قاموا من أجلها هي “تحقيق النهضة الشاملة للأمة على منهج الاسلام وذلك بنشر الدعوة وإرجاع الحاكمية في المجتمع والدولة الى الله”. لتحقيق هذه الفكرة قامت الحركة الإسلامية في السودان بانقلاب الإنقاذ الذي حكم السودان ثلاثة عقود ولم يزل، وحصاد هذا المشروع البائس غني عن الإبانة. والإخفاق لا ينحصر على الحكم وإدارة شأن الدولة، بل إن التغيير المجتمعي الذي نشدته الحركة الإسلامية واغتصبت من أجله الحكم بوأد الديموقراطية التي كانت لتوها تتعافى من سنوات قهر النميري، لم يتحقق لها.

    والإسلاميون حين يعجزون عن إنكار فشل الإنقاذ في حكم السودان يلوذون بتجربة الإنقاذ في تغيير المجتمع السوداني شفيعة لسنوات حكمهم الطويلة، ويسوقون لأجل ذلك أمثلة واهية كزيادة عدد المصلين في المساجد خصوصا في رمضان، أو الزيادة في حجاب المرأة.

    والاستدلال هنا خاطئ ابتداءً كون الصحوة الدينية المتجلية في زيادة التمسك ببعض المظاهر الدينية هي ظاهرة عالمية للمسلمين وليست حصراً على السودان فتدعي فضلاً فيها الإنقاذ. ولكن الأنكى هو بؤس المعيار الذي تقاس عليه هداية المجتمع. فعوضاً عن قيم حب العمل واحترام الوقت ونبذ العنصرية والقبلية ومحبة الإنفاق والعدالة في المعاش والأمانة في المال العام وطهارة اليد ورفعة العِلم والتقارب بين الفرق والتسامح بين المذاهب، وكل ذلك مما أخرجت الإنقاذ ضده في المجتمع السوداني، يفخر الإسلاميون بزيادة المصلين في المساجد ولبس الحجاب! المحزن أن هذا يحصل في جماعة تحمل على عاتقها مهمة التجديد في الدين فكرا وفقها!

    المفارقة المزعجة في تجربة حكم الاسلاميين في السودان أن شناعة حاصل حكمهم صرفت الأنظار عن الاشكالات الجذرية في الفكرة المؤسِسة. ما هو نموذج المجتمع المسلم الذي يسعى الإسلاميون الى تحقيقه في هذا الزمن؟ ما هو تصورهم للمجتمع المسلم المثالي في عصر الدولة المدنية ما بعد الصناعة والعولمة وغزو الفضاء وهندسة الجينات واقتصاد التطبيقات والعملات الرقمية؟ ما هي الشريعة الإسلامية، والتي طالما نادى بها الإسلاميون، التي ستضبط العلاقات داخل هذا المجتمع؟ لم يزل الإسلاميون يلتفتون الى دولة المدينة بحثا عن نموذج سياسي، ولم تزل مذاهب الفقه الخمسة هي مرجع التشريع حتى الآن، ومنع الربا هو الركن الأساس لأي نظرية للاقتصاد الاسلامي، فأين هي مساهمات الاسلاميين في تطوير هذه المنظومات الفكرية لإحداث نهضة شاملة للإنسانية في القرن الحادي والعشرين؟ وفيم السعي الى الحكم ان لم يملكوا نموذجا لمجتمع بديل، الا إن كان الحكم في ذاته غاية!

    أزمة النموذج عميقة في الاسلام السياسي. فالإسلاميون في إيران أبدلوا شعب إيران قهراً بآخر، والأتراك يسيرون على طريق القهر بينما غاية طموحهم أن يضمنوا مجتمعا فيه من الحريات للمسلمين ما هو موجود في دول أوروبا، والتونسيون يصارعون ليضمنوا أن لا ترتد تونس الى القهر، وفي سبيل ذلك لا يزالون يتنازلون حتى لا يدري المرء ما يميزهم عن خصومهم، والإشكال قد يبدو هنا في كثرة التنازل لأجل استمرار الديموقراطية وهذه تضحية نبيلة عزّت عند أقرانهم، ولكن هناك إشكال أعمق. فالإسلاميون في تونس، فيما يبدو، حين قدّموا الحرية على ما سواها في الشأن السياسي، انتبهوا الى أن الصورة التقليدية للمجتمع المسلم لم تعد ممكنة وأنهم بحاجة الى صياغة تصور جديد للمجتمع المسلم في الإطار الحديث بكل تعقيداته.

