More
    Blog

    الحق في الماء في ظل هدر وسرقة المياه بقلم : أ د. عادل خفاجي

    حين تراجع العصر الجليدي قبل آلاف السنين كانت خارطة الوطن العربي تتمتع بمناخ معتدل ومنسوب الامطار فيها يماثل الحال في أوربا، وهو ما تؤكده الدراسات والصور الفضائية لعشرات الأنهار المتدفقة باستمرار والتي كانت تمتد من الجزيرة العربية إلى شمال القارة الأفريقية.

    وقد خلفت الفترات المطيرة أحواض مياه جوفية عملاقة غير متجددة وذات نوعية جيدة، أهمها الحوض الجوفي الممتد تحت ليبيا ومصر والسودان وتشاد، والذي يقدر محتواه ب 50 ألف مليار متر مكعب. وللمقارنة فالنيل يحمل لجمهورية مصر 50 مليار متر مكعب سنوياً. كما توجد تحت أرض الجزيرة العربية والجزائر والمغرب أحواض عملاقة أخرى.

    اليوم ومع تراجع هطول الأمطار يعدّ الجفاف هو السمةُ المناخيّة السائدة في الدول العربية، فقد تراجعت الأمطار إلى مستوى يتراوح بين (50) مليمتر إلى (100) مليمتر في معظم أجزائه، ويصل التبخر السنوي من سطوح الماء المكشوفة بين (3000) إلى (1000) ملم. وهناك أجزاء جبلية محدودة المساحة يزيد فيها المطر السنوي عن (500) ملم وهنا ايضا مناطق صحراوية محدودة لا تمطر فيها السماء إلا كل عشر سنوات. وتشكل ندرة المياه في الوطن العربي أزمات ذات بعد سياسي قانوني تتمثل في السيطرة الأجنبية على منابع المياه الجارية (الأنهار الكبرى) النيل والفرات ودجلة وشط العرب.

    وتوجد مشاكل كبيرة على نهر صغير تسرق إسرائيل مياهه هو نهر الأردن. في البداية انطلقت تركيا بإنشاء 22 سدا عملاقا في منابع نهر الفرات و 19 محطة للطاقة الكهربائية، تصل سعة بعض السدود الى تصريف نهر الفرات لثلاث سنوات. وهو ما أدى إلى انخفاض حصة العراق من المياه إلى النصف، ويتوقع أن ينخفض مستوى المياه إلى الربع عند اكتمال بناء السدود. ويذكر ايضا ان تركيا أنشأت على نهر دجلة سد (اليسو) لتوليد الطاقة الكهرومائية وستة سدود صغيرة اخرى حرمت العراق من نصف مخزون النهر. وترفض تركيا أي مباحثات تؤدي إلى اتفاقيات ملزمة لتقاسم مياه النهرين وتقدم حجة واهية قانونياَ، تقول أنها لا تعتبرهما نهرين دوليين بل نهرين عابرين لاراضيها مع أن 27 % فقط من مجمل طول نهر الفرات البالغ 2780 كلم يجري في تركيا. و20 % من مجمل طول دجلة البالغ 1950 كلم يجري في الاراضي التركية. هذا وتجدر الإشارة الى انه تم تحويل مجاري الأنهار التي تنبع من إيران وتصب في العراق، فالسلطات الإيرانية حولت مجرى نهر الكارون الذي يصب في شط العرب بما يزيد عن 10 مليارات مكعبة من المياه العذبة، إلى مناطق داخل إيران وبدأت بتصريف مياه الصرف الزراعي المالحة، ومياه الصرف الصناعي الخطرة إلى النهر، كما قامت بقطع أنهار كثيرة وتحويلها إلى الداخل الإيراني. وفي الجانب الآخر نجد سد النهضة الاثيوبي على نهر النيل الذي انطلقت اشغال بنائه سنة 2011، وقد أجرى مكتب المسح الأمريكي الاختبارات بين 1954 و1961، وتم تحديد وظيفة السد لتوليد الطاقة الكهربائية وبيعها للدول الافريقية. إلا ان اثيوبيا هي اخرى ترفض الالتزام باتفاقية 1932 التي تقضي بأن لا تؤثر دول المنبع على حصة مصر من المياه، كما لا يتفق الجانبان على فترة إملاء السد

    وتؤكد تقريبا جل الدراسات الى تناقص حصة الفرد العربي من الموارد المائية المتجددة، بسبب تزايد السكان واستنزاف ما متاح منها وتلوثها، ومن الأمثلة التي يمكن أن نلاحظها، هي توقف الكثير من العيون والينابيع وتقلص واردات المياه في الأنهار وتلوثها ( بردى مثلاً)، وكمقياس لوفرة المياه أو ندرتها فإن تجمع حجم المياه التي تتجدد سنويا في بلد ما وتقسم على نفوس ذلك البلد، للحصول على قيمة حصة الفرد من المياه المتجددة. ونقصد هنا بالمياه المتجددة، المياه الجارية على سطح الأرض مثل الأنهار الدائمية أو الوقتية أو السيول مضافاُ إليها المياه الجوفية تحت سطح الأرض التي تتجدد سنويا. وإذا علمنا أن المعدل العالمي للفرد من الموارد المائية المتجددة يصل الى 7000 (م3) متر مكعب سنويا، فإن حصة الفرد العربي كانت 3430 م3 سنة 1960 وبلغت 1430 م3 سنة 1990، وتصل حاليا إلى 890 م3ً، ويتوقع أن تصل سنة 2025 إلى 667 م3. من جانبها ساهمت بعض السياسات المائية الخاطئة في ندرة وتقلص المياه، وعلى سبيل المثال فقد قام المستثمرون في السعودية بسحب مخزون المياه غير المتجدد في منطقة نجد لري محصول القمح من 1983 إلى 1994 بنظام الرش المحوري، وأصبحت المملكة العربية السعودية من الدول المصدرة للقمح، ولكن بعد 10 سنوات من الاستنزاف المركز للمياه الجوفية غير المتجددة، انخفض مخزون المياه إلى الثلث، وتوقفت المضخات عن العمل

    ايضا بيعت أنظمة الري للعراق بموجب اتفاقية النفط مقابل الغذاء والدواء. وتواصل الهدر والإسراف في سقي المحاصيل وفي الاستخدامات المدنية، و لازال معظم الفلاحين في العراق ومصر يروون مزروعاتهم بنفس طريقة البابليين والفراعنة، كما لا يتوقف الهدر والإسراف في استخدام المياه للأغراض المدنية، فعند مقارنة حصة الفرد من المياه المتجددة في دول مجلس التعاون الخليجي، بحصة الفرد في بريطانيا والنرويج، نلاحظ الفرق الكبير في حصة مواطني الخليج والجزيرة العربية، والدولتين الأوربيتين، بينما نجد أن الفرد في مجلس التعاون الخليجي يستخدم كميات من الماء تتراوح بين خمسة أضعاف إلى ضعف استهلاك المواطن البريطاني

    إلهام لطيفي: الوباء الرقمي…. هل يمنح التاريخ عطلة للتجديد؟

    اليوم والحِمام منا قاب شهقة أو أدنى، يطوّقنا من كل مكان ونحن نتفرج على الكون من خلال نوافذنا الرقمية، لا نفطر إلا على جداول بورصة الوباء العالمية، وحتى وإن كان الوضع مملّا، لكن لحسن الحظ، لم تتح الفرصة للثقافة الفيروسية الوافدة إلى بلداننا على أطباق الوجبات السريعة والتي يعدها بعضهم وجبات ثقافية تحمل رسائل مضمرة. مما يجعلنا نرجع لوجباتنا التراثية من تاريخ وحضارة في منازلنا بين أحبابنا وأهلنا، ننهل من مناهل ثروتها. كل ذلك كي نرجع إلى أسرنا وكل ما يربطنا في منظومتنا الثقافية بالأهل والأصدقاء والأقارب وبجذورنا، فكل العالم الموجوع أصبح بالخشية سواء..

    نحن الناجون ربما من صخب العالم الرقمي الآن، منحنا الحجر المنزلي عطلة، لنفقه أن الحضارات لم تتصارع قط، بل إنها أخذت وأعطت من بعضها، فهي المحور الذي تدور حوله المفاهيم الأخلاقية والقيم الإنسانية التي تنتمي إليها المفاهيم الحضارية. إذ يجدر بنا إعادة ترتيب أوراقنا، تلك التي كابر وثابر من أجلها علماؤنا وفلاسفتنا من أمثالِ ابن رشد وابن طفيل وابن عربي وكل من ساهم في بناء حضارة يتأسى بمعالمها العالم بأكمله. تلك التي ضاع منا زمام ازدهارها ما بين ثورة وغزو هنا، وانقلاب وحرب هناك. أكاد أجزم أننا في هذه الجائحة العالمية، قد أيقنّا أن الإنسان هو مركز الكون وسيد الحضارة، ومن الصعب أن نقبل بالتفوق العلمي والتكنولوجي بديلا عنه، إذ إنه العقل المدبّر، ومحور كوكب الأرض..

    الآن ونحن متساوون بالوجع الأكبر ويخوننا ثغر العلم في لحظة الصراع مع الموت أمام هذا المستبد العادل، نقف على حافة التساؤل : أين نحن وأين الإمبريالية وكيف نحدد الطريق – نحن ورثة أقدم حضارات العالم- أمام مجتمعاتنا البشرية؟ نحن العائدون من مفترق الثقافات، تلك التي يوحدها اليوم السقم على أسرّة الإنعاش ويفرّقها وباء السياسات الإمبريالية. فماذا عن مستقبل أوطاننا والفتنة التي زرعتها فينا تلك النظم الإمبريالية التي بانت عوراتها اليوم؟ كل ذلك يجعلنا نرجع إلى ذاكرتنا التاريخية والثقافية العربية المشتركة، ونراجع نظمنا الاجتماعية والسياسية والثقافية المتمثلة في تراثنا وحضارتنا الآنية، ونطرح على أنفسنا أسئلة فلسفية جذرية عما تعاني منه المنظومة القيمية الثقافية والاجتماعية في بلداننا، حيث إن النظام الإمبريالي دمّر مقوماتنا المادية والمجتمعية، وبات يهدد مصيرنا ويزعزع هويتنا القومية والثقافية.

    لقد آن الأوان لنضع علامة استفهام حول تلك النظم التي عجزت أمام موتاها اليوم وزحفت نارها بلا ألسنة و كادت تأكل الأخضر واليابس مما هو على أراضيها من جنس الإنسان مهما كان عرقه و لونه، وذلك بