More

    يجب أن يقرأ

    د.أماني الطويل: ماذا بعد كرونا وماذا نحن فاعلون ؟

    ماذا-بعد-كرونا-وماذا-نحن-فاعلون-Télécharger

    الحق في الماء في ظل هدر وسرقة المياه بقلم : أ د. عادل خفاجي

    حين تراجع العصر الجليدي قبل آلاف السنين كانت خارطة الوطن العربي تتمتع بمناخ معتدل ومنسوب...

    المعهد العالمي للتجديد العربي ARIG ثورات الربيع العربي ومستقبل المنطقة  د. أحمد الهواس Ph.D. Ahmad Alhawas مدريد 26 – 6 – 2019 Madrid 26-6-2019 2

    مقدمة:
    جاءت الثورات العربية التي عُرفت بالربيع العربي في نهاية العقد الأول من القرن
    الحادي والعشرين، عقد تميّز بتحولات خطيرة، وأحداث جسام يكفي كل حدث منه
    لأن يصنع ثورة من المحيط إلى الخليج، فضلً عن تشابه الظروف العربية من حيث
    الاستبداد وضعف التنمية والبطالة والفقر وغياب الحرية.
    فقد شهد هذا العقد غزو العراق، وإسقاط نظامه الوطني بالقوة، وتحوّل العراق من
    دولة عربية وإقليمية رئيسة إلى دولة فاشلة مهددة في وجودها، كذلك تمّت تصفية
    القضية الفلسطينية وتكريس حالة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وانفصال جنوب
    السودان، وانحسار لدور الدول العربية الكبرى على حساب الدول الصغيرة الغنية،
    وقد أدّى غياب العراق لصناعة أحلف جديدة في المنطقة حيث برزت السيطرة
    الإيرانية على قرار كثير من الدول التي انتمت طائفيًا لإيران تحت عنوان المقاومة
    والممانعة، مع محاولة تقديم هذا النموذج على أنّه النموذج الناجح وأ نّه في صراع مع
    الصهاينة وأمريكا، وقد كانت حرب تموز 2006 المثال، في وقت كان التعاون
    الإيراني الأمريكي واضح المعالم في ذبح العراقيين وتخريب العراق، لا بل لم يتوان
    الرئيس الإيراني محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية
    والبرلمانية أن يعلن ذلك بكل وضوح: أن بلده “قدمت الكثير من العون للأمريكيين
    في حربيهم ضد أفغانستان والعراق”، ومؤكدًا أنه “لولا التعاون الإيراني لما سقطت
    كابول وبغداد بهذه السهولة” 1 .
    ثمة أحداث كما أسلفنا أدّ ت إلى تراجع العرب، في ظل غياب أي مشروع عربي
    ناهض، هذا الأمر أدّى إلى بروز مشروعين إقليميين المشروع التركي بقيادة حزب
    العدالة والتنمية 2 ، والمشروع الإيراني بقيادة المللي، وما بين المشرعين بأن الانقسام
    العربي أكثر وضوحًا.
    في هذه الدراسة سنستعرض:
    ثورات الربيع العربي، الواقع العربي بعد الثورات العربية، وأسباب تراجعها، وهل
    كانت وبالًا على المنطقة أم تمّ التآمر عليها؟ والثورة السورية أنموذجًا.

    ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية سنويًا بإمارة أبوظبي

    مساء الثلاثاء 15 / 1 / 2004
    2 تأسس الحزب في 14 من آب/ أغسطس من عام 2001 . وشكّلته مجموعة من الأعضاء السابقين في حزب الفضيلة، حيث بلغ
    عدد الأعضاء المؤسسين 63 بقيادة رجب طيب أردوغان ورفيقه عبد الله غُل، ووصل للحكم 2002 دخل الحزب الانتخابات
    البرلمانية عام 2002 ، وحصد 363 مقعدًا من أصل 550

    موقف الولايات المتحدة من الربيع العربي، والثورات المضادة ونختم برؤية مستقبلية
    والتجديد الذي ننشده.
    ثورات الربيع العربي:
    مصطلح الربيع العربي، جاء عقب تفجر الثورات العربية ضد أنظمة الحكم، وقد بدأت
    هذه الثورات بالثورة التونسية ضد نظام الرئيس زين العابدين بن علي، بعد حادثة
    البوعزيزي الشهيرة، بدأت الثورة التونسية أو ثورة الياسمين كما عُرفت في 17
    ديسمبر كانون الأول 2010 ، أو كما تعرف ثورة 14 جانفي، حتى 14 يناير 2011
    حيث هروب بن علي، ثم جاءت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 حتى الإطاحة
    بمبارك 11 فبراير 2011 ، ثم توالت الثورات في ليبيا، واليمن، وسورية، إضافة إلى
    احتجاجات في عمان، والجزائر، والعراق، والبحرين، وإن كانت أحداث البحرين
    أخذت سمة طائفية، من خلل التدخل الإيراني في شؤون البحرين الداخلية.
    لا أحد يعرف من أوجد هذا المصطلح، ولكنه بالقطع جاء على ألسنة المسؤولين
    الأمريكيين، ثم ذُكر من قبل الرئيس أوباما، ومن قبل وزيرة خارجيته آنذاك هيلري
    كلنتون.
    ولعل استخدام مصطلح “الربيع العربي” في سياق تاريخي، ميَّزه الحرق والموت في
    المُنطلَق، آ ت من اقتباسه من بِيئات حضارية أخرى، وليس أصيلً مستمَدّا من أجواء
    المنطقة العربية التي كانت، آنئ ذ، تفور وتغلي بالاحتجاجات والتقتيل. فلو كان عربيّ
    المنشأ، لكان – ربما – من المُسْتحسَن وصْفه ب “الشتاء” مثلً ، أو ب “الخريف
    العربي”! إن هذا المصطلح، كما يؤكّد الكاتب الفِلسطيني خيري منصور، “استُعير من
    أدبيات الحراك الأوروبي في القرن 19 ، وبالتحديد عام 1848 ؛ العام الحاسم في تاريخ
    القارّة، والذي صدر فيه البيان الشيوعي الماركسي. والمرة الثانية التي استُخدم فيها
    مصطلح “الربيع” كانت عام 1968 في براغ عندما دخل الجيش السوفييتي إلى غُرف
    النوم كما يقول أحد مؤرِّخي الحدث )ربيع براغ(“. ويرى الكاتب العراقي محمد عبد
    الشفيع عيسى أن مصطلح “الربيع العربي” ) Arab spring ( ذو مرجعية غربية،
    أطلقته وسائل الإعلم والدوائر السياسية في الغرب على الحَراك الجماهيري الذي
    عرفته المنطقة العربية، منذ اندلاع أحداث تونس التي أطاحت بنظام زين العابدين بن
    علي في يناير 2011 ، استلهامً ا ممّا حدث في أوربا الشرقية بعد سقوط الاتحاد

    السوفياتي 3 .

