من أجل أمن إعلامي قومي … بقلم : سميرة رجب

309

من أجل أمن إعلامي قومي … بقلم : سميرة رجب

تعتبر المعلومة احد الابعاد الاستراتيجية لأي نظام كان، والمقصود هنا بالنظام ليست الدولة فقط، بل النظام الذي يعتمد على مجموعة من المفاهيم مثل النظام السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، أو النظام الذي يمثل كتلة متناسقة أو شبه متناسقة من الأفراد والمجموعات مثل نظام المجتمع أو المؤسسة أو الشركة أو المنظمة أو الجمعية الى غير ذلك. وفي هذا السياق يعتبر النظام، نظرياً، الجسم المتناسق الذي يتأثر عمله وتوازنه سلباً أو إيجاباً بتفاعل العوامل الداخلية والخارجية المكونة له، والذي تلعب فيه المعلومة الجزء الرئيسي. بمعنى أن أي إخلال في سير المعلومة، وبأية طريقة كانت، يؤثر سلباً أو إيجاباً في عمل النظام. وعلى هذا الأساس، وقع اعتبار أمن أي نظام كان في ارتباطه الوثيق بطريقة عمل المعلومة داخل هذا النظام. ولعلّ أبرز النظريات التي مهدّت لهذه الفلسفة، هي نظريات الاتصال، التي اعتبرت منذ منتصف القرن الماضي أن أي خلل في عمل نظام الاتصال، مردّه خلل في قيمة المعلومة المرسلة للنظام. وانطلاقا من هذا أصبح للإعلام والاتصال المنزلة الأقوى في المجتمعات. هذه المنزلة أصبحت غير مسبوقة مع بداية القرن الحادي والعشرين الذي شهد التحول الفعلي من الدور الأحادي لوسائل الإعلام التقليدية (الصحف، الإذاعات والتلفزيونات) إلى الدور التفاعلي لوسائل الاتصال الإلكترونية (اندماج وسائل الإعلام التقليدية وانصهارها في المشهد الإعلامي الإلكتروني الجديد، شبكات التواصل الاجتماعي ودعمها لفلسفة التشارك وإعادة تقاسم سلطة الإعلام). فلا يمكن في الوقت الراهن لأي بلد مهما كان حجمه العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، أن يغفل عن الدور المحوري الذي تلعبه وسائل الإعلام والاتصال داخل المجتمع أو في تفاعله مع المجتمعات والدول الأخرى. ويبدو أن المشهد الإعلامي العالمي، ومن ورائه المشهد الاقتصادي والتكنولوجي العالمي، قد تطوّر من حالة “الضبطـ” النسبي، التي كانت تسيطر فيها وسائل إعلام ووسائل إنتاج تعمل ضمن أطر قانونية، ومعايير مهنية واضحة، أو أقل ما يقال عنها شبه منظمّة، إلى حالة جديدة تتماشى مع ملامح عالم جديد وإعلام جديد، أقل ما يقال عنه أنه يتّسم بـ”الفوضى”… هذا العالم الجديد يبشّر بفلسفة “اللاحدود”، من خلال فضائيات، وإنتاج، وتوزيع، واقتصاد، وفضاء ثقافي، وحريات، وثراء، وفقر، جميعها بلا حدود… عالم جديد خال من الحدود. هذه الفوضى الجديدة المتوفرة على الأرض تلازمها فوضى مشابهة في السماء، يجسّدها الحضور المتنامي لأقمار الاتصالات والأقمار المتحركة وأقمار المراقبة والرصد، والتشبيك الكوني… وحرب السيبر. ويرى البعض أن الثورة الحقيقية التي تقودها التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، أحيانا بشيء من المغالاة، تمثّل في واقع الأمر عملية احتلال المعلومات لصدارة القوانين والقيم المنظمة لحياة الفرد والمجتمع. فالتطور التقني إنما يجري على نحو يمنح المعلومات مركزية إنتاج النفوذ وإدارة العالم. أمام هذه الفوضى الجديدة وتناقضاتها، تعدّدت التساؤلات المطروحة عن الدور الجديد للإعلام والاتصال داخل المجتمع؟. وعن إمكانية أن يتحوّل تدفق معلومات شبكات الإعلام والاتصال بطرق غير أخلاقية إلى أدوات وأسلحة جديدة يمكن أن تساهم في إضعاف مفهوم الدولة التي ما فتئت تخسر من سيادتها واستقلاليتها في ظل عولمة الاقتصاد والثقافة؟. والأهم من ذلك هل يجب على الدول أن تتحدث اليوم بكل قوّة على أمنها الإعلامي بنفس قدر أمنها العسكري أو الغذائي؟. يتفق معظم الباحثين في العلوم السياسية والعلوم العسكرية وعلوم الإعلام والاتصال حول أهمية المعلومة التي يمكن أن تؤدي إلى حرب شاملة، أو تساهم في توقيع معاهدة سلام دائمة، كما هم متفقون على اعتبار أن وسائل الإعلام والاتصال هي “القوات الخاصة النفسية والدعائية” التي تناور وتعزّز صفوف الجيوش. وإن كان الوضع في أغلب الأحيان لا يتطلب جيوشا فوق الأرض، في ظل وجود أسلحة إعلامية واتصالية يمكن أن تحسم الحروب قبل بدايتها أصلا. وأشدد هنا، أن العالم اليوم يعيش مع نوع جديد من الأسلحة، تتمثل في النفوذ اللامادي للمعلومة، التي تتحول إلى سلاح أشد فتكا من النفوذ المادي، لأن استخدام الأسلحة المادية يمكن تقنينها بسهولة، لكن استخدام سلاح المعلومة، أصبح يصعب تقنينه، بسبب مواقف منظمات حقوق الإنسان ومنظمات الدفاع عن حرية الرأي والتعبير. وهنا يُطرح سؤال محوري : أين حقّ الدولة في حماية أمنها أمام خطر سلاح تدفق المعلومات المغلوطة والافتراءات الباطلة والفوضى المعلوماتية، في عالم الإعلام والاتصال وثورة التكنولوجيا المعلوماتية الحديثة، والتشبيك الفضائي، الذي نعيشه.؟.