More

    يجب أن يقرأ

    د.أماني الطويل: ماذا بعد كرونا وماذا نحن فاعلون ؟

    ماذا-بعد-كرونا-وماذا-نحن-فاعلون-Télécharger

    الحق في الماء في ظل هدر وسرقة المياه بقلم : أ د. عادل خفاجي

    حين تراجع العصر الجليدي قبل آلاف السنين كانت خارطة الوطن العربي تتمتع بمناخ معتدل ومنسوب...

    حسين عبد القادر المؤيد مفكر وسياسي عراقي

    قادت أوروبا نهضة كبرى كانت قد بدأتها منذ مطلع الألفية الثانية للميلاد ، حيث شهدت تلك الفترة وتيرة تأسيس الجامعات ، فتأسست جامعة بولونيا في إيطاليا سنة ١٠٨٨ ، و هي أقدم جامعة بالمفهوم الحديث للتعليم العالي ، حسبما نسب الى المؤرخين . و في بريطانيا برزت جامعة أوكسفورد التي بدأ التعليم فيها سنة ١٠٩٦ ، ثم جامعة كامبريدج ١٢٠٩ . و في فرنسا تأسست جامعة السوربون سنة ١٢٥٣ . و في ألمانيا تأسست جامعة هايدلبرغ سنة ١٣٨٦ . 

    لم تكن تلكم الجامعات مجرد معاهد لتدريس العلوم ، و إنما صارت مطابخ علمية لإنتاج نهضة كبرى قام بها فلاسفة و مفكرون و علماء أوروبيون . 

    لقد أحدثت هذه النهضة تغييرات جوهرية في المجتمعات الأوروبية ، على الصعيد الفلسفي و العلمي و الفكري ، و عالجت موضوعات تتصل بحياة الفرد و المجتمع في الصميم ، الموقف من الدين و الميتافيزيقيا ، القيم و الأخلاق ، السياسة و الإقتصاد ، أنماط السلوك و حدوده .

    إن ما اصطلح عليه بعصر التنوير ، هو التجسيد الحقيقي للنهضة التي بدأت منذ مطلع الألفية الثانية و نمت و أخذت بالتألق ، فكان عصر التنوير و كانت الثورة الصناعية و استمر خط الرقي بالتصاعد .

    لقد حدثت تفاعلات مهمة أفضت الى ولادة أوروبا جديدة ، منجزات علمية ، نظام سياسي حديث ، نظام اقتصادي متميز يتسع للتنوع في إطار إفرازات الثورة الصناعية ، سلوك اجتماعي منضبط بقيم و قواعد أفرزها فكر النهضة . و قد ترسخ ذلك بعد حربين عالميتين كادتا أن تجهزا على النهضة الأوروبية برمتها . 

    لا يعني كل ذلك – و نحن نتحدث عما حققته أوروبا لنفسها ، بغض النظر عن علاقتها بغيرها من الدول و الشعوب – تمجيد النهضة الأوروبية بعجرها و بجرها ، فهي إنتاج بشري خاضع للخطأ ، و قد حصلت و لا تزال تناقضات جدلية و مفارقات خارج أي منطق متسق ، و إخفاقات على مستوى الفكر أو التطبيق . و قد قام مفكرون أوروبيون بتسجيل ملاحظاتهم النقدية على الحداثة الأوروبية و إفرازاتها . 

    لكن هذا كله يجب أن لا يمنع من النظر الموضوعي الى الإستقرار الذي حققه النظام السياسي الغربي الحديث لأوروبا ، و مستوى من العدالة الإجتماعية يوفر فرص العمل و يقدم الضمان الإجتماعي للعاطلين عنه و يقدم التأمين الصحي للجميع و يوفر فرص التعليم المجاني دون تمييز ، و عقد اجتماعي يضمن كافة الحقوق و يضبط سلوك المجتمع في إطار سيادة القانون ، و نظام قضائي نزيه يضمن بسط العدل بين الناس ، و حماية أمنية تتكفل بها الدولة عبر مؤسساتها المعنية بذلك . 

    أعتقد أن من أهم ما حافظ على أوروبا وليدةِ النهضة و التنوير ، بخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، هو نفوذ أحزاب الوسط و اليسار المعتدل في الشارع الأوروبي ، و التي كان لها دور كبير في الحيلولة دون تغلغل التطرف و نموه في المجتمعات الأوروبية . 

    لقد أدى نفوذ أحزاب الوسط و اليسار المعتدل الى عقلنة المجتمع الأوروبي و عدم تمكين الشعبوية في المجتمع . 

    لا شك في أن تكريس الديمقراطية الحقيقية و العدالة الإجتماعية حتى في ظل نظام اقتصادي رأسمالي و الحفاظ على العقد الإجتماعي و سيادة القانون و قيم حقوق الإنسان ، كل ذلك في وعاء ثقافة متسقة معه تحكم عقلية الإنسان الأوروبي ، كان بفضل نفوذ الوسط و اليسار المعتدل في المجتمع الأوروبي . مضافا إلى عوامل أخرى.

    إن أوروبا اليوم تواجه أزمة حقيقية خطيرة ، لو لم تبادر الى معالجتها فمن المحتمل جدا أن تفضي الى خلخلة البناء الذي قامت عليه أوروبا الحديثة و ربما انهياره . 