    فريد أمعضشوا، الربيع العربي. قراءة في المفهوم والمصطلح، موقع ناظور سيتي، الموقع على الانترنت.
    http://nador.nadorcity.com

    وقد كثرت التساؤلات والتحليلت عن أسباب الثورات العربية، وكأن الشعب العربي
    لا ينتمي لأعظم حضارة عرفتها البشرية، فهذه الأمة التي شرفها الله بالإسلم مدت
    نفوذها في وقت قصير على مشارق العالم القديم ومغاربه، وتوالت الرايات التي قادت
    هذه الأمة، وتعددت العواصم الإسلمية التي تقود العالم، ولعل المئة سنة الأخيرة
    تمثلت في دخول هذه الأمة في نفق مظلم، فتعددت الشعارات والتسميات وتاه أبناؤها
    في معرفة سبل الخروج من هذا الضياع.
    “فالانفجار الثوري الذي عاشته المنطقة العربية في عام 2011 ، لم يكن نتيجة نزوة
    عابرة، فالشباب انفجروا لأن الدولة العربية -دولة ما بعد الاستقلل- والنظام الإقليمي
    -نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى-، كلهما وصل إلى نهاية الطريق؛ سواء على
    مستوى الشرعية أو الاستجابة لطموحات وآمال الشعوب” .4
    كانت حادثة )البوعزيزي في تونس( تعبيرً ا رمز يًا يختصر الواقع العربي، البوعزيزي
    يمثل الشباب العربي الذين رفضهم سوق العمل بعد نهاية المرحلة الجامعية، وعربة
    البوعزيزي المنفلتة من الضرائب والرسوم، والمتنقلة هنا وهناك لتحط في مكان
    تزدحم فيه الأقدام بغية كسب لقمة العيش خير تعبير عن الأزمة التي تعيشها
    المجتمعات العربية في إهدار الطاقات الشبابية، وغياب التنمية، وتلك الشرطية
    المتعجرفة التي تنظر إلى الناس على أنهم دون مستوى البشر، فتقيم قانون النظام
    وتعمد لتطبيقه بالصفع والإهانة، فأجهزة الأمن غدت أداة من أدوات القمع التي تسلطها
    الأنظمة على الشعوب واضعة هذه الأدوات فوق القانون… ليجد البوعزيزي )المواطن
    العربي المقهور( نفسه في مواجهة الظلم الاجتماعي والحرمان )السلطة( ويقف وجها
    لوجه مع أداة من أدوات القمع لدى النظام )رجل الأمن( فما كان منه إلا أن يرد شي ئًا
    لكرامته التي أهدرتها السلطة بظلمها والتضييق على رزقه فأشعل النيران في
    جسده…! فكانت شرارة الثورة التونسية التي جعلت بن علي يفر هار بًا من تونس،
    ليسقط الزعيم الأوحد، والحزب الواحد، وتنهار منظومة الفساد )زواج السلطة
    والثروة( عبر أسر صنعها النظام، لتعم هذه النار الأقطار العربية الواحد تلو الآخر
    لتشابه الظروف التي يعيشها الشعب العربي وكلها تتوق لسقوط هذه الأنظمة، وتتولى
    هي صناعة نظم أخرى تتمثل أولا في كرامة الإنسان، وثانيا في تحطيم صنم العبودية
    لشخص يبقى يتحكم في الناس حتى يقبض الله روحه، وأخيرا في إيجاد مبدأ المساواة
    بين المواطنين وإرساء مبدأ المواطنة عبر دستور يصوغه الشعب لا يفرض عليه،
    يرسي مبدأ فصل السلطات وتداول السلطة.

    4 د. بشير نافع، هل مات الربيع العربي؟ موقع المسلم.

    نخلص مما تقدم أن مصطلح )الربيع العربي( مصطلح غربي، شاع استخدامه في
    الإعلم، حتى أصبح مراد فًا للثورات العربية، وهناك من رفض هذا المصطلح، وهناك
    من رأى أن هذه المصطلح يدل على أن ما حصل في البلد العربية لا يرقى إلى
    الثورة بل انتفاضات ذات عمر قصير كحال فصل الربيع في البلد العربية.
    وبقطع النظر عن التسميات والمصطلحات فإن الحالة العربية كانت تشي بأن ثمة
    تغييرً ا قادمً ا “تعددت المسميات التي استخدمت لوصف الأحداث والتطورات الجارية
    في العالم العربي بين من وصفها بالثورات والحركات الاحتجاجية والمظاهرات
    المطالبة بالديمقراطية، وبين من أطلق عليها الربيع العربي والتمرد وحركة 25 يناير
    في الحالة المصرية، ولكن ولا واحدة من تلك المسميات تنطبق بالدقة نفسها على
    جميع الانتفاضات العربية بالنظر إلى تباينها واختلف طبيعتها من بلد إلى آخر ومن
    ثم صعوبة إدراجها تحت يافطة واحدة، وذلك رغم الحقيقة التي لا مراء فيها وهي أن
    الثورات العربية تشترك في أسباب عميقة مؤدية لاندلاعها ومتمثلة في إحباط بعض
    الشعوب من غياب الديمقراطية وحرمانها من حقوقها الأساسية ومن حرياتها الفردية،
    بالإضافة إلى تدهور الظروف المعيشية وتنامي الفساد وانعدام العدل الاجتماعي. 5
    الواقع العربي بعد الثورات العربية:
    كانت الثورة أو التغيير في ظل عالم عربي تحكمه أنظمة متشابهة في الظلم والاستبداد
    ضربًا من الخيال، ولم يكن أكثر المتفائلين بذلك يتخيل أن ثمة ثورات شعبية يمكن أن
    تغير البناء الرسمي العربي، فقد كانت الثورة قبل ذلك انقلبات عسكرية نحت لها
    الضباط الأحرار في مصر مصطلح ثورة، فسار على دربهم بقية العسكر في انقلبات
    سورية والعراق وليبيا واليمن، ولهذا كانت الثورات العربية في واقعها الثورة الأولى
    التي يمارسها الشعب بعيدًا عن قوة أدّعت يومًا أنّ انقلباتها كانت ثورات لأجل الشعب
    فإذا بها أكثر استبدادًا وظلمًا من الأنظمة التي انقلبوا عليها، بل إن لغة الأرقام أثبتت
    أن الأنظمة التي كانت توسم بالرجعية والتخلف كانت أكثر تطورًا وعدلًا !
    وقد غيّرت الثورات المضادة التي قامت على الثورات العربية الكثير من المفاهيم بل
    ربما أزالت حجبًا كانت تغطي أعين الشعوب، ومنها العلقة مع الجيوش وهل هذه
    الجيوش لحماية الأوطان أم لتكريس الانقسام والحفاظ على أمن الصهاينة ومنع تطور
    البلد؟ لا بل شكّلت الثورات المضادة ولا سيما ما حصل في 30 يونيو 2013 في

    5 عادل الصفتي، الربيع العربي ماذا يعني، العربية نت، 5 أغسطس 2011 ، الموقع على الانترنت:
    http://www.alarabiya.net/views/2011/08/05/160884.html

    مصر وما جرّته من ويلت على البلد لعل أبسطها دكتاتورية بات نظام مبارك الذي
    قامت عليه ثورة 25 يناير بكل ما يحمل من فساد وتبعية قمةً في الحرية والكرامة!
    ولما جاءت رياح التغيير للسودان 6 ، ولم تنته بخلع البشير بانقلب على شاكلة ما
    حصل في مصر وليس ببعيد عنه ما حصل في الجزائر، فقد تنبه المنتفضون إلى أنّ
    إعادة السيناريو المصري يعني الانتقال إلى وضع أكثر سوءًا وتحت مسمى ثورة،
    أحداث الأيام الماضية في الجزائر والسودان تدل على أن شعوبنا العربية بالغة الذكاء،
    وعلى مستوى عا ل من الوعي، فما حدث يؤكد على أن محاولات الالتفاف على مطالب
    الناس والاكتفاء بالتغيير الشكلي، لم تنجح ولن تنجح على الأغلب، كما أن الجديد في
    موجة عام 2019 قد انقشعت عن الشارع العربي، إذ طوال » فوبيا سوريا « هو أن
    السنوات الثماني الماضية كانت بعض الدول العربية، تمول الحرب في سوريا، وفور
    وقوع المجازر تنقل على الهواء مباشرة الصور والأحداث، ومن ثم تقول لشعوبها إما
    هذا جزاء التغيير، وأن القبول بالأمر الواقع أفضل من « بشكل مباشر أو ضمني، بأن
    الموت على الطريقة السورية 7 حيث ترى المراسلة بيل ترو في مقال رأي نشرته
    البريطانية أنَّ السودان ربما يواجه مصيرًا مشابهًا لمصر، » الإندبندنت « صحيفة
    بحسب بيل، فقد خيَّم شبح التجربة المصرية الدامية على السودان أثناء موجة التهنئة
    المفاجئة التي اجتاحته، عندما تمكن المتظاهرون من إطاحة عمر البشير في أبريل
    الماضي. فل يمكن لإطاحة رج ل واحد أن تقتلع الجذور الراسخة والمعقدة لهيكل
    الجيش وجهاز الأمن، ومن الصعب كبح جماح هذا الجهاز الأمني، في ضوء التدخل
    الشديد من جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتين لديهما
    مصالح راسخة في السودان .8
    حين قامت ثورات الربيع العربي، كانت كل شعب يظن أنّه ثار ضد نظام حكم محلي
    يمكن أن يغيره بوصف الشعب مصدرًا للسلطات، ولكنه اصطدم بحقيقة أخرى، أن
    الثورة كانت ضد نظا م رسمي عربي قد تمّ بناؤه بإحكام، ولعل جامعة الدول العربية
    تشكل كلمة السرّ في هذا البناء الذي كان في واقعه مشروعٌ بريطاني كرّس واقع
    التفرقة والتمزيق العربي، وسمح لكيانات لم تصل بعد لمفهوم الدولة الحديثة أن تصبح
    واقعًا سياسيًا داخل هذه المنظومة، لقد كانت ثورات الربيع العربي مؤشرً ا صارخً ا
    على وصول النموذج الاستبدادي إلى حده الأقصى، بمعنى أنه صار غير قابل للتجدد

    بدأ الحراك الشعبي في 19 – 12 – 2018 ، وتمّ خلع البشير في 11 – 4 – 2019
    7 محمد عايش، الثورات المضادة ستفشل هذه المرة، صحيفة القدس العربي 15 – 4 – 2019
    8 ساسة بوست: ثورة مضادة من الخليج.. هل تقترب ثورة السودان من السيناريو المصري فعلًا؟ 13 يونيو، 2019 مقال مترجم.

    ولا للبقاء، وهو ما يفسر سقوط كل الأنظمة المشمولة برياح التغيير وتأزم وضع البقية
    الباقية، ودليل على وصول البناء السياسي الرسمي العربي إلى نهايته. 9
    الثورة السورية:
    يقول باتريك سيل: إنّ من يحوز على سورية فقد بات يتحكم في المنطقة، من هذه
    الحقيقة يمكن أن نبدأ فهم أو مقاربة فهم الحالة السورية قبل الثورة، ومن ثم طول مدة
    الثورة، والدمار الحاصل، والصمت الدولي المطبق عن جرائم النظام، وتحويل مجرى
    الصراع من صراع شعب مظلوم ضد نظام مجرم إلى صراع نظام ديكتاتوري مع
    جماعات إرهابية!
    فسورية التي سيطر عليها حافظ أسد بعد انقلب 16 – 12 – 1970 كانت تحت حكم
    طائفي يتغلف بالشعارات القومية لحزب البعث، وقد ارتكب فيها النظام مجازر يندى
    لها الجبين، وعمل نظام حافظ أسد على فرز مجتمعي، أو ما يمكن تسميته بالموالاة،
    وهم المواطنون، ومن يخالف فهم خائنون لا وطنيون، لهم السجون والمنافي، والقبور.
    أو كما يصف ذلك د. غازي التوبة:
    ونستطيع أن نقرر بكل وضوح ودقة بأن سورية أصبحت قسمين:

    الأول: قلة من الناس تملك كل شيء وهم آل الأسد ومن حولهم نهبوا كل خيرات
    ومقدرات سورية. والثاني: وهم معظم الشعب لا يملكون ولا يجدون قوتهم وهم في
    فقر مدقع، ما أدى إلى ضيق الشعب وانفجاره، وكان هذا العامل الاقتصادي هو أحد
    2011/03/15 العوامل التي فجرت الثورة في

    لقد أدى الظلم المتراكم الذي استهدف الشخصية السورية، ومحاولة مسخها إلى فعل
    عكسي تبدى ذلك واضحً ا في الثورة السورية، وصراع السوري لعدم القبول بأنصاف
    الحلول، وأن التوقف في منتصف الطريق يعني العودة إلى الظلم الذي عانى منه عقودً ا
    طويلة.
    “إن أحساس الإنسان بقيمته الذاتية ومطالبته بالاعتراف به ظل إلى الآن يمثل مصدرً ا
    للفضائل النبيلة، مثل الكرامة والشجاعة والشهامة، كأساس لمقاومة الطغيان وكسبب
    لاختيار الديمقراطية الحرة”. 11

    د. محمد هنيد، حصار قطر ونهاية النظام الرسمي العربي، موقع الجزيرة نت.
    10 – د. غازي التوبة، الثورة السورية: الأسباب والتطورات، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، لندن.
    11 فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ، ترجمة وتعليق د. حسين الشيخ، دار العلوم العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص 206

    هذا الظلم الذي أدى إلى تدن بكل مستويات الحياة في سورية، والأرقام التي يمكن أن
    نعود إليها قبيل الثورة بقليل نجد أن سورية متراجعة في كل شيء، وكذلك تتبوأ
    المراكز الأخيرة في حقوق الإنسان وحرية الصحافة، كذلك تتصدر الدول الأكثر
    فسادً ا، فقد أرجع التقرير الوطني الثاني عن الفقر وعدالة التوزيع إلى زيادة نسبة
    السكان الفقراء، فوفق تقديرات عام 2010 فإن حوالي 7 مليون نسمة ) 34,3 ( بالمئة
    من إجمالي السكان، أصبحوا تحت خط الفقر، في حين أن خبيرًا اقتصاد يًا قدره ب 37
    بالمئة في حال احتسبت عتبة الفقر بثلثة دولارات في اليوم، وب 52 بالمئة في حال
    انطلق الحساب من دولارين، وتوصل التقرير الوطني الثاني للسكان إلى أن معدل
    البطالة وصل إلى 16,5 بالمئة ) 3,7 مليون نسمة عام 2009 (، وقدرت البطالة
    بصورة غير رسمية ب 32 بالمئة ) 7 مليون نسمة عام 2009 ( وقد انخفضت قدرة
    الناس الشرائية بحوالي 28 بالمئة خلل الأعوام العشرة الماضية، وتدنت نسبة
    استهلك القوى العاملة ) 16 مليون سوري( إلى 24 بالمئة من الدخل الوطني.
    “أحس المواطن السوري بأنه لا كرامة ولا قيمة له، فهو معرض للعتقال دون أسباب
    تذكر، وإن اعتقل فل يعرف أحد في أي فرع قد اعتقل، وقد يبقى السنين الطوال ولا
    يراه أهله، ولا توجه له أية تهمة خلل سنين الاعتقال التي قد تمتد إلى عقد أو عقدين،
    ولا يقدم إلى أية محاكمة، وقد يتوفاه الله في السجن دون أن يعرف أهله حقيقة ذلك،
    وهذا الأمر قد حدث مع عشرات الآلاف من المواطنين السوريين، إن إحساس المواطن
    بأنه لا كرامة له عند هذا النظام، لذلك كان هذا الإحساس بانعدام الكرامة عاملً من
    العوامل التي دفعت المواطن إلى الثورة من أجل تثبيت حقه في الكرامة”. 12
    اندلعت الثورة السورية في 15 \ 3 \ 2011 حين فجر أطفال درعا طاقات الشعب
    السوري، بعد ذل طويل وحكم استبدادي وتحكم الطائفة الحاكمة والأسرة الفاسدة
    بموارده ورغباته عقودً ا طويلة، وكانت ثورة سلمية قابلها النظام بالرصاص والقتل،
    وهو يعزف على وتر الطائفية تارة والمندسين والإرهابيين والسلفيين تارة أخرى،
    حتى تمّ له عسكرتها، ولا يخفى على أحد تقلبات الثورة والتداخلت الإقليمية والدولية
    فيها، ومازالت مستمرة رغم ما تعرض له الشعب السوري، فالأرقام تتحدث عن
    مليون قتيل وسبعة مليين مهجر خارج البلد، وتدمير طال البنية التحتية للدولة
    السورية، وتدمير مدن كاملة، “بحسب دراسة لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث
    «UNITAR» ، أصدر دراسة مسحية للدمار الحاصل في 16 مدينة وبلدة في سورية،
    فإن أكثر المدن المتضررة من الحرب، هي حلب التي تعتبر ثاني أكبر المدن السورية

    12 – – د. غازي التوبة، الثورة السورية: الأسباب والتطورات، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، لندن.

    حيث وصل عدد المباني المدمرة فيها إلى نحو 36 ألف مبنى، تلتها الغوطة الشرقية
    في ريف دمشق ب 35 ألف مبنى مدمر .
    وجاءت في المرتبة الثالثة مدينة حمص التي تدمر فيها 13778 بناء، ثم الرقة 12781
    بناء مدمرً ا، ومن ثم حماة 6405 أبنية، ودير الزور 6405 أبنية، إضافة لمخيم
    اليرموك للجئين الفلسطينيين جنوب دمشق 5489 بناء”. 13
    الولايات المتحدة وثورات الربيع العربي:
    بدا الموقف العربي منقسمًا حول موقف الولايات المتحدة الأمريكية من ثورات الربيع
    العربي، فالأنظمة وأتباعها ومثقفوها ونخبها ادّعوا أن أمريكا دعمت هذه الثورات
    بغية تدمير العالم العربي، وأن تشيع فيها الفوضى الخلقة، والغاية تقسيم المقسّم وأنّ
    الربيع العربي مؤامرة أو كما يصفها أحد المدافعين عن الأنظمة العربية ويرى في
    الثورات ربيعًا عبريًا “الآن يتبادر في ذهنكم الكلم عن مؤامرة خارجية وما إلى
    آخره، وحقيقة الأمر لم يعد فينا أحد لا يعرف الدور التآمري لدول كبرى في منطقتنا
    خلل ثورات 2011 م” 14
    في حين كان لسان حال الثوّار العرب أن أمريكا وقفت ضد الثورات العربية، وأنها
    تعاملت بأسلوب خادع للثورات العربية التي لم تكن تعلم بها، وأنها تهدد البناء العربي
    الرسمي، ولذلك حرصت على إجهاض تلك الثورات، “أن الولايات المتحدة التي أجمع
    الكل على أنها تتبع سياسة النفاق السياسي بالمنطقة، أنها حاولت أن تحمل العصا من
    المنتصف في موقفها من التحولات الجارية بالمنطقة لتنظر إلى ما يمكن أن تؤول إليه
    الأمور، لتبدأ سياسة التقرب نحو ما يتجسد من مواقف نهائية على الأرض، وهذا ما
    تشهد عليه الأوضاع في مصر، فواشنطن بعد أن أيدت انتخاب مرسي الذي جاء في
    أعقاب الثورة ضد دكتاتورية مبارك انقلبت على مرسي وأيدت عزله بعد ذلك”. 15
    “هل كانت أمريكا وإسرائيل حاضرتين في هذا المخطط؟ لا نستطيع تأكيد ذلكَ ولكنَّ
    لا يستطيع أحد أن يدحضه. ولكنَّ بعض الدول العربية كانت حاضرةً بقوَّة في هذا
    المخطَّط، والدَّليل عَلى ذلكَ، إذا لم يكن لدينا أيُّ دلي ل، هو طريقة حضورها في المشهد
    المصري بعد فوز الإخوان. ولكنَّ الحقيقة التي كشف عنها وزير الدِّفاع
    تلقى مكالما ت شخصيَّة من عدد من زعماء دو ل « الأمريكي روبرت چيتس هي أنَّهُ

    13 معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث «UNITAR»
    14 فادي زغيب، بعد ثمانية أعوام من الربيع العبري كسينجر يصحح العدالة الإلهية بالشرق الأوسط، الموسوعة الجزائرية
    للدراسات السياسية والاستراتيجية.
    15 صحيفة الراية القطرية، جدل حول الموقف الأمريكي من ثورات الربيع العربي وتحولاتها ، 17 – 6 – 201

    خليجيَّ ة، وضغوطهم المبكرة لمنع الإطاحة بنظام مبارك، والحيلولة دون وصول
    الإسلميين للحكم”. 16
    يرى كثير من السياسيين أنّ الولايات المتحدة قد فوجئت بالثورات العربية، بل إنّها
    وضعت خططًا تجاه تلك الثورات بما يتناسب مع كل بلد، ففي الوقت الذي استطاعت
    الدولة العميقة أو دولة العسكر قيادة الثورة المضادة في مصر، فإن ذلك لم يكن متاحًا
    في سورية، لهذا دعمت النظام الطائفي، وسمحت لقوى إقليمية بالتدخل وقوى كبرى
    كذلك ثم صنعت حلفًا لحرب “داعش” في حين تركت النظام ومن معه بل مدّته بأسباب
    البقاء حين أبقت له الشرعية كنظام قائم، علمًا أنّه سقط بالشرعية الثورية بوصف
    الشعب مصدر السلطات، وقيام الائتلف واعتراف 125 دولة به ممثلً شرعيًا وحيدًا
    كان يكفي لإنهاء وجود النظام بشكل قانوني وسياسي. ” قامت السياسة الأميركية على
    تحويل اتجاه هدف الثورة السورية من سقوط نظام الأقلية الطائفي المستبد وإقامة دولة
    النظام الديمقراطي والمواطنة لكل السوريين إلى نزاع أهلي طائفي وحرب ضد
    التطرف والعنف والإرهاب؛ لدفع الشعب السوري إلى الموازنة بين الأمن وبين
    الفوضى والاضطراب في عهد الثورة، بغية إعادة إنتاج النظام من خلل قيام الإدارة
    الأميركية بالترويج والتسويق السياسي والدبلوماسي، والإعلمي للحل السياسي
    والتأكيد على استحالة الحل العسكري، والحسم من قبل طرف عبر الإصرار على
    تطبيق بيان جنيف 1 .” 17
    الثورات المضادة:
    كما أسلفنا فإن أمريكا لم تكن راغبة بالتغيير في العالم العربي، بل نستطيع أن نقول
    بكل ثقة – نتيجة الأحداث التي جرت – إن أمريكا تحارب الديمقراطية في العالم
    العربي، وتحرص على النظم المستبدة، كما تحارب التجارب النهضوية التي مرّت
    على المنطقة ومنها – العراق – فالديمقراطية تأتي بحاكم يستمد شرعيته من الشعب،
    وأمريكا تريد حكامًا شرعيتهم بمقدار رضاء عنهم.
    هددت الثورات العربية – كما أسلفنا – البناء الرسمي العربي، وهذا يعني أن خللً
    سيحصل في هذا البناء المحكم، وأن وجود إسرائيل بات مهددًا بالبقاء، فانتقلت إلى
    أمرين:

    16د. عزت السيد أحمد، خنقوا مرسي ليخنقوا الأمل في أول الطريق، موقع رسالة بوست 19 – 6 – 2019
    17 د. قصي غريب، السياسة الأميركية تجاه الثورة السورية، 23 – 2 – 2016 مركز الشرق العربي، لندن.