    والى أن يكتمل هذا التصور فهم مفتقرون الى محددات تمنعهم التنازل عن صفات المجتمع التقليدي. والحق أن الحالة التونسية هي أصدق تعبير عن ما ينبغي أن يكون عليه الاسلام السياسي الآن: حيرة صادقة فيما ينبغي أن يكون عليه المجتمع المسلم المعاصر في إطار القيم الانسانية العليا التي ينادي بها الاسلام، ثم الاشتغال مع فلاسفة الانسانية بوضع تصور لمجتمع فاضل يقوم، في حالة الاسلاميين، على هدي رباني. أما اذا أرادوا الحكم، وهو حق مكفول، فعليهم بتنحية الشعارات الدينية جانبا والاشتغال بالدولة الوظيفية التي همها أن تكفل للناس العيش الكريم، هذا ريثما يتكون عندهم تصور مناسب للمدينة الفاضلة.

    التغيير الذي حصل:

    عجز الإسلاميون في السودان عن المساهمة في العمل الفكري الرصين لتصور المجتمع الإنساني المثالي أو الدولة الرسالية، فسعيهم الى الحكم بلا مشروع كان خطأً، واستيلاؤهم على الحكم غصباً كان خطيئة فادحة، أما ما حصل في فترة حكم الإنقاذ فهو جريمة لن ينساها التاريخ. ولكن ربما كان العشم أن يغفرها السودانيون لهم، فقد تجاوزوا عن طغاتهم من قبل. غير أن طغيان الفرد ليس كطغيان الجماعة، فهذا الأخير يحمل مشروعا للتغيير الاجتماعي بشعارات دينية، لذلك فإن نكباته اذا عظمت وطال زمانها تسرب السخط على الحكم والمشروع الى الثقافة الشعبية وعندها يعسُر النسيان. فتجلي الإحساس الشعبي في نكات الناس وقصصهم وأغانيهم وأمثالهم ونوادرهم هو كنقشه في احفوريات تحفظ ذاكرة الأمة، وهذا ما تتبدى معالمه تجاه الاسلاميين في رمزية “الكوز”.

    لعلها عدالة إلهية، فقد نجح الإسلاميون في وقت ما في أن يوصلوا بعض مناقمهم على خصومهم الشيوعيين الى الثقافة الشعبية فأصبح الناس لا يعرفون من الشيوعية الا الالحاد ولا عن ماركس الا قولة “الدين أفيون الشعوب” وصارت الشيوعية الى حد ما مرتبطة في اذهان الناس بالسلوك المنحل وقلة التدين والتمرد على الأعراف. تحولت الشيوعية الى سُبّة، وربما ساعد على ذلك طبيعة المجتمع السوداني المحافظة وتدينه الشعبي الفطري الذي لم يقبل ما بدا أنه محاولة غير مفهومة لإعادة موضعة الدين في حياة الناس. ذات التدين الفطري هذا شكل رصيدا استثمرت فيه الحركة الإسلامية بالتركيز عليه في شعاراتها السياسية فعاد عليها بالنفع السياسي في مسيرتها الباكرة. غير أن مصارعة الاسلاميين للشيوعيين لم تكن دائما نزيهة. فإضافة الى تلك الشيطنة المتعمدة لأشخاص الشيوعيين وافكارهم بما لا يناسب الحقيقة، فإن منازلتهم في السياسة كانت تتجاوز قواعد العمل السياسي وأبرز الأمثلة على ذلك اخراجهم من البرلمان بدواعي تلفيقية كان فيها ظلم بين.

    دار الزمان وارتدت الكرّة الآن على الاسلاميين وكما تدين تدان! ف”الكوز” الآن صارت نبزاً فيه إشارة الى النفاق أو فساد الذمة أو الخسة في الأخلاق خاصة اذا كانت تحت غطاء ديني. وكما كان الحال مع الشيوعيين، فإن هذا التعميم مختل وفيه حيف على كثير من الاسلاميين ولكن التمييز مهمة القاضي، بينما الثقافة الشعبية لا تكترث! صارت الطرائف تنسج عن فساد الاسلاميين أو نزواتهم المستخفية وراء اللحى وغرّات الصلاة أو حيلتهم الواسعة في الخداع والتآمر والتكايد. صارت الأغاني والأشعار تنشد في هجائهم، والقصص حول أفعالهم وأقوالهم تحكى لتسلية المجالس. خلاصة الأمر، تحولت كلمة كوز بدورها الى سُبّة. وهذا لم يحصل في أيام الحراك الحالي بل سبقه ولكن الثورة زادت الأمر اشتعالا، فدخلت مسَبَّتهم في اهازيج الثورة المفضلة حتى باتت تنشد في حفلات الأعراس واراجيز الأطفال. الحركة الإسلامية سعت الى تغيير المجتمع السوداني ليس فقط على مستوى السلطة والدولة، بل حتى على مستوى الثقافة المجتمعية بالنزول اليها من علٍ، الوزع بالسلطان.

    وبعد مخاض استمر ثلاثين عاما ولم يزل تحقق التغيير في غير مشتهى الاسلاميين. بات الإسلاميون هم موضوع التغيير في الثقافة الاجتماعية عِوَض أن يكونوا واضعيه. اكتسب السودانيون ثقافة جديدة بالفعل، وهي النفور عن من يحمل شعارات الدين في أمر السياسة وشيطنتهم. هذا الأمر كان في ما مضى حصرا على الخصوم السياسيين للاسلاميين ، ودخل الآن في ثقافة المجتمع. والمفارقة هنا هي أن أقوى أساس للعلمانية في ثقافة السودانيين وضعه الإسلاميون!

    سقوط الفكرة:

    نظام الإنقاذ يسقط الآن وتمام سقوطه قد يتعجل أو يتأجل، ولكنه في سقوطه هذا يجرّ معه عقيدة الاسلام السياسي نحو القاع. اليأس من إصلاح نظام الإنقاذ معلوم وعليه وجب زواله، ولكن الحركة الإسلامية – بمعناها الشامل – يمكن انتشالها من هذا السقوط. صحيح أن قدر المراجعة والإصلاح المطلوبين يتجاوز كل إرث الحركة الإسلامية ويغوص عميقا في أصول الفكر الديني، ولكن هذا نفسه هو ما يشفع للإسلاميين حيث يمكن أن تتوجه أشواقهم لخدمة الاسلام نحو هذا الإصلاح وما أعظمها من مهمة! أما الحكم، فحسبهم، إن جاد الزمن عليهم بسانحة أخرى، أن يهتموا بمعاش الناس حتى يستبينوا الرشد في شأن مجتمع جديد.

    لم يكن الإسلاميون ليستحقوا هذا السقوط الرمزي ل”الكيزان” مع سقوط الإنقاذ لو أنهم غسلوا أيديهم عنها. فالحق الذي سيغيب مع حالة الغضب الثوري هو أنهم سودانيون قبل أن يكونوا “كيزان” وفي هذا هم خليط من الصالحين والفاسدين. والشأن في جماعات الاصلاح والمتصدين للعمل العام هو أن فيهم روح التضحية والبذل مشفوعة في أحيان كثيرة بنجابة وخلق رفيع، يستوي في هذا اليساريون العلمانيون مع اليمينيين الاسلاميين، ولكننا، ولسوء التنزيل لأشواق الاصلاحيين، اعتدنا أن نرى في من يتصدى للعمل العام النفعيين فقط بينما الأصل فيهم الصدق. عسى أن يأتي اليوم الذي ينصلح فيه المناخ السياسي فتغدو حرارة التنافس بين هذه التيارات طاقة للبناء لا الهدم.

    غير أن الأمر المؤسف والغريب هو أن في موقف كثير من الاسلاميين الذين لا يوصفون بالنفعية ويُظَنّ فيهم الصلاح من ثورة الشباب في السودان سلبية محيّرة. صحيح أن كثيرين من شباب الاسلاميين في مقدمة هذه الثورة وقد قدموا شهداء ومصابين ومعتقلين مع بقية شباب السودان، ولكن هؤلاء خرجوا بذواتهم لا بتنظيماتهم. لقد ذكرت في مقال سابق (الخلية النائمة، الإسلاميون ومعضلة بروتوس، الشرق القطرية، فبراير ٢٠١٨) إن الاسلاميين في السودان وبسبب انتشارهم في مفاصل الدولة السودانية كلها اشبه ما يكونوا بالخلية النائمة، ولو أنهم سمعوا هيعة للتغيير وقاموا لها فبإمكانهم أن يضيفوا نقلة نوعية للثورة ترجح كفتها ليسقط النظام. ولكنهم في حالة من التوجس غير المبرر بينما الشباب يهيؤون الساحة للتغيير بدمائهم.

    ثورة الشباب في السودان لا زالت مخذولة من عناصر مهمة. فالسياسيون لم يلقوا بكل ثقلهم وراءها ولا أدري ما يمسكهم وشبابنا في هذه المحرقة! والجيش معياره في هذا الأمر كمّي وليس قيمي، ينتظر كتلة حرجة من الموت والخراب قبل أن يتدخل. بل إن كثيرا من جمهور السودانيين رغم رغبتهم في التغيير ارتضى لنفسه السلامة وبقي ينتظر نتيجة المعركة. وشباب السودان وسط كل هذا الخذلان يقف في بسالة حقيقية في وجه النار والجبروت يحمل وحده عبء التغيير. ولكن الخذلان الأعظم هو خذلان الاسلاميين للثورة، فهم من اتى بهذا النظام وهم الأولى بالتضحية لإزالته. وفوق ذلك، فهم بيدهم مفاتيح التغيير لو عزموا أمرهم ونهضوا له.

    البشير الآن يغوص في بركة الرمل الناعم، كل ما حاول الخروج بإجراء أو تصريح، زاد غرقا. والإسلاميون هم آخر قرابينه التي سيقدمها فداء نفسه من الحساب وحتى المسؤولية الأخلاقية. ليس سراً أنه ظل يلمِزهم في المجالس باعتبارهم مسؤولين عن فساد الحال وأن يداه مغلولتان بحلفه معهم، كلما أراد اصلاحاً حالوا دونه، يفضح طويّته في ذلك قوله “اخوانكم” عِوَض “اخواننا” في احيان النقد والمراجعة، فهو عندها عسكري وليس إسلاميا! هذا الحلف الآن يقف على مِنسأة سليمان، ولعل تأثيراً خارجياً في الساعة الأخيرة قبل إجراءاته الأخيرة أمسك هذا الحلف أن يَخرّ، ولكن هذا لا يعدو أن يكون مداً لأجل محتوم، وذهول الاسلاميين عن هذه الحقيقة يدعو الى الدهشة والرثاء معا.

    يبدو أن الأيام القادمة ستشهد مواجهة أخيرة بين البشير والشعب السوداني، وللأسف فإن الكثيرين من الاسلاميين متلجلجين في اختيار فريقهم في هذا الاصطفاف بينما كان الأولى بهم أن يبتدؤوا هذا التغيير ويحتملوا لهيبه عوضاً عن هؤلاء الشباب. فاتت على الاسلاميين فرصة المبادرة لقيادة التغيير، وفرصة اللحاق والنصرة توشك أن تفوت كذلك بينما التاريخ يُكتب هذه الأيام بمداد لا يزول. اذا اصطفّ الإسلاميون مع الثورة ونجحوا في تغيير الإنقاذ وأعادوا السودان الى أهله، فعسى أن يكون في ذلك بعض كفارة لسهمهم فيها. أما اذا اختاروا الانخذال والقهقرى بداعي خوف الإقصاء أو غياب البديل أو يسارية الثورة أو غير ذلك من مبررات بائسة وتركوا آلة القهر تسحق ابناء السودان حتى تموت الثورة، فقد استحقوا عندها السقوط التام، حكما وفكرة.

    ArabicEnglishSpanish