More

    يجب أن يقرأ

    د.أماني الطويل: ماذا بعد كرونا وماذا نحن فاعلون ؟

    ماذا-بعد-كرونا-وماذا-نحن-فاعلون-Télécharger

    الحق في الماء في ظل هدر وسرقة المياه بقلم : أ د. عادل خفاجي

    حين تراجع العصر الجليدي قبل آلاف السنين كانت خارطة الوطن العربي تتمتع بمناخ معتدل ومنسوب...

    حسين عبد القادر المؤيد – مفكر وسياسي عراقي

    1

     تتكلس مضامين المدارس الفكرية ، نتيجة ما يطرأ عليها من جمود ، إما أن يكون بسبب التعصب و التبعية العمياء لتلكم المضامين ، أو بسبب توقف أو فتور الحراك العلمي للمدرسة الفكرية لا سيما حين يغيب في أجيالها المتعاقبة وجود عقليات ضخمة قادرة على إيجاد هذا الحراك . 

    و حين تتكلس مضامين أية مدرسة ، يصبح من الضروري إيجاد أو إحياء النقد و المراجعة ، حتى لو أخذ الجانب النقدي بعدا تحرريا من الجمود . 

    إن المدرسة التي تتمتع بالثقة بمضمونها الفكري ، لا تجد حرجا في التحرر من الجمود ، بل ترحب بالنقد و المراجعة و الحراك الفكري الذي يجعل هذه المدرسة حية و فاعلة إيجابيا . 

    ما أحوجنا في العالم العربي و الإسلامي الى تحريك المياه الراكدة في ثقافتنا و التحرر من الجمود و معالجة التكلس الفكري .

    2

    في سنة ١٩٢٣ تأسس في فرانكفورت معهد علمي بعنوان ( معهد العلوم الإجتماعية ) ، و كان الهدف من إنشاء هذا المعهد بواسطة ثلة من الماركسيين ، هو إحياء الجانب النقدي في الفلسفة الماركسية بعد أن أصابها الجمود و تحولت الى قوالب في عقول المفكرين و المثقفين الماركسيين ، فأرادت هذه الثلة تفعيل النقد الذي يكسر الجمود الذي أدى الى تكلس مضامين الفلسفة الماركسية و التعامل معها كنصوص مقدسة ، و أن يكون النقد تحرريا . بادر المعهد الى بحث شروط ثورة البروليتاريا بغية تحفيزها ، لكن تسنم النازية للسلطة في ألمانيا و مطاردة كادر المعهد ، أدى الى تشتت مفكريه في البلدان ، غير أن هورگهايمر و أدورنو و ماركيز و هم من كبار مفكري المعهد ، أقاموا في الولايات المتحدة الأمريكية ، و واصلوا أبحاثهم التي انتهت الى الإحباط من الثورة بل من النهضة و من العقلانية الحديثة ، و دوّن هورگهايمر و أدورنو هذه الأفكار التشاؤمية في مؤلف مشترك بينهما طبع باللغة الألمانية بعنوان ( جدلية التنوير ) و ترجم للفرنسية لكن بعنوان ( جدلية العقلنة ) .

    3

    بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، أعيدت الحياة لمعهد العلوم الإجتماعية ، و عاد هورگهايمر و أدورنو و آخرون من الجيل الأول من أقطاب المعهد من الولايات المتحدة الأمريكية الى ألمانيا ، و استأنفوا العمل العلمي في المعهد . 

    أصبح للخط الفكري و الفلسفي الذي أخذه معهد العلوم الإجتماعية بعد استئناف نشاطه ، تميّز خاص ارتبط بالجانب النقدي الفلسفي ، بحيث صار يُعدّ مدرسة فلسفية و فكرية أُطلق عليها اسم ( مدرسة فرانكفورت ) . قيل إن أول من أطلق عليها هذا الإسم هم خصومها الفكريون ، و أن أدورنو و هو أحد أقطاب هذه المدرسة تبنّى هذه التسمية و اعتبرها فخرا ، بعكس زميله هورگهايمر رائد هذه المدرسة الذي لم ترُق له التسمية . لكن هذه التسمية شقت طريقها و صارت علَما لهذا التيار الفكري و الفلسفي الذي سيطر على الفكر الغربي و طبع أوقع الأثر في المجتمعات الغربية .

    4

    صدرت كتب كثيرة في الغرب للتعريف بمدرسة فرانكفورت ، ودراسة الإتجاه الفكري و الفلسفي لهذه المدرسة ، و تسليط الضوء على فكر أقطابها و منظّريها ، و قد ترجم بعض هذه الكتب للغة العربية ، منها كتاب ( مدرسة فرانكفورت ) تأليف بول – لوران آسون ترجمة سعاد حرب ، و كتاب ( مدرسة فرانكفورت ) تأليف توم بوتومور ترجمة سعد هجرس . 

    و صدرت كتب مهمة باللغة العربية تناولت بالبحث مدرسة فرانكفورت ، منها كتاب ( يوغن هابرماس و مدرسة فرانكفورت ) لحسن مصدق ، و كتاب ( رهان الحداثة و ما بعد الحداثة ) لعصام عبد الله ، و كتاب ( إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية الحديثة ) لعمر مهيبل . 

    و ينبغي عند محاولة التعرف على مدرسة فرانكفورت ، الإلتفات الى أن بعض الباحثين العرب عند شرحه لهذه المدرسة ، لم يوفق في بيان المضمون الحقيقي لفكر هذه المدرسة ، لأنه عرض فهمه هو و لم يكن فهمه صحيحا أو دقيقا ، لا سيما و أن أقطاب هذه المدرسة هم من كبار مفكري الفلسفة الغربية الحديثة و تتسم أفكارهم بالعمق ، و لهم أسلوب و لغة في التعبير عنها تختلف عن الطريقة المألوفة لدى المفكرين العرب في التعبير عن أفكارهم و نظرياتهم ، و هذا التفاوت في أسلوب و لغة التعبير يكاد يكون السمة العامة للبيان بين الغربيين و العرب .

    5

     من أجل تكوين تصور واضح و صحيح عن مدرسة فرانكفورت ، يجب أن نفهم الخلفية الفكرية و الإجتماعية التي أوجدت هذه المدرسة بما تنطوي عليه من فلسفة نقدية تميزت بها . و سأحاول بيان هذه الخلفية بإيجاز يتناسب و طبيعة المقال ، تاركا التفاصيل البحثية الى دراسة موسعة عسى أن تتاح لي فرصة لإنجازها إن شاء الله . 

    كان لعصر النهضة في أوروبا أكبر الأثر في تطورها الفكري و العلمي و الإجتماعي ، و في التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا فيما بعد في مختلف الأصعدة . 

    لا شك في أن النهضة الأوروبية هي التي قادت الى الثورة الصناعية في أوروبا في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر ، و التي تعتبر نقلة نوعية تاريخية لم تقتصر على أوروبا وحدها ، و إنما شملت العالم بقارّاته . 

    لقد أوجدت الثورة الصناعية في أوروبا تحولات أساسية في شتى الأصعدة ، فعلى الصعيد الإقتصادي سيطرت الرأسمالية على المجتمع الأوروبي ، و برز التفاوت الطبقي في المجتمع بوضوح ، حيث طبقة برجوازية تمتلك وسائل الإنتاج و الثروة و تتحكم بمفاصل الإقتصاد ، و طبقة متوسطة من صغار التجار و من موظفي الدولة ، و طبقة عاملة ليس عندها رصيد سوى عملها ، و قد استُغلت في ظل الرأسمالية الحاكمة في ذلك الوقت استغلالا فاحشا ، و عانت من الفقر و ضيق العيش و الحرمان من الحقوق و الإمتيازات . 

    كان هناك وفرة في الإنتاج و سوء في توزيع الثروة ، و مجتمع محكوم بمعادلات الرأسمالية و توازناتها . و كان لكل ذلك إفرازات مفاهيمية سواء من زاوية الطبقة البرجوازية أو طبقة العمال ، فنجد طغيان البراغماتية من جهة و النظرة التشاؤمية للحياة من جهة أخرى ، و قد انعكس ذلك على الأدب و الفن و السلوك في المجتمع الأوروبي . 

    و على الصعيد

    العلمي ، تحركت عجلة العلم بشكل غير مسبوق قاد الى تقدم علمي طبعت منجزاته مظاهر الحياة الأوروبية ، و برزت العلوم التجريبية و حازت قصب السبق في الميدان المعرفي . 