    الأول: العمل على الانقضاض على ثورات الربيع أو ما بات يُعرف بالثورات
    المضادة.
    والثاني: تحريك إيران لتعبث بالمنطقة وترتكب أبشع الجرائم مما يكسر الحاجز النفسي
    تجاه الصهاينة والذين سيبدون حمائم سلم أمام جرائم إيران، وتحويل الصراع مع
    الصهاينة إلى صراع سني شيعي، وصناعة تنافر مجتمعي سيؤدي إلى كانتونات
    طائفية ومذهبية هشّة في المنطقة.
    ويذهب عدد من الخبراء والسياسيين أنّ الثورة المضادة بدأت بعد سقوط الرؤوس
    الهشّة في الأنظمة القوية، وأنّ هذه الثورات المضادة كانت تتحين الفرصة فقط
    للنقضاض على الثورة وأن ثمة تمويلً قد تلقته تلك الفئات من أنظمة دعمت – فيما
    بعد – دموية تلك الثورات المضادة، ومنها نظام أبوظبي، “فقد دعمت إمارة أبوظبي
    مُبكرًا قوى الثورة المضادة في مصر وليبيا واليمن، علي سبيل المثال، من خلل
    الأذرع المالية والأمنية والعسكرية والسياسية للأنظمة التي ضربتها أمواج الثورات،
    حيث آوت عددًا هائلً من القيادات التابعة للنظام القديم بدول الثورات العربية، وشكّلت
    بشكل سريع غرف عمليات معقّدة لإجهاض تلك الثورات وضرب المسارات الانتقالية،
    وإعادة المنظومات القديمة إلى سدة الحكم”. 18
    وقد جاء الانقلب على الرئيس المنتخب محمد مرسي فاتحة للثورات المضادة، وقد
    اتخذ أسلوبًا خادعًا من حيث خلق أزمات كبيرة من قبل الدولة العميقة التي تسيطر
    على مفاصل الدولة المصرية، وشيطنة جماعة الإخوان المسلمين وتخويف الشعب
    المصري، وتصنيع منظمة مخابراتية تخفت تحت اسم تمرد تعمل على تهيئة الرأي
    العام لإسقاط حكم مدني منتخب مع ضخ إعلمي هائل عمل على صناعة فوبيا
    الإخوان وضياع الدولة المصرية على أيديهم. يرى الكثيرون وهمً ا أنَّ الانقلب عَلى
    حكم الإخوان، وإسقاط حكم الإخوان كانت نتيجة لإخفاقهم في السلطة، أو لكذبهم في
    وعودهم، أو لأنَّ محمد مرسي وعد بما سُمِّيَ خطة المئة يوم ولم ينجح فيها، أو بسبب
    الإعلن الدستوري، وقيل بسبب أخونة الدولة، كلُّ ذلكَ لا أساس له من الصِّحة، وما
    ذلكَ كلُّه إلا الأدوات الظاهرة للحقيقة المضمرة الجاهزة ساب قًا قبل نجاح الإخوان فيما
    لو نجح الإخوان في الوصول إلى السلطة. 19
    بل إنّ الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي رأى أن الثورات المضادة تُدار
    من غرفة واحدة أطلق عليها غرفة أبوظبي، وأنّ مهمتها العبث بكل مكان وصلت إليه

    18 د.ك جمال نصار ، أبو ظبي ودعم للثورة المضادة ، بوابة الشرق ، 11-4-2019.
    19 د. عزت سيد أحمد يخنق مرسي لقمع الأمل في بداية الطريق ، بريد إلكتروني ، 06/19/201

    الثورة “غرفة العمليات المضادة للربيع العربي في الإمارات تريد إيقاف كل ما له
    علقة بالربيع العربي، واتخذت قرارً ا استراتيج يًا على هذا الأساس، ووفرت الرجال
    والأموال لذلك. بالنسبة لهم يجب تعفين الوضع ومنع عودة التيار الثوري إلى الحكم،
    وهذه قرارات استراتيجية أعرفها وأنا واثق منها”. 20
    بدا جليًا أن محور – الرياض أبوظبي – يعمل على إجهاض الربيع العربي، خوفًا من
    انتقال عدوى التغيير إلى بلدهم، فضلً عن تأدية الدور الوظيفي الذي عُرف عن تلك
    الأنظمة في تحقيق رغبة أمريكا بإبقاء المنطقة كما تريد أو أن تجعل أهلها يتحسرون
    على أيام الاستبداد التي ثاروا عليها.
    وهذا الأمر بات ينطبق على كل دول الثورات حيث التدخل الإماراتي السعودي، وإن
    بدا الإماراتي أكثر وضوحًا، وبغية ألا تمتد الثورات إليهم ولكي يجعلوا من شعوب
    الثورات عبرةً لشعوبهم ولهذا أطالوا عمر مأساة الشعب السوري، “كانت الأنظمة
    العربية طوال السنوات الثماني الماضية تتهافت على أخبار المجازر والدم في سوريا،
    إذ كانت دماء أطفال سوريا تهبط بردً ا وسلمً ا على حكام العرب، لأن تلك الدماء هي
    الطريقة الوحيدة لتخويف الشعوب من التغيير”. 21
    ولم يتوقف الأمر على إجهاض الثورات العربية بل وصل الأمر إلى حر ب خفية تارةً
    علنية تارةً أخرى طالت الدول التي تعاطفت مع الثورات العربية، وكادت تلك الدولة
    أن تفقد استقللها، كما حصل لحصار قطر وكاد أن يتطور إلى غزو من جوارها، أو
    أن تتعرض لاحتراب مجتمعي داخلي يهدد وحدتها السياسية وهو ما حصل لتركيا من
    انقلب فاشل، ومن ثم حرب اقتصادية طالت الليرة التركية والاقتصاد التركي بشكل
    عام، وهو الاقتصاد الأسرع نموًا في العالم بعد الصين، ويحتل المركز السابع عشر
    عالميًا كقوة اقتصادية.
    رؤية مستقبلية، والتجديد المطلوب:
    لقد أدّت الأحداث الدامية بُعيد الثورات العربية أو تحويل الربيع العربي إلى جحيم إلى
    بروز أنماط جديد من التفكير، تحتاج دراسا ت معمقة مستقبلً لفهم تلك الأفكار وإلى
    ماذا ستؤدي، فقد تمّ إبّان الثورات ظهور عدة مصطلحات ربما أنّها كانت خاصة
    بالنخب الفكرية لكنها تحوّلت لمصطلحات يتداولها الناس بفهم أو دون فهم، وربما أنّ
    كثيرًا منها قد تم قولبته وتنميطه بحيث ترتسم صورةٌ ما في ذهنية من يسمع به، ومن

    – الرئيس المنصف المرزوقي: الإمارات غرفة عمليات أفشلت الربيع العربي وأراقت الدم التونسي، موقع ليبيا المختار الإخباري.
    21 محمد عايش، ستفشل هذه المرّة، القدس العربي، 15 – 4 – 201