    إن انحسار نفوذ الوسط و اليسار المعتدل في الشارع الأوروبي ، سيؤدي الى صعود اليمين غير المعتدل و الذي سيخلق جدلية خطيرة على بناء أوروبا الحديثة . 

    لقد أفضى انهيار الإتحاد السوفيتي ، و صعود اليمين غير المعتدل في الولايات المتحدة الأمريكية ، و إطلاق العنان لآيديولوجية صراع الثقافات و الحضارات ، و نمو الشعور الديني عموما في العالم و الذي تزامن مع إطلاق حملة فوبيا ضد الإسلام – و هي حملة و إن كانت من زاوية موضوعية انعكاسا لموجة الصحوة الدينية التي طغت على المجتمعات المسلمة بشكل خرج عن الإنضباط و أدى الى بروز التطرف الذي أفرز الإرهاب ، و امتدت آثار ذلك الى الغرب و حركت فيه هواجس كانت نائمة ، إلا أن حملة الفوبيا هذه ، قد انطوت على تهويل و غلو و استغلال – ، الى تنامي الإتجاهات و التيارات الفكرية و السياسية المتطرفة في المجتمع الأوروبي ، و أدى كذلك الى التراخي في التمسك بالعلمانية في الغرب و التي هي الوعاء الثقافي للنهضة الحديثة في أوروبا و الأساس الذي أشيدت عليه النهضة ، و لقد أدى ذلك الى نمو تدريجي للشعبوية في المجتمع الغربي عموما . 

    أعتقد أن أوروبا الحديثة ستتجه الى حافة الإنهيار ، إذا ترك العنان للشعبوية التي ستكون بيئة خصبة لليمين غير المعتدل و ما يفرزه ذلك من جدلية على الصعيدين السياسي و الإجتماعي ، الأمر الذي سيوجه ضربة للثقافة التي قامت عليها أوروبا الحديثة و بالتالي سيوجه ضربة للتوازن الذي أنتجته تلكم الثقافة في المجتمع الأوروبي . 

    و من هنا أدعو الى ما يلي :- 

    ١- تفعيل و تقوية الإتجاه الفلسفي النقدي الذي كانت مدرسة فرانكفورت رائدة في مضماره ، و الذي يركز على عقلنة موضوعية تضع حدا لتهور العقل الأداتي الذي كانت سيطرته على المجتمع وبالا أدى الى المعاناة من الفاشية و النازية و إخفاق الإشتراكية السوفيتية و الى حدوث حربين عالميتين طحنتا أوروبا و كادتا أن تقضيا على مجمل البناء النهضوي الأوروبي . 

    إن مدرسة فرانكفورت و ما شاكلها ، يمكن أن تلعب دورا حيويا في وضع حد للشعبوية بكل أشكالها و الحيلولة دون نموها في المجتمع الأوروبي . 

    ٢- تفعيل و ترويج آيديولوجية حوار الثقافات و تعايشها ، و العمل على تشكيل محور عالمي للإعتدال يكون هو صاحب الكلمة على الساحة الدولية . 

    ٣- محاربة التطرف و الإرهاب بكل أشكاله و انتماءاته ، و أن يتم التركيز على معالجة مغذيات الإرهاب . 

    إن إبقاء الشرق الأوسط في حالة من عدم الإستقرار ، ستكون له آثار جد سلبية على الغرب و سيؤدي بالمجتمع الأوروبي الى سيطرة الشعبوية و اليمين المتطرف ، وهذا يشكل خطرا على مستقبل أوروبا الحديثة.

    أعتقد أن أوروبا يجب أن تلعب دورا فاعلا في استقرار الشرق الأوسط والمساعدة على توطيد النموذج المدني والعدالة الاجتماعية في مجتمعات الشرق الأوسط والتخلص من نظام الملالي في إيران الذي يعتبر تحديا خطيرا للاستقرار والنموذج المدني في الشرق الأوسط بل في العالم ، وإنهاء سيطرة القوى المرتبطة بإيران كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، وكذلك يجب العمل على إنجاح قيام ديمقراطية حقيقية في العراق عبر كف يد القوى الدينية والانتهازية التي سيطرت على مقاليد الأمور في العراق، واتاحة المجال لبروز قوى مدنية تؤمن بالنموذج الديمقراطي الحديث وتطبيقه في العراق تطبيقا حقيقيا ، كذلك إيجاد حل عملي يؤمّن حقوق الفلسطينيين ويضع حدا للصراع.

    إن أوروبا أمام مسؤولية تاريخية في الحفاظ على مكتسبات نهضتها التي أدت إلى ولادة أوروبا الحديثة ، هي مسؤولية لا يملك قادة أوروبا من السياسيين والمفكرين تحدي التنصل منها. وفي هذا السياق ، أعتقد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في هذا المقطع التاريخي، خطأ ستراتيجي لأن وجودها في الاتحاد الأوروبي يجعلها أقدر على الحفاظ على مكتسبات أوروبا الحديثة والتي كان لبريطانيا فيها سهم وافر.

    LEAVE A REPLY

    Please enter your comment!
    Please enter your name here

    أحدث الأخبار

    More Articles Like This

    ArabicEnglishSpanish