    و على الصعيد الفكري ، حصل تحول فلسفي باتجاه التركيز على العقل البشري و العلم و التجربة كأساس في المعرفة البشرية ، و برزت الفلسفة الوضعية لتكون رائدة الميدان الفكري ، و اعتمد التفسير العلمي للكون و للحياة على حساب الميتافيزيقيا ، و جرى تفسير الظواهر المجتمعية على حذو تفسير الظواهر الطبيعية بقوانينه و معادلاته .

    6

    لقد كان التنوير الذي تبلور في القرن الثامن عشر و أخذ بالتألق في القرن التاسع عشر ، بحيث أطلق على هذين القرنين مصطلح عصر التنوير ، أثرا مهما لعصر النهضة في أوروبا ، وقد كان قوام التنوير ، إعتماد العقل و العلم أساسا لتأسيس نظام للحياة . و يجب الإنتباه الى أن المراد بالعقل الذي اعتمده التنوير ، ليس العقل المجرد التأملي الذي قامت عليه الفلسفة اليونانية القديمة ، و إنما المراد به العقلانية و التفكير الذي يستمد من ظواهر الطبيعة ، و التفكير اللا ميتافيزيقي . و لهذا كانت المناداة في عصر التنوير لاعتماد العقل ، تهدف الى التحرر من سلطة الدين و الخرافة و التقاليد القديمة و كل فكر لا عقلاني أي لا يستمد من ظواهر الطبيعة و لا يستند الى الحس و التجربة . 

    نستطيع القول بأن مفاهيم التنوير و قاعدته الفلسفية هي التي كانت تسيطر على الساحة الفكرية و الثقافية في المجتمع الأوروبي بكل طبقاته ، و كان غير ذلك هو الإستثناء . 

    و حين انطلقت الماركسية كرد فعل على سلبيات الرأسمالية و معاناة الطبقة العاملة ، لم تخرج فكريا عن مفاهيم عصر التنوير ، و إنما اعتمدتها و عملت على تعميقها و ترسيخها ، و قد تجلى ذلك بوضوح في التصور الكوني الذي قدمته الماركسية كتفسير للوجود . 

    يمكن القول بأن كارل ماركس ، كان في عصره ملهِم اليسار و أباه ، و كانت فلسفته تشكل المضمون الفكري لليسار الذي انطلق في الشارع الأوروبي بقوة في القرن التاسع عشر . 

    لم تكن النظرية الماركسية في الإقتصاد السياسي و في علم الإجتماع و كفلسفة للتاريخ ، مجرد مدرسة فكرية نظرية ، و إنما كانت فلسفة حركية حركت الشارع و ألهبت الثورات ، و كانت تنبؤاتها تمنح الناس حلما لا يقل عن خيالات أفلاطون في المدينة الفاضلة ، و لذلك تحولت الماركسية في نفوس أتباعها الى عقيدة مقدسة لا يسمح بالجدل ضدها .

    7

    كان الربع الأخير من القرن التاسع عشر و الربع الأول من القرن العشرين ، مليئين بالأحداث و التطورات في أوروبا ، و لا سيما على الصعيد السياسي الذي شهد سياسيا صعود اليسار و على الأخص اليسار الإشتراكي و اليسار الشيوعي ، فعلاوة على النشاط ذي البعد السياسي للنقابات العمالية ، تأسست أحزاب اشتراكية و شيوعية كان لها دورها الفاعل في الحياة السياسية في أوروبا ، ثم حصلت الحرب العالمية الأولى و كان لها مآسٍ و تداعيات ، و انتصرت الثورة البلشفية في روسيا سنة ١٩١٧ ، و تأسس حكم يساري يقوم على الفكر الماركسي ، بانت إخفاقاته في عهد لينين نفسه ، و دخلت روسيا بعده منذ تولي ستالين للسلطة في ١٩٢٤ نفق الديكتاتورية الباطشة ، و في ألمانيا صعدت النازية و تمكن فيما بعد ، الحزب القومي الإشتراكي الألماني بزعامة هتلر من استلام السلطة ، و برزت الفاشية و تمكنت من استلام السلطة في إيطاليا بزعامة موسوليني سنة ١٩٢٢ . 

    كل تلك الأحداث و التطورات ، أدت الى هزات فكرية و اجتماعية في اليسار الأوروبي المنقسم فكريا و سياسيا ، الأمر الذي جعله يمر بمخاضات مهمة و مؤثرة . 

    في فرانكفورت تحقق لمجموعة من الشباب المثقفين الماركسيين الذين تفتقت عبقريتهم عن ملاحظات نقدية على الماركسية ، و الذين كانوا يتطلعون الى تأسيس معهد فكري للتعبير عن آرائهم النقدية للماركسية من داخل إطارها ، ذلك التطلع ، إذ صدر في سنة ١٩٢٣ قرار وزاري بتأسيس معهد العلوم الإجتماعية الذي صار مركزا للدراسات و النشاط العلمي لهذه المجموعة ، التي بدأ يتبلور خطها الفكري و الفلسفي شيئا فشيئا .

    8

    كان فريق الأساتذة و الباحثين الذين أصبح معهد العلوم الإجتماعية في فرانكفورت مركزا لعملهم الفكري ، مؤمنا بالماركسية ، و متماهيا مع التنظير الماركسي ، و ملتزما بالإشتراكية القائمة على المادية التاريخية . و كان بطبيعة الحال ناقدا للنظام الرأسمالي و للرأسمالية .

    بيد أن هذا الفريق و أمام مجموعة من الوقائع ، أدرك قصور الماركسية التقليدية في فهم المجتمع و تفسير التحولات الإجتماعية و آلية تغيير المجتمع . فآمن هذا الفريق بضرورة تجاوز الماركسية التقليدية ، و لزوم تجديدها لتلائم متطلبات العصر . 

    لقد رصد فريق معهد العلوم الإجتماعية عدة وقائع :- 

    ١- عدم اندلاع الثورة العمالية العالمية المرتقبة طبقا للنظرية الماركسية . 

    ٢- فشل التجربة السوفيتية ، و تحول الآيديولوجيا في عصر ستالين الى وسيلة للإضطهاد . 

    ٣- انكشاف خطأ النبوءة الماركسية ، فالثورة لم تنطلق في ألمانيا ، و لم تنجح الماركسية في بلدان الصناعة الكبرى .

    ٤ – بروز و صعود التطرف الذي تمثل بالفاشية و النازية . 

    ٥- تحول العقلانية الغربية الى آيديولوجيا شمولية ذات نزعة وثوقية و تحول التوجه التنويري الى سلطة فكرية قمعية تقر الواقع بلسان أنه ليس هناك أفضل مما هو كائن فلا نبحث عما ينبغي أن يكون . 

    كل هذه الوقائع و ما شاكلها ، أفضت بفريق معهد العلوم الإجتماعية الى الإنخراط في خط فكري نقدي ، ينظر الى التنوير و العقلانية و الرأسمالية و الماركسية ، بعين ناقدة ، و يحاول أن يخرج بمعطيات جديدة .

    9

    على الصعيد الفلسفي ، رأى فريق معهد العلوم الإجتماعية الذي أطلق عليه اصطلاح ( مدرسة فرانكفورت ) ، أن المشروع النقدي الذي تبناه الفيلسوف عمانوئيل كانط و هو آخر فلاسفة عصر التنوير ، و الذي تجسد في مؤلفاته : نقد العقل الخالص و نقد العقل العملي و نقد ملكة الحكم ، يستحق المتابعة كمشروع نقدي ، لكن هذا الفريق رأى ضرورة تجاوز أفكار كانط التي ساهمت في تأسيس العقلانية الحديثة و التي نقدتها مدرسة فرانكفورت كما سوف يأتي ، فالعقل عند كانط لا يعرف سوى ظواهر الطبيعة و لا ينفذ الى حقائق الأشياء في ذواتها ، الأمر الذي يجعل الفلسفة الوضعية هي الأساس و بالتالي اعتماد العقل الأداتي البراغماتي الذي يتلخص هدفه في إنتاج النجاح و الوصول اليه ، و هذا ما رفضته مدرسة فرانكفورت التي آمنت بوجود العقل الموضوعي و اعتبرته عقلا أصيلا فعالا ، و قررت أن أي إنكار للعقل الموضوعي الأصيل ستكون له نتائج تدميرية للمجتمع . 

    و كذلك نقدت مدرسة فرانكفورت ، فلسفة هيغل للتاريخ ، و رأت أن هذه الفلسفة مثالية و لم تعد قادرة على تحليل المجتمعات الرأسمالية الحديثة و معالجة التحديات التي تواجهها المجتمعات الغربية . لذا رأت مدرسة فرانكفورت ضرورة جعل الفلسفة أكثر علمية بإيجاد ربط وثيق بين الفلسفة و العلوم التجريبية . 