    هذه المصطلحات الأسلمة والعلمنة، والدولة المدنية، والدولة الدينية، والإسلم
    السياسي.
    وقد جاءت كما ذكرنا نتيجة الأحداث التي رافقت الثورات العربية، فقد قامت الثورات
    ضد الاستبداد والأنظمة الفاسدة، وكانت تنشد بناء دولة العدل والكرامة والحرية،
    ولكن تمّ تشتيت الرأي العام بشكل الدولة ونظامها وحقوق الأقليات وواقع المرأة،
    وكثير من القضايا التي كان يمكن أن تختزل بأمر واحد وهو: إسقاط الاستبداد أولًا .
    وهنا لن نخوض بتعريف تلك المصطلحات، وصوابية بعضها وضبابية بعضها الآخر،
    ولكن سنتحدث عن المستقبل الذي ننشده للمنطقة العربية.
    قد يبدو المستقبل غير مبش ر قياسًا بحجم الدمار الذي حلّ بالمنطقة، والتنازع المجتمعي
    الذي حصل والذي شكّل بطريقة أو أخرى مجتمعات أو كانتونات مجتمعية داخل
    الدولة، مما أثّر على النسيج المجتمعي أو أدّى إلى تهتكه في وصف أدق، وهذا يعني
    ليس زوال الوطنية بل زوال المواطنة، وهي حلم سعت إليه بعض النخب العربية،
    وحاولت أن تطبقه على الأرض فاصطدمت بمواطنة من نوع آخر، هي مواطنة
    الدكتاتور حيث يحدد فيها المواطن الصالح من المواطن الفاسد “إن مقياس الولاء في
    معظم أرجاء الوطن العربي هو الولاء لشخص الحاكم بكل ما هو عليه، ولهذا كثر
    عندنا الانتهازيون والمتسلقون والمنافقون والإمعات، وتباعد أو أُبعِ د أصحاب الرأي
    الذين يرفضون أن يكون دورهم في تسيير أمور أمتهم هو دور المصفق والمكبر
    والباصم، ومن المؤلم ح قًا أنّ أصحاب الرأي هؤلاء هم دائمً ا أول ضحايا معظم
    الانقلبات التي وقعت في الوطن العربي، ولا أظن أن سجو نًا ضمّ ت هذا العدد الضخم
    من المفكرين والمخلصين لوطنهم مثل ما ضمته السجون العربية على مدى نصف
    القرن الماضي. فالانقلبيون يخافون دائمً ا حرية الرأي، ويخافون الفكر، ولهذا أقفرت
    ديارنا من الكلمة الحرة الشجاعة إلا ما ندر”. 22
    وقد أدّى تراجع الربيع العربي أو لنقل القضاء على موجته الأولى لقناعة راسخة لدى
    غالبية المفكرين العرب أن ثمة موجة ثورية قادمة ستنهي الثورات المضادة، وقد
    تكون تلك الثورات في قلب الدول التي دعمت وموّلت الثورات المضادة.
    بغية صرف الأنظار عن الواقع المزري الذي عاشه المواطن العربي، وتحطيم الذي
    المستقبل الذي كان يحلم به بعد موجة الثورات المضادة، فقد ترافق مع الانقلب الذي
    حصل على أضخم الثورات، الثورة المصرية بروز مجموعة من الأفكار، التي جاءت
    تحت مسمى التجديد لم تكن طبيعية ولم يكن نتيجة ظروف قاهرة عاشها المواطن، بل

    22 د. أنيس قاسم، تأملت في الاحتللين الصليبي والصهيوني – ص 16 ، الدار العربية للكتاب – ليبيا تونس ط 1 ، ١٩٧٥

    كانت تخيف المواطن من أمور صنعها النظام الجديد أو لنقل كان الغرض منها تشتيت الرأي العام عن عودة الديكتاتورية، واستخدم التنظيم المشبوه “داعش” فزاعة للتخويف من الإسلم. مصطلح التجديد، وقد استخدم هذا المصطلح تحديدً ا في الدين الإسلمي، وضرورة العمل على ذلك وقد جاء بعدة أسماء وصفات براقة كالتنوير، والإصلح، وتجديد الخطاب الديني، وقد فُهم المصطلح عند غالبية من تصدّى لهذه القضية على أساس نسف الدين أو التغيير في الثوابت علمًا أنّ مصطلح التجديد هو مصطلح إسلمي، ويعني إعادة النضارة للقديم، وليس نسف القديم، حين تتوقف أمام موجة )التجديد( لا تقف أمام الظاهرة فحسب، بل أمام غالبية الشخوص المتصدين لهذه الدعوة بتقديم أنفسهم حاملين لها، فهي )أي الدعوة إلى التجديد( صحية إن قامت على أسس صحيحة، فل بدّ من تطورات تحدث في حياة الناس، ولكن الملفت أن غالبية من يتصدى لمشروع التجديد يعانون ضع فًا على مستوى العلم، وتذبذ بًا في العقيدة، وخللً على مستوى المنهج، ويستخدمون الاستشهاد في غير موضعه سواء على مستوى النص الديني، أو النص البشري، والأغرب في كثير من الحالات تجد عندهم سوء فهم للغة العربية من حيث المفردة أو الجملة، وهنا يكون التوظيف أقرب إلى لي عنق النص، على المستويين اللذين أشرنا إليهما، أما الكارثة التي تجمع كل هؤلاء فهي السعي الحثيث لإرضاء الآخر، ومحاولة تقديم إسلم يتناسب مع القيم الغربية، دون أن يقتربوا من مشكلتها أو حتى التعرض للنصوص الدينية لدى الآخر التي تدعو لمحو كل مخالف، بل يقفزون عليها ويقدمون تجارب البشر كأنموذج يحتذى في التجديد، متناسين أن كل هؤلاء يعملون مجتمعين للحفاظ على هوية الغرب المسيحية، وقد تعالت أصوات تدعو إلى علمنة الإسلم أو لبلرته كما حصل سابقًا عندما ظهرت دعوات لمركسة الإسلم، فسقطت الماركسية وبقي الإسلم “وحين أفلس الماركسيون ادّعوا أنّ ثمة حلفًا وروابطًا بينهم وبين الإسلم، كما فعل خالد محي الدين حين كتب مقالًا مطولًا في روزا اليوسف: ولماذا لا نضيف للماركسية بعدًا روحيًا؟”. 23 ومازالت الدعوات تتوسع في طلباتها حتى وصل الأمر إلى إنكار السنة والإبقاء على القرآن الكريم، ومن ثمة تفسير القرآن وفق الأهواء تحت عنوان فهم عصري للقرآن! والمتتبع لهذه القضية يجد أنّ ثمة جها ت خارجية تدعم هذا التوجه وعلى رأسها مؤسسة “راند” الأمريكية التي تسعى لصناعة إسل م جديد بات يعرف بين كثير من المفكرين الإسلميين بالإسلم الأمريكاني 24 “وأن تعتمد على الخبرات السابقة أثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وأن تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة التيار

    ينظر، د. مصطفى محمود، لماذا رفضت الماركسية
    24 أول من استخدم هذا المصطلح، كان سيد قطب في 1952 كتابه دراسات إسلمية وقد ورد هذا المصطلح في الصفحة 119
    الأمريكان وحلفائهم إذن؛ يريدون للشرق الأوسط إسلمًا أمريكانيًا.

    الإسلمي المعاصر عن طريق دعم قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني
    والليبرالي والعصراني في العالم الإسلمي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات
    لأفكار وأطروحات التيارات الإسلمية التي يصنفها التقرير بالمجمل بأ نّها )تيارات
    متطرفة( كما يؤكد التقرير على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم
    أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلمية” 25 وقد استعين بنموذج “داعش” لتخويف
    الناس من الإسلم وقد تم دمج مصطلحات متنافرة من حيث المعنى كالفاشية الدينية
    والاستبداد الديني، وهذا مخالف لروح الإسلم ومنهجه “ولأن الإسلم دينٌ يؤمن بالله،
    ولا يقرّ بالمذهبية المغلقة ولا بسلطة “الإكليروس” رجال الدين، فإن الإسلم لا يمكن
    أن يتحول إلى نظام دكتاتوري مستبد، ومن ثمة فل مجال فيه لمحاكم التفتيش
    والاضطهاد أو الإرهاب الروحي”. 26
    لقد تمخضت الأحداث عن أم ر جلل يكمن في أنّ ثمة تصحّرًا سياسيًا عانى منه الشعب
    العربي ما أدى إلى أن تكون ثوراته الشعبية دون رأس ودون قيادة، وحين ثار على
    الاستبداد لم تكن الأحزاب التقليدية حاضرة في ثورته ولا في وجدانه، بل نظر إلى
    أن المعارضات هي ديكور يصنعه الحاكم المستبد الذي يستمد شرعيته من القوى
    العظمى وليس من شعبه كي تلعب تلك المعارضات دور “المحلل” للحاكم المستبد
    حالها كحال البرلمانات التي يتم تعيين أعضائها بموافقات أمنية، ولها مهام التصفيق
    وتبرير ما يريده النظام.
    فضلً عن التجريف المعرفي الذي تعرضت له هذه الشعوب، واختلط لديها مفهوم
    الدولة بالنظام، والنظام بالحاكم، ولم تعد تميز بين الحكومة والدولة.
    حيث تحرصُ النظمُ الدكتاتورية على جعل المواطنين في صراع طبقي واجتماعي،
    حيث يبتلعُ النظامُ الدولةَ، ويشيعُ وهمً ا بين الناس أ نّه الضامنُ لبقائها، وأنّ غيابه يعني
    الفوضى أو الصراع أو الاحتراب المجتمعي أو التقسيم! ولهذا تغيبُ ثقافةُ المواطنة
    لتحل مكانها ثقافةٌ أخرى تسمى )وطنية الدكتاتور( وأنّ أسوأ ما تخشاه تلك الأنظمة
    هو الوعي الذي يقودُ إلى الفصلِ بين النظامِ والدولة، وإشاعة ثقافة المواطنة .
    ولعل هذا الواقع قد ساهم في تقويض الثورات العربية وعدم السماح لها بأن تبني دولًا
    نموذجية، حيث غاب الحامل الحقيقي لها وهي النخب الفكرية والسياسية، حيث تبين
    أنّ كثيرًا من النخب كانت نخب أنظمة بعد كان يظنها الناس أنّها نخب اجتماعية أو
    شعبية!

    سوسن الزعبي، مؤسسة راند وصناعة إسلم معاصر، موقع رسالة بوست، بحوث ودراسات 18 – 6 – 2019
    26 علي عزت بيجوفيتش، الإعلن الإسلمي، ترجمة محمد يوسف عدس، مكتبة البخاري للنشر والتوزيع القاهرة ط 1 ص 108

    لكن هذه المآسي التي حلّت بشعوب الثورات قد صنعت وعيًا جديدًا، وهذا ما يبشر
    بثورة أخرى هي الثورة الحقيقية المنتظرة، فالثورة كانت موجةً ثورية أولى بعد أن
    فهمت الشعوب الواقع جيدًا، وبدأ يتشكل تيار جديد أو لنقل تلتقي على أفكار جديدة،
    ومنها دور الأنظمة الوظيفية في تثبيت البناء الرسمي العربي، والجيوش المكلفة بسحق
    الشعوب ونهب خيراتها، وحماية الكيان الصهيوني، كذلك الدور الإيراني في المنطقة
    الذي تبيّن أنّها – أي إيران – ذرا ع خشن لأمريكا ولها دورٌ خطير في المنطقة لاسيما
    في القتل والتدمير والتهجير وكسر الحاجز النفسي بين العرب والصهاينة، وتحويل
    وجهة الصراع من صراع مع الصهاينة إلى صراع سني شيعي، أو صراع عربي
    فارسي!
    ولهذا لابدّ من القول: إننا أمام مرحلة تخطّت فيها الأحزاب التقليدية، وباتت بحاجة
    لأفكار سياسية جديدة ومراجعات مختلفة، وأن ننظر بعين الاعتبار لتجربة نجم الدين
    أربكان فقد غيّر اسم حزبه أربع مرات ولم يجمد عند اسم الحزب أو يعدّ الحزب غاية
    بل وسيلة، وأن نبتعد عن الخصومة التقليدية بين الأحزاب القومية والأحزاب
    الإسلمية، فقد كان اجتثاث الفكر القومي في العراق مطلبًا إيرانيًا وغايةً أمريكية، وقد
    كان اقتلع الإخوان في مصر مطلبًا صهيونيًا أمريكيًا، وهذا يعني أنّ الفكرين أو
    التيارين هما الأضخم في عالمنا العربي، ويمكن أن يلتقيا برؤية جديدة، وربما في
    تحالف كما يحصل الآن بين الحركة القومية في تركيا وحزب العدالة والتنمية، كما
    أن مفهوم الدولة الوطنية يجب ألاّ يبقى ضبابيًا في التيارين أو ربما عدميًا عند بعض
    منتسبي التيارين، ولابدّ من البحث عن الدولة النموذج التي تكون جاذبة لتحقيق فضاء
    عربي أو عربي إسلمي على غرار الاتحاد الأوربي مع الحفاظ على مرتكزات الدولة
    الوطنية.

    LEAVE A REPLY

    Please enter your comment!
    Please enter your name here

    أحدث الأخبار

    More Articles Like This

    ArabicEnglishSpanish