More

    يجب أن يقرأ

    د.أماني الطويل: ماذا بعد كرونا وماذا نحن فاعلون ؟

    ماذا-بعد-كرونا-وماذا-نحن-فاعلون-Télécharger

    الحق في الماء في ظل هدر وسرقة المياه بقلم : أ د. عادل خفاجي

    حين تراجع العصر الجليدي قبل آلاف السنين كانت خارطة الوطن العربي تتمتع بمناخ معتدل ومنسوب...

    بقلم د. عبد الله الطوالبة

    لا أظننا نبالغ اذا قلنا أننا اليوم كعرب نمر بمرحلة تكاد تكون الأخطر في تاريخنا. على الصعيد الداخلي، يئن واقعنا العربي بحمولة ثقيلة من الاستبدادين السياسي والديني. ويشقى باقتصادات متخلفة، هي الأعلى في العالم بنسب الفقر والبطالة. بلداننا مستباحة للتدخل الخارجي، وأجزاء من أراضينا ترزح تحت الاحتلال الأجنبي، في القرن الحادي والعشرين. أما التبعية السياسية والأمنية، فلم تعد معنية حتى بورقة توت تخفي بها عوراتها.

    استبشر الانسان العربي بما بات يُعرف بـ ”الربيع العربي”، في بدايات اندلاع أحداثه أواخر عام 2010، حيث فاجأ العرب أنفسهم والعالم، بعد أن كاد المراقبون والمعنيون ومراكز الدراسات والأبحاث تنعى ما اصطُلح على تسميته بالشارع العربي. فقد تصدت لقيادة الحراك الجماهيري في بداياته جموع الشباب، وصدحت الحناجر بشعارات الحرية والكرامة. ما حدث كان حراكاً جماهيريا واسعا وليس ثورات بالمعنى المتوافق عليه للثورات. فلم تكن هناك قيادات ذات رؤى سياسية وفكرية تحرك الملايين المنتفضة وتوجهها وتقرر الخطوات واحدة تلوَ أخرى، في ضوء المعطيات القائمة ونتائج الحراك الجماهيري. ولم يحدد المنتفضون بوضوح بدائل أنظمة حكم هرمت ولم تعُد قادرة على الاستمرار في ضوء تطورات العصر وأحداثه المتسارعة، وفي الطليعة منها التحولات الديمقراطية التي اجتاحت العالم بعد انهيار جدار برلين عام 1989 ، وثورة تكنولوجيا الإتصال والمعلومات. وحتى عندما حصل التغيير، فقد كانت نتيجته سقوط رؤوس الأنظمة الحاكمة في بلدان عربية عدة وبقاء الأنظمة . والأخطر من ذلك، أن المشهد سُرعان ما انقلب في الاتجاه السار لأعداء الحرية والكرامة في الواقع العربي، ولصالح الإستبداد والمستفيدين من استمراره في الداخل والخارج. لم يلبث مسرح الأحداث أن تلون بالدم والدموع والأنقاض. انفجر خزان الماضي في الحاضر دفعة واحدة، وعادت المجتمعات في دول ”الربيع العربي”، باستثناء تونس ومصر الى حد ما، الى عصبياتها الماقبل دولتية، ونعني القبلية والعشائرية والمذهبية والطائفية، وغدت الأوطان مستباحة للتدخل الخارجي، السياسي والعسكري والاستخباري . وللتذكير، فان نكوص المجتمعات العربية الى هذه الانتماءات انما يقدم الدليل الأفقع على فشل العرب في بناء دول مدنية حديثة. ولمن يسأل عن أهم شروط بناء الدول المدنية الحديثة، نرى أنها أساسا دولة المواطنين الأحرار في أوطانهم وليس الرعايا. ولعل أهم ما يميز المواطن عن الرعية، أن الأول يقرر مصيره بنفسه من خلال الاختيار الطوعي الواعي الحر لمن يحكمه عبر صناديق الاقتراع. ويراقبه عبر برلمانات تمثيلية منتخبة بمنتهى الشفافية، ومن خلال وسائل الاعلام. كما يحاسبه ويقيله مثلما انتخبه عبر صناديق الاقتراع أيضا اذا تطلبت المصلحة العامة ذلك. وعليه، تنهض الدولة المدنية الحديثة على الديمقراطية الحقيقية وليس التمثيلية الديكورية والانتخابات المزورة. الديمقراطية التي تضمن التداول السلمي للسلطة، وليس تجميل وجه الاستبداد القبيح وتبرير توريث السلطة. ولسوء طالع الربيع العربي، أن تسيّد الإسلام السياسي المشهد، باعتباره الأكثر تنظيما حينذاك والأكثر استثمارا في العاطفة الشعبية، خلال عقود من الزمن. ولقد تبين بالأدلة القاطعةـ كما تابعنا ومعنا العالم كله، ما حصل في مصر عامي 2012 و 2013 أن الاسلام السياسي، وبخاصة في نسخته الأخوانية، ليس لديه برنامج نهضوي يواكب تطورات العصر وتحولاته. والأخطر من ذلك، أنه غير مؤهل أصلا لامتلاك مثل هذا البرنامج، لأسباب عدة، أهمها على الاطلاق، عدم قيامه بمراجعة نقدية لمرجعياته المعرفية ومنظومته الفكرية تؤهله لتلبية طموحات الجماهير المنتفضة ومطالبها.