    وجدت مدرسة فرانكفورت أن عصر التنوير أنتج ثقافة هاجمت التأمل الفلسفي التجريدي ، و اعتمدت العقل البراغماتي ، و اختزلت الإنسان ببعد واحد ، و أن هذه العقلانية تحولت الى آيديولوجيا شمولية . و اعتبرت مدرسة فرانكفورت أن ثقافة عصر التنوير هي السبب في سيطرة النظام الرأسمالي الذي أوجد الطبقية و استغل الطبقة العاملة و ظلمها ، و هي السبب في بروز الفاشية و النازية ، فكل ذلك نتاج العقل الأداتي البراغماتي الذي أودى بالعقل المعاصر الى السقوط في اللاعقل . و من هنا جائت مهاجمة مدرسة فرانكفورت لا للتنوير نفسه كما فهمه البعض خطأ ، و إنما لثقافة التنوير التي أنتجها عصر التنوير في ذلك الوقت و سيطرت على الفكر في المجتمع الأوروبي . 

    إذن نخلص الى أن مدرسة فرانكفورت ، ميّزت بين العقل الأداتي البراغماتي و العقل الموضوعي الأصيل ، و أعطت للعقل الموضوعي الأصيل قيمة معرفية ، و دعت الى أن يلعب دوره الإجتماعي الذي يؤكد على البعد الإنساني و يحرر الإنسان من اختزاله ببعد واحد و النظر اليه كأي وجود مادي بحت خاضع لقوانين الطبيعة و معادلات المادية التاريخية . هذا من جهة 

    و من جهة أخرى رفضت الفلسفة المثالية و التنظيرية التي لا ترتبط بالعلم الحديث و معطياته ، و دعت الى تخليص الفلسفة من طابعها التجريدي ، لترتبط بالعلوم لا سيما العلوم الإنسانية و الإجتماعية ، كعلم الأنثروبولوجيا و علم الإقتصاد و علم الإجتماع و علم النفس ، و إنزال الفلسفة الى الحياة الواقعية .

    10

    و أما الرأسمالية فقد كان موقف مدرسة فرانكفورت منها واضحا و صارما ، و لم يكن وليد الخط الفكري و الفلسفي الذي تبلور بعد تأسيس معهد العلوم الإجتماعية في فرانكفورت ، و إنما كان قائما على الفكر الماركسي الذي تبنّاه الباحثون في المعهد قبل تأسيس المعهد بوصفهم ماركسيين . 

    بيد أن هؤلاء المفكرين ، و بعد تبلور مدرستهم الفلسفية النقدية ، تناولوا الرأسمالية في إطار الفكر النقدي لهذه المدرسة ، بعد أن كان نقدهم للرأسمالية في إطار الماركسية التقليدية قبل تبلور مدرستهم النقدية . و من هنا ، فإنهم نقدوا المجتمع الصناعي و ما نجم عنه من تناقضات لا سيما في الثقافة البرجوازية ، و اعترضوا بقوة على الحداثة الرأسمالية التي تنظر الى كل المواضيع كأشياء . 

    و نجد أن مدرسة فرانكفورت هذه المرة في إطار فكرها الفلسفي النقدي ، لم تميّز بين الرأسمالية و الإشتراكية بمعيار الأسود و الأبيض ، و إنما اعتبرت كلا من الرأسمالية و الإشتراكية السوفيتية ، مظهرين مختلفين لمجتمع العقل الأداتي الذي يقصي كل ما هو إنساني .

    و يجدر بنا أن نقف عند نقد مدرسة فرانكفورت للماركسية ، فقد كان نقدا جوهريا و في العمق.

    لقد رفضت مدرسة فرانكفورت النظرية الماركسية التي ترى ثقافة المجتمع نتيجة تحددها البنية الإقتصادية للمجتمع . و اعترضت هذه المدرسة على نظرية ماركس التي تربط أي معرفة بالمصالح الإجتماعية ، كالمصالح الطبقية و مصالح الربح و المصالح المرتبطة بوسائل الإنتاج ، و قررت مدرسة فرانكفورت أن هذه النظرية لا تصلح لتفسير الإنتقال من الوعي الآيديولوجي الى الوعي الموضوعي ، و رأت أن العلم و الفلسفة يشتركان في وجود مصالح مجردة ، منها الحقيقة التي هي معيار مقبول للإنسان أيّا كانت طبقته . و استشهدت مدرسة فرانكفورت لذلك بأن ماركس و إنجلز ينتميان للطبقة البرجوازية ، فإذا كانت نظريتهم معرفة موضوعية ، فسيدل ذلك على أن الوعي لا يتحدد دائما بالمصلحة الطبقية . 

    أعتقد بأن ما ذهبت اليه مدرسة فرانكفورت في نقدها للماركسية ، لا سيما مع الأخذ بنظر الإعتبار ما تقدم في بيان الفكر الفلسفي لمدرسة فرانكفورت ، و ما وصلت اليه من قصور الماركسية التقليدية في فهم التحولات الإجتماعية و آلية التغيير ، هو أقرب الى الإنقلاب على الماركسية من كونه تجديدا أو إصلاحا لها .

    لقد أحدثت مدرسة فرانكفورت ، إنشقاقا في اليسار الأوروبي المثقف ، الذي كان قد تبنّى الماركسية التقليدية .

    11

    على الرغم من أن مدرسة فرانكفورت مدينة للجيل الأول من أقطابها الذين رسموا خطها الفلسفي و الفكري النقدي الذي عُرِفَت به هذه المدرسة و طبعت بصمتها على الفكر الغربي في العصر الحديث ، إلا أن هذه المدرسة ، حظيت في الجيل الثاني و الثالث من فلاسفتها بمفكرين كبار كان لهم دورهم في أن تبقى هذه المدرسة حية متجددة متألقة على الرغم مما تعرضت له من انتقادات خصومها الفكريين . 

    لقد برزت في الجيل الأول قامات فكرية يتقدمها ماكس هوركهايمر ( ١٨٩٥ – ١٩٧٣ ) و الذي يعتبر رائد هذه المدرسة ، و قد كتب رؤيته الفلسفية النقدية في عدة مؤلفات : بين الفلسفة و العلوم الإجتماعية ، خسوف العقل ، جدلية التنوير ، و قد اشترك معه في الكتاب الأخير المفكر أدورنو . 

    و في الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت ، برز أيضا ، تيودور أدورنو ( ١٩٠٣ – ١٩٦٩ ) من مؤلفاته : صناعة الثقافة ، الشخصية السلطوية ، جدلية التنوير ، و قد كتبه بالإشتراك مع هوركهايمر كما تقدم . 

    و كذلك برز في الجيل الأول من مفكري هذه المدرسة ، هربرت ماركوزه ( ١٨٩٨ – ١٩٧٩) كتب مؤلفات جد مهمة في تنظير الفكر الفلسفي النقدي لمدرسة فرانكفورت : العقل و الثورة ، الحضارة و الرغبة ، الماركسية السوفيتية ، الإنسان ذو البعد الواحد . 

    لقد رسم الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت ، الخط الفلسفي و الفكري لهذه المدرسة ، و على يديه تشكلت معالم هذه المدرسة المتميزة ، التي كان لها تلامذتها البارزون الذين بهم استمر العطاء الفكري لهذه المدرسة ، و الوجود المؤثر لها . و هؤلاء هم الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت . 

    لا يمكن حين يُذكَر الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت ، إلا و يتبادر اسم يورغن هابرماس  ( ١٩٢٩ ) صاحب نظرية الفعل التواصلي ، و التي تعتبر من أهم و أبرز نظريات علم الإجتماع المعاصر . 

    و أما الجيل الثالث من مفكري مدرسة فرانكفورت ، فهم مجموعة ليست قليلة ، من أبرزهم أكسل هونِث ( ١٩٤٩ – ) ، تلميذ هابرماس . لقد وصفت بعض الكتابات المتخصصة بهذا الشأن أكسل هونث بأنه يلعب دورا فاعلا في الفكر الفلسفي الغربي الحديث على الصعيد الفلسفي و السياسي و الإجتماعي . و بالمناسبة ، فإن أكسل هونِث صار مديرا لمعهد العلوم الأجتماعية ، المركز الذي انطلقت منه مدرسة فرانكفورت ، و احتضنها الى الآن .

    1 COMMENT

    LEAVE A REPLY

    Please enter your comment!
    Please enter your name here

    أحدث الأخبار

    More Articles Like This

    ArabicEnglishSpanish