بالنظر للنتائج الدورية لترتيب جامعاتنا العربية و تأخرها عن نظيراتها الغربية، الأكيد أن قطاع التعليم العالي في بلادنا العربية يحتاج لإصلاحات في أغلبها و تعزيز الإصلاحات في بعضها. وبميزانيات تعتمد رأسا في أغلبها على ميزانيات الحكومات أو من الميزانية العامة- على اختلاف نسبها من دولة لأخرى-، الأكيد أنه يشكل عبئا ماليا على الخزائن العامة، خاصة في ظل الأزمات الراهنة التي تمر بها الدول العربية، وسياسة ترشيد النفقات والتقشف التي تنتهجها أغلب الحكومات.   وبطبيعة الحال، استراتيجية إصلاح منظومة التعليم العالي في بلادنا العربية عملية جد معقدة، قد تبدأ من إعادة صياغة الترسانة القانونية المسيرة للقطاع، وصولاً إلى تحيين وتطوير برامج ومقررات التدريس، مرورًا بإعادة هيكلة العلاقة المتبادلة مع الشركاء الداخليين والمحيط الخارجي على حدٍ سواء…الخ.   ولعل أهم ملف في القضية يطرح نفسه بقوة، ضمن المرحلة الراهنة التي نعيشها، هو : تمويل القطاع.   والتجارب الدولية كثيرة في حقل إصلاح منظمات التعليم العالي ودمجها في مشروع التنمية الاقتصادية، والتجربة الصينية من أهم تلك التجارب الرائدة. التي نعتقد أن أهم ما بنيت عليه، هو : تحويل الجامعة إلى مؤسسة علمية عمومية مستقلة ذات طابع اقتصادي. وهي الفكرة التي أعتقد أنها مهمة جدًا بالنسبة لبلداننا العربية، خاصة في ظل الظرف الراهن.   ثمانينيات القرن الماضي، قررت الحكومة الصينية، تطبيق مبدأ استقلالية الجامعة، وتحويلها إلى مؤسسة علمية عمومية ذات طابع اقتصادي، ترتكز في جزء كبير جداً من إدارتهاالتسييرية والبيداغوجية، على تفاعلها مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي الذي تنشط فيه. وتقدم له أصولها ومخرجات العلمية والتكنولوجية كسلع بما يلبي احتياجاته، وهو ما قلص بشكل كبير تبعية تمويلها للخزينة العمومية.   ففي الصين كان الطرح واضحاَ، أكثر من 16 ألف مؤسسة تعليم عالٍ ، لا يمكن أن تكون تحت الوصاية الكاملة للدولة، خاصة من ناحية التمويل. ومنظومة جامعية في دولة بها أكثر من 1.5 مليار نسمة يقطنون حوالي 10 مليون كلم²، ومتوزعين على أكثر من 22 مقاطعة (كل مقاطعة بحجم دولة)، ومقسمين لأكثر من 56 مجموعة عرقية، لا يمكن أن تكون مقرراتها الدراسية نمطية، فلكل منطقة، ولكل مرحلة خصوصياتها وبالتالي احتياجاتها العلمية. وأخيراً، لا يمكن إبقاء هذا الكم الهائل من المؤسسات العلمية خارج استراتيجية التنمية الوطنية كممول للاقتصاد، ويجب ردم الفجوة بين التعليم العالي والتنمية الاقتصادية.   في ظل ذلك، كان الإجماع شبه كلي حول: استقلالية مؤسسة التعليم العالي، وأن تمنح الجامعة مجالاً واسعاً في الإدارة الذاتية، والسعي لخلق موارد مالية من المحيط الاجتماعي والاقتصادي المحيط بها، بما تراهملائما لذلك.   وكانت الاستراتيجية أوضح، أهم ما جاء فيها : الرقمنة الكلية والشاملة لكل الإجراءات الإدارية والوثائق البيداغوجية والوظيفية للطلبة والأساتذة والموظفين، وكل ما تعلق بالحياة اليومية لمنتسبي الجامعات. وتشير الكثير من التقارير أن معدل زيارة الطلبة والمواطنين لمسؤولي الجامعات في الصين شبه معدوم، فخلال السنة الجامعية قد لا يضطر الطلبة نهائيا لمراجعة أي مكتب من مكاتب إدارة الجامعة نظراً للتعميم للتعاملات الإدارية والبيداغوجية، وبسبب الوضوح الشديد والشفافية العليا التي تمتاز بها القوانين والتعليمات الجامعية التي تطبق على الجميع، بدون استثناءات. ربط الأجرة بالحوافز والإنجازات العلمية وليس التدرج الوظيفي : فقد قررت