    لا رؤية عصرية للدولة بمنظور الاسلام السياسي، حتى بالنسبة لتياراته الموصوفة بالمعتدلة. ولا شيء يقدمه في هذا السياق سوى ”الخلافة”، التي أصدر التاريخ حكمه بشأنها وانقضى الأمر. ويتغاضى الاسلام السياسي، وربما يتعامى لغاياته، عن حقيقة أن الخلافة لم تُذكر في آية قرآنية أو في حديث نبوي، وأنها ليست من الدين أصلا. الخلافة اجتهاد بشر، أنتجته ظروف زمانه في سياقاتها التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما الديمقراطية، فما تزال في نظر الاسلام السياسي ”بدعة غربية”. وهي في أفضل تطبيقاتها بالنسبة لهؤلاء، وسيلة يتم استخدامها للوصول الى السلطة لمرة واحدة، ثم التشبث بها. ألم يقصِ ”الأخوان” في مصر بعد وصولهم الى كرسي الحكم حتى الاسلاميين خارج تنظيمهم عن المشاركة في السلطة، مثل حزب النور السلفي الذي صوت لصالحهم في الانتخابات. وعندما بدأ التذمر يتسع في مصر من ممارساتهم وتخبطهم وهم في السلطة، تشير بعض المصادر الى ردهم على ناصحيهم بالقول ”انهم مؤهلون لحكم مصر 500 عام” (الشرق الأوسط اللندنية 4/9/2013 مقال عبد المنعم سعيد بعنوان: الخطايا العشر في القصة الأميركية).

    تأسيسا على ما سبق، بمقدورنا القول أن لا خيار أمامنا اليوم سوى النهوض بالواقع العربي، والا فالمزيد من التخلف المقترن والتردي. وبطبيعي الأمر، فان التقدم والتخلف يتوقفان أولا وأخيرا على الانسان. التقدم لا يهبط من السماء ولا تصنعه المعجزات والخوارق، بل يصنعه الانسان بمعجزة العقل والارادة. ومثلما يحقق الانسان التقدم، فانه في المقابل، يكرس التخلف ويستكين له. والعامل الحاسم في الحالتين، هو الثقافة وأنماط التفكير. فالانسان، ابن مألوفه، بحسب ابن خلدون، بمعنى أنه نتاج ثقافة تحدد أنماط تفكيره وتقرر نظرته الى الذات والوجود، وبالتالي تحدد حركته في الجغرافيا وعلى مسرح التاريخ. ولعل من أهم دروس التاريخ في هذا السياق، أن الأمم والشعوب تنهض وتتقدم بتطور أنماط تفكيرها وثقافتها. فلا نهوض ولا تقدم ما لم يقترنا بمقدمات ثقافية وفكرية من نوع مختلف عن السائد الذي أوصل الواقع الى ما هو عليه من تخلف وعجز وجمود. هذا ما نتعلمه من تجربة ماليزيا منذ عام 1981، في الحاضر. وهو أيضا ما نستلهمه من الرجوع الى مرحلة النهضة الأوروبية وعصر الأنوار.

    ويظل الحديث عن التقدم بلا معنى من دون تحديد عناصره في المرحلة التاريخية المقصودة بالنظر والتحليل. بالنسبة لعصرنا الراهن، فان معايير التقدم ثلاثة،هي: الديمقراطية والعلم والعقل. على صعيد الديمقراطية، تكاد المنطقة العربية تكون الوحيدة، باستثناء تونس وموريتانيا، التي تحيط نفسها بأسيجة منيعة ضد ”عدوى” الديمقراطية. حتى افريقيا سبقت العرب في التداول السلمي للسلطة، واجراء انتخابات حرة ونزيهة. وفي سياق الديمقراطية أيضا، تجدر الاشارة الى أن المعيار الأهم بمعايير الحاضر لمعاينة واقع الدول، هو حالة حقوق الانسان. هنا نكتفي بايراد الحقيقة المرة، وهي أن أكثر المشردين داخل أوطانهم وخارجها ، في عالم اليوم، عرب، للنجاة بأرواحهم من ويلات الحروب الأهلية والتطرف والارهاب.

    وعلى صعيد العلم، فالعالم العربي يفتقر الى وجود قواعد علمية تكنولوجية رغم ما يتوفر عليه من موارد بشرية وامكانات مادية. ويتأكد لنا ذلك من مجموع ما ينفق العرب على البحث العلمي، بنسبة لا تتعدى 0،2% من الناتج القومي الاجمالي ، مقابل 4،7% تنفقه اسرائيل من ناتجها الاجمالي السنوي في هذا المجال. لا نلمس في العالم العربي دعما يُعتد به للعلم والعلماء ، ناهيك بخلق حواضن اجتماعية وثقافية مناسبة لازدهار العلم والمعرفة. واللافت أن مصطلح العلم ذاته، ما يزال ملتبساً في الذهن العربي. ففي مجتمعاتنا يطلقون لقب ”علماء” على بعض رجال الدين ممن يُعرفون بالفقهاء، مع العلم أن ما يقوم به هؤلاء يتركز في حفظ النصوص الدينية وتكرارها ولا يتعداه الى التفسير بما يناسب تحولات العصر وشرط التقدم. أما العلم بمفهومه الحديث فيقوم على الاكتشاف والابتكار الجديدين، أي اكتشاف ما لم يُكتشف بعد. والعالِم هو المكتشف والمبتكر.

    أما مقصود القول بثالث معايير التقدم بشروط العصر الراهن، أي العقل، فيتحقق عندما يصبح العقل مناط الحكم على الأشياء وليس النص الديني. هنا، وهنا بالذات، ثمة ما يستحق وقفة مع اشكالية نرى أن لها علاقة بكل ما يحدث في واقعنا العربي، ونعني اشكالية الاشتباك بين الديني والدنياوي. فنحن الوحيدون على سطح المعمورة الذين لم يعطوا بعد لله ما لله ولقيصر ما لقيصر. نحن الوحيدون تقريبا، في عالم اليوم، التائهون في دوامة الاشتباك بين الديني والدنياوي. والنتيجة تشير بكل وضوح إلى أننا نخسر الدنيا، بدليل الفارق المذهل في التقدم العلمي والتكنولوجي بيننا وبين الأمم المتقدمة. ولا دليل يخضع لمنطق العقل، بمقدوره أن يطمئننا على أننا كسبنا الآخرة مقابل خسارتنا الدنيا.

    في تناولنا لهذه الاشكالية، نرى من الأهمية بمكان، تثبيت حقيقة أن تصورالمجتمع للدين وعلاقته به، يرتسمان بناء على مستوى تقدمه الاقتصادي والاجتماعي ونمط علاقات الانتاج السائدة ومستوى التقدم العلمي والتكنولوجي. وعليه، فان المجتمعات ذات الدين الواحد، قد تتمايز في فهم الدين وتفسيره وتقرير دوره. ففي ماليزيا وتركيا، على سبيل المثال لا الحصر، يتعايش الاسلام مع العالمانية وينسجم مع الديمقراطية. أما في بلداننا العربية، فيتم توظيف الدين لوصم العالمانية بالكفر والإلحاد، والنظر الى الديمقراطية على أنها ”بدعة غربية”. وعلى هذا الأساس، بمقدورتا القول أن علاقة الانسان بالدين تنتظم في مسارين، يحددهما الواقع المجتمعي المعيش بمعايير التقدم والتخلف. فاما أن يكون الانسان من أجل الدين، أو الدين من أجل الإنسان. في الحالة الأولى، تؤخذ نصوص الدين بحرفيتها منتزعة من سياقاتها التاريخية، ويتم التعامل معها على أنها عابرة للتاريخ ومتعالية على الخبرة الانسانية. هنا، يُستلب الوعي في الحاضر لصالح الماضي، ويكف العقل عن المراجعة النقدية والتفكير بروح العصر واشتراطات الحاضر. وفي المحصلة، يسود فهم قروسطي متحجر للدين، وبذلك يتحول هذا الأخير الى عامل شدّ الى الوراء. عندما يسود هذا النمط من فهم الدين والتعامل معه على هذا الأساس، ينام العقل وتستيقظ الأصنام وتنتشر الأوهام والخزعبلات وتتفشى الخرافات. أما في الحالة الثانية، أي عندما يكون الدين من أجل الانسان، فمن طبائع الأمور أن يقرأ الانسان الدين بمنظار العقل ومعايير العلم والسياقات التاريخية لمراحل التطور الانساني. وبهذه القراءة، يضع الانسان الدين في مكانه الصحيح كشأن معتقدي خاص، مكانه القلب والوجدان على صعيد الانسان، ودور العبادة على مستوى المكان. هنا، يتوصل الانسان الى وضع الدين في مكانه الصحيح، المومأ اليه قبل قليل، وبذلك يكف الدين عن التدخل في الشأن السياسي وفي شؤون الاجتماع الانساني. فما من دين الا وتم توظيفه سياسيا، وعلى وجه الخصوص لخدمة الاستبداد، في مراحل تاريخية معينة لها سياقاتها بمعايير التقدم والتخلف التي ذكرنا. فالاستبداد على مر العصور وما يزال، يجد في “النصية”، أي التعامل مع نصوص الدين بمعزل عن سياقاتها التاريخية، معينا لا ينضب لتوظيف الدين لصالحه. النصية، بهذا المعنى، تعني الثبات واليقين. وبذلك تتقاطع مع الاستبداد في رفض التغيير ومقاومته. ومن سمات الدين المناسبة للاستبداد أيضاً، امكانية تفسير نصوصه في أكثر من اتجاه (القرآن حمّال أوجه)، بل وفي اتجاهين متناقضين في آن واحد.

    في اسقاط ما ذكرنا على واقعنا العربي اليوم، سنجد أن تخلف البنى الاقتصادية وهشاشة البنى المجتمعية، انما يشكلان معا العامل الرئيس لغياب الفواصل بين الديني والدنياوي في حاضرنا. في واقعنا العربي، تتداخل أنماط الانتاج، وهو ما يصنف ضمن أنماط الانتاج السابقة على الرأسمالية. فلم تعرف بلداننا في مسيرتها التاريخية ”انقلابا برجوازيا” حقيقيا، حيث ظلت الأشكال التقليدية ما قبل الرأسمالية مسيطرة في تنظيم الحياة الاقتصادية، وهو ما أدى اجتماعيا الى غلبة العوامل الشخصية على العوامل الشيئية والسلعية والنقدية والحقوقية، بالاضافة الى الدور الكبير للخلايا المحلية: المشاعة والبطن والعشيرة والقرية، وما يتصل بذلك من هيمنة الكلي على الفردي، وسيطرة النزعة الأبوية في معاملة الجماعات والأفراد( د. توفيق سلوم: نحو رؤية ماركسية للتراث العربي، دار الفكر الجديد، بيروت 1988، الطبعة الأولى، ص 23).

    ونضيف أيضا، أن عالمنا العربي ”لم يعرف مثيلا لحركات الاصلاح الديني الأوروبية، التي كان لها الباع الأطول في تذليل الفهم اللاهوتي المتحجر للدين ولعلاقته بالحياة، وفي تحطيم الأطر الدينية القروسطية التي تحد من فعالية الانسان، وتكبح قدراته الخلاقة، وفي اعادة تأويل الدين ومعتقداته تأويلا يتفق مع متطلبات العصر” ( نحو رؤية ماركسية للتراث العربي 24) وإذا ما أخذنا بنظر الإعتبار إرتفاع معدلات الفقر والبطالة، ونسب الأمية العالية (100 مليون عربي لا يقرأون ولا يكتبون) نكون قد تبينّا الروافد المغذية لاشكالية الاشتباك بين الديني والدنياوي في واقعنا العربي. أما بخصوص تجليات هذه الاشكالية، على ضوء ما يحدث في العديد من بلداننا اليوم، فاننا واجدوها أولا في تحويل الدين الى أيديولوجيا صراعية إنقسامية. فمن طبائع الأيديولوجيا، وبخاصة الدينية منها، أنها تستدعي المكبوتات التاريخية لتحريك النزعات الثأرية ومشاعر الكراهية. وتلك هي مقدمات التخندق المذهبي والطائفي، المفضية لا محالة في ظروف تناسبها، الى الاقتتال الداخلي وتشظي المجتمعات وانقسامها. ولنا بما جرى في العديد من دولنا بعد عام 2011 مثل سوريا واليمن وغيرها أمثلة بارزة.

    في واقع عربي ما يزال تائها في دوامة الاشتباك بين الديني والدنياوي، تتوفر أرضية مناسبة جدا لتوظيف الدين في لعبة السياسة والتواءاتها، من قبل النّظُم الحاكمة أو التنظيمات والتيارات الدينية، سواء بسواء، كل في الاتجاه الذي يناسبة ويخدم مصالحه. ولا أظننا بحاجة الى ايراد أدلة وبراهين، خاصة وأن تسييس الدين في واقعنا العربي لا يحتاج الى مزيد بيان أو إثبات. لكننا نكتفي في هذا السياق بالتذكير بأن التاريخ لم يذكر تجربة اختلط فيها الدين بالسياسة الا وكان الاستبداد ثالثهما، والخوف رابعا، وسفك الدم نتيجة لا محيد عنها. هذا ما حصل في أوروبا خلال مراحل حكم الكنيسة باسم الحق الالهي في القرون الوسطى، وما حصل ويحصل في العديد من بلداننا العربية اليوم في القرن الحادي والعشرين. فكل قاريء متفحص لحاضرنا، لا بد سيصل الى نتيجة مؤداها أن أوطاننا كلها تعاني من حروب أهلية، اما مشتعلة أو صامتة.

    على صعيد آخر في السياق ذاته، ننوه بأن من طبائع الأمور في مجتمعات تداخل الديني بالدنياوي أن يكون الفكر الديني الأعلى صوتاً، وأنماط التفكير المنطلقة منه الأكثر تداولا، بكل ما لذلك من ارتدادات سلبية على حركة العلم. والذي نراه أن البحث عن أسباب تخلف العرب علميا يجب أن يبدأ من هنا. وكذلك الأمر فيما يتعلق بحل لغز تفوق العلماء العرب في الدول المتقدمة، الذي يقابله تهميشهم وانطفاء جذوة الابداع لديهم في بلدانهم.

    العلم بحث وتجريب، واثبات ودليل. والدين، ثبات ويقين، واعتقاد لا يخضع لنظر الحس والتجريب. الشك وسيلة العلم للوصول الى الحقيقة، لذا فان السؤال رئته التي يتنفس منها. أما الدين، فسمع وطاعة وامتثال من دون سؤال أو نقاش. نحن لا نرى أن من مهام الدين مواجهة العلم، لكن الزج باليقيني الثابت في مواجهة النسبي المتحرك، لا بد سيضع الدين في مواجهة مع حركة الحياة ومستجداتها ومع العلم وفتوحاته.

    ما الحل؟! وما العمل؟!

    في التمهيد للاجابة، نستحضر الحقيقة الناصعة من دروس التاريخ، وهي أنه لا نهوض ولا تقدم من دون أنماط تفكير جديدة تنطلق من أرضية ثقافية تناسب تحولات العصر. لا يمكن الاجابة على أسئلة اليوم بأجوية الأمس ومناهجه وأساليبه. لن نتقدم بالذهنية القديمة التي أوصلتنا الى ما نحن عليه. فمن سنن الحياة وثوابتها أنها لا تتوقف عن الحركة ولا تأتي بالجديد والمستجد. ولا شك أن التعامل مع المتحرك والمستجد بمنطق الثابت لا بد سيضع الدين في مواجهة مع الحياة، بما لذلك من تداعيات مأساوية نرى تعبيراتها في التخلف والجمود وتزييف الوعي والانتحار الذاتي باقتتال الأشقاء الأعداء.

    لا خيار اذن، سوى النهوض بالواقع العربي وسلوك طريق التقدم. ولكن كيف؟! أعتقد أننا قلنا ما يكفي لاظهار النتيجة التي نتغيّا. التقدم بمعايير الحاضر، وبناء على ما تشقى به مجتمعاتنا وانساننا اليوم غير ممكن من دون أربعة روافد، كل منها يغذي الآخر ويسنده وهي: الديمقراطية، والعقل، والعلم، والعالمانية. الديمقراطية، تعني ضمن أهم معانيها، الانتخابات الحرة النزيهة المفضية الى تداول سلمي للسلطة. نقول ذلك وفي الخلفية عجز العقل العربي حتى يوم الناس هذا عن حل اشكالية السلطة السياسية، رغم حجم الدم المسفوح على مذبحها وما يزال منذ مئات السنين. فلم يعرف التاريخ العربي حتى اللحظة، سوى أسلوبين لانتقال السلطة باستثناءات قليلة، هما التورث أو الانقلاب.

    الديمقراطية تعني من أهم ما تعني أيضا، الحرية. في أجواء الحرية، ينطلق العقل في فضاءات العلم والابتكار والتفكير من دون قيود ومعيقات. في أجواء الحرية، يتحرر العقل من سلطة النقل. وبذلك يحقق العقل ذاته، ويصبح مناط الحكم على الأشياء وليس النص الديني. ولا تكتمل الحرية وشروط بناء الدول المدنية الحديثة، من دون تنظيم العلاقة بين الديني والدنياوي، من خلال وضع الدين في مكانه الصحيح، كشأن تعبدي خاص لا يتدخل في شؤون السياسة ولا في شؤون الاجتماع الانساني. وتُعتبر العالمانية أفضل ما توصل اليه الانسان لترجمة ذلك على أرض الواقع. وتعلمنا تجارب الأمم المتقدمة في عالم اليوم، أن العالمانية بتنظيمها للعلاقة بين المطلق الثابت والنسبي المتحرك، انما توفر ضمانة أكيدة لاستقرار المجتمعات وأمنها. فلا وصاية على العقول، ولا ادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة والتحكم بالناس باسم السماء، ولا قتل أو اقصاء أو تدمير بزعم تطبيق شرع الله. الدولة لكل مواطنيها، لا تنحاز لصالح أتباع أكثرية دينية أو مذهبية. لا ديانة للدولة العالمانية. فالدولة لا تصلي كدولة ولا تصوم، وبالتالي لا تذهب الى المسجد أو الكنيسة. هذا شأن الأفراد بناء على معتقداتهم التي تضمن العالمانية حرية ممارستها.

    Previous articleمخاطر تشكيل قوة جوية خاصة بالحشد الشعبي
    Next articleبالنظر للنتائج الدورية لترتيب جامعاتنا العربية و تأخرها عن نظيراتها الغربية، الأكيد أن قطاع التعليم العالي في بلادنا العربية يحتاج لإصلاحات في أغلبها و تعزيز الإصلاحات في بعضها. وبميزانيات تعتمد رأسا في أغلبها على ميزانيات الحكومات أو من الميزانية العامة- على اختلاف نسبها من دولة لأخرى-، الأكيد أنه يشكل عبئا ماليا على الخزائن العامة، خاصة في ظل الأزمات الراهنة التي تمر بها الدول العربية، وسياسة ترشيد النفقات والتقشف التي تنتهجها أغلب الحكومات.   وبطبيعة الحال، استراتيجية إصلاح منظومة التعليم العالي في بلادنا العربية عملية جد معقدة، قد تبدأ من إعادة صياغة الترسانة القانونية المسيرة للقطاع، وصولاً إلى تحيين وتطوير برامج ومقررات التدريس، مرورًا بإعادة هيكلة العلاقة المتبادلة مع الشركاء الداخليين والمحيط الخارجي على حدٍ سواء…الخ.   ولعل أهم ملف في القضية يطرح نفسه بقوة، ضمن المرحلة الراهنة التي نعيشها، هو : تمويل القطاع.   والتجارب الدولية كثيرة في حقل إصلاح منظمات التعليم العالي ودمجها في مشروع التنمية الاقتصادية، والتجربة الصينية من أهم تلك التجارب الرائدة. التي نعتقد أن أهم ما بنيت عليه، هو : تحويل الجامعة إلى مؤسسة علمية عمومية مستقلة ذات طابع اقتصادي. وهي الفكرة التي أعتقد أنها مهمة جدًا بالنسبة لبلداننا العربية، خاصة في ظل الظرف الراهن.   ثمانينيات القرن الماضي، قررت الحكومة الصينية، تطبيق مبدأ استقلالية الجامعة، وتحويلها إلى مؤسسة علمية عمومية ذات طابع اقتصادي، ترتكز في جزء كبير جداً من إدارتهاالتسييرية والبيداغوجية، على تفاعلها مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي الذي تنشط فيه. وتقدم له أصولها ومخرجات العلمية والتكنولوجية كسلع بما يلبي احتياجاته، وهو ما قلص بشكل كبير تبعية تمويلها للخزينة العمومية.   ففي الصين كان الطرح واضحاَ، أكثر من 16 ألف مؤسسة تعليم عالٍ ، لا يمكن أن تكون تحت الوصاية الكاملة للدولة، خاصة من ناحية التمويل. ومنظومة جامعية في دولة بها أكثر من 1.5 مليار نسمة يقطنون حوالي 10 مليون كلم²، ومتوزعين على أكثر من 22 مقاطعة (كل مقاطعة بحجم دولة)، ومقسمين لأكثر من 56 مجموعة عرقية، لا يمكن أن تكون مقرراتها الدراسية نمطية، فلكل منطقة، ولكل مرحلة خصوصياتها وبالتالي احتياجاتها العلمية. وأخيراً، لا يمكن إبقاء هذا الكم الهائل من المؤسسات العلمية خارج استراتيجية التنمية الوطنية كممول للاقتصاد، ويجب ردم الفجوة بين التعليم العالي والتنمية الاقتصادية.   في ظل ذلك، كان الإجماع شبه كلي حول: استقلالية مؤسسة التعليم العالي، وأن تمنح الجامعة مجالاً واسعاً في الإدارة الذاتية، والسعي لخلق موارد مالية من المحيط الاجتماعي والاقتصادي المحيط بها، بما تراهملائما لذلك.   وكانت الاستراتيجية أوضح، أهم ما جاء فيها : الرقمنة الكلية والشاملة لكل الإجراءات الإدارية والوثائق البيداغوجية والوظيفية للطلبة والأساتذة والموظفين، وكل ما تعلق بالحياة اليومية لمنتسبي الجامعات. وتشير الكثير من التقارير أن معدل زيارة الطلبة والمواطنين لمسؤولي الجامعات في الصين شبه معدوم، فخلال السنة الجامعية قد لا يضطر الطلبة نهائيا لمراجعة أي مكتب من مكاتب إدارة الجامعة نظراً للتعميم للتعاملات الإدارية والبيداغوجية، وبسبب الوضوح الشديد والشفافية العليا التي تمتاز بها القوانين والتعليمات الجامعية التي تطبق على الجميع، بدون استثناءات. ربط الأجرة بالحوافز والإنجازات العلمية وليس التدرج الوظيفي : فقد قررت الحكومة إجراء تغيير جذري في آلية توظيف هيئة التدريس وتعيين موظفي المكاتب الرئيسية في الجامعات، من خلال اعتماد معايير عالية، كالسيرة العلمية والوظيفية، والتزكية العلمية، ومعيار الكفاءة المهنية والقدرة على الإبداع في المنصب …الخ، واعتماد مبدأ ربط الأجرة بالحوافز والإنجازات وليس بالتدرج الوظيفي أو تاريخ التعيين. توسيع سلة الخدمات والمنتجات التي تقدمها الجامعات، إضافة إلى دورها المركزي في التكوين والتعليم. وإضفاء الطابع الاستثماري على تلك المخرجات وخلق مصلحة للتسويق وإدارة العمليات المالية للمؤسسة الجامعية. توسيع هامش الشراكة مع مؤسسات القطاع الاقتصادي وتنظيمات المجتمع المدني، والتعاون (بمعناه الاقتصادي) مع مؤسسات الدولة والقطاع العام، كل ذلك وفق دفاتر شروط وعقود تعاون تتيح للجامعة الاستفادة من موارد مالية لدعم ميزانياتها أو الحصول على تخفيضات تخفف الضغط على نفقاتها. تفعيل عملية الاندماجالاقتصادي مع الجامعات الأخرى (المحلية، الوطنية أو العالمية)، كمثل : تبادل الأساتذة والباحثين، كراء واستغلال مخابر البحث والدراسات، استغلال القاعات ومدرجات التدريس، الشراكة في استعمال المكتبة والهيئات التابعة. كراء المرافق للشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، كمثل الملاعب، وقاعات العروض، والساحات العامة، ولافتات الإشهار، والمطاعم وغيرها من المرافق التي تحقق ريوعاً لميزانية الجامعة، وتسهم في تنمية المجتمع وتخفيف الضغط على المرافق العامة للدولة. الاستفادة المشتركة من إمكانياتها العلمية والمالية التي تمتاز بها كل جامعة عن الأخرى، لتخفيف حجم التكاليف التعليمية، فهما تشاركان بعضهما في الاستفادة من المعامل والمدرسين والمكتبات الخاصة بهما وتدريب الخريجين والمدرسين. فرض رسوم دراسية على الطلبة ومضاعفة المبالغ على الطلبة الأجانب. اعتماد معيار الترتيب العلمي للجامعة في السلم الوطني والعالمي كأساس لحجم الميزانية الحكومية المخصصة للجامعة مقارنة ببقية الجامعات، وهو ما أحدث هيجانا تنافسيا حادا، وطوّر بشكل جد ملحوظ مخرجات الجامعة ودورها العلمي والاقتصادي والاجتماعي. . تشجيع الاختلاف مضمون المناهج التعليمية والتكوينية : وذلك من خلال منح إدارة الجامعات ومجالسها العلمية هامش استقلالية جد واسع لفتح التخصصات أو إلغائها بما تتناسب واحتياجات المحيط الاجتماعي والاقتصادي المحلي الذي تنشط فيه. والأكثر من ذلك منح الطلاب حرية اختيار المواد والتخصصات التي يرغبون في دراستها. وهذا ما أدى إلى إلغاء أكثر من 300 تخصص، إذ تشير بيانات وزارة التعليم الصينية أنه تم خفض عدد التخصصات العلمية من حدود 813 تخصصا إلى 504 تخصصات. عام 2015، اعترفت مؤسسة المسح الدولية للتعليم العاليQSأن برنامج الاستثمار في مجال التعليم العالي الذي طبقته الصين خلال العقود الماضية أتى ثماره، حيث صنفت 07 جامعات صينية ضمن قائمة أفضل 50 جامعة في العالم. وبدأت الكثير من دول العالم تحاول التقرب من التجربة الصينية والاستفادة منها في تطوير منظوماتها التعليمية والبحثية، خاصة على مستوى التسيير والإدارة، وتبقى البرامج ومقررات التدريس خصوصيات حضارية وتراثية لا يمكن استنساخها أو استيرادها. وفي الأخير، نعتقد بغالب الظن، أنه في ظل منظومة جامعية ريعية المورد والتوزيع، لا يمكن الحديث عن إنجازات كبرى في هذا القطاع الذي راهنت عليه الكثير من الدول، ونجحت في تطويره فنجح في تطويرها. د. بن حرزالله حوداشي  

    LEAVE A REPLY

    Please enter your comment!
    Please enter your name here

    أحدث الأخبار

    More Articles Like This

    ArabicEnglishSpanish