الحكومة إجراء تغيير جذري في آلية توظيف هيئة التدريس وتعيين موظفي المكاتب الرئيسية في الجامعات، من خلال اعتماد معايير عالية، كالسيرة العلمية والوظيفية، والتزكية العلمية، ومعيار الكفاءة المهنية والقدرة على الإبداع في المنصب …الخ، واعتماد مبدأ ربط الأجرة بالحوافز والإنجازات وليس بالتدرج الوظيفي أو تاريخ التعيين. توسيع سلة الخدمات والمنتجات التي تقدمها الجامعات، إضافة إلى دورها المركزي في التكوين والتعليم. وإضفاء الطابع الاستثماري على تلك المخرجات وخلق مصلحة للتسويق وإدارة العمليات المالية للمؤسسة الجامعية. توسيع هامش الشراكة مع مؤسسات القطاع الاقتصادي وتنظيمات المجتمع المدني، والتعاون (بمعناه الاقتصادي) مع مؤسسات الدولة والقطاع العام، كل ذلك وفق دفاتر شروط وعقود تعاون تتيح للجامعة الاستفادة من موارد مالية لدعم ميزانياتها أو الحصول على تخفيضات تخفف الضغط على نفقاتها. تفعيل عملية الاندماجالاقتصادي مع الجامعات الأخرى (المحلية، الوطنية أو العالمية)، كمثل : تبادل الأساتذة والباحثين، كراء واستغلال مخابر البحث والدراسات، استغلال القاعات ومدرجات التدريس، الشراكة في استعمال المكتبة والهيئات التابعة. كراء المرافق للشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، كمثل الملاعب، وقاعات العروض، والساحات العامة، ولافتات الإشهار، والمطاعم وغيرها من المرافق التي تحقق ريوعاً لميزانية الجامعة، وتسهم في تنمية المجتمع وتخفيف الضغط على المرافق العامة للدولة. الاستفادة المشتركة من إمكانياتها العلمية والمالية التي تمتاز بها كل جامعة عن الأخرى، لتخفيف حجم التكاليف التعليمية، فهما تشاركان بعضهما في الاستفادة من المعامل والمدرسين والمكتبات الخاصة بهما وتدريب الخريجين والمدرسين. فرض رسوم دراسية على الطلبة ومضاعفة المبالغ على الطلبة الأجانب. اعتماد معيار الترتيب العلمي للجامعة في السلم الوطني والعالمي كأساس لحجم الميزانية الحكومية المخصصة للجامعة مقارنة ببقية الجامعات، وهو ما أحدث هيجانا تنافسيا حادا، وطوّر بشكل جد ملحوظ مخرجات الجامعة ودورها العلمي والاقتصادي والاجتماعي. . تشجيع الاختلاف مضمون المناهج التعليمية والتكوينية : وذلك من خلال منح إدارة الجامعات ومجالسها العلمية هامش استقلالية جد واسع لفتح التخصصات أو إلغائها بما تتناسب واحتياجات المحيط الاجتماعي والاقتصادي المحلي الذي تنشط فيه. والأكثر من ذلك منح الطلاب حرية اختيار المواد والتخصصات التي يرغبون في دراستها. وهذا ما أدى إلى إلغاء أكثر من 300 تخصص، إذ تشير بيانات وزارة التعليم الصينية أنه تم خفض عدد التخصصات العلمية من حدود 813 تخصصا إلى 504 تخصصات. عام 2015، اعترفت مؤسسة المسح الدولية للتعليم العاليQSأن برنامج الاستثمار في مجال التعليم العالي الذي طبقته الصين خلال العقود الماضية أتى ثماره، حيث صنفت 07 جامعات صينية ضمن قائمة أفضل 50 جامعة في العالم. وبدأت الكثير من دول العالم تحاول التقرب من التجربة الصينية والاستفادة منها في تطوير منظوماتها التعليمية والبحثية، خاصة على مستوى التسيير والإدارة، وتبقى البرامج ومقررات التدريس خصوصيات حضارية وتراثية لا يمكن استنساخها أو استيرادها. وفي الأخير، نعتقد بغالب الظن، أنه في ظل منظومة جامعية ريعية المورد والتوزيع، لا يمكن الحديث عن إنجازات كبرى في هذا القطاع الذي راهنت عليه الكثير من الدول، ونجحت في تطويره فنجح في تطويرها. د. بن حرزالله حوداشي  

722

البعد الإقتصادي ضرورة أهملت في إصلاح منظومة التعليم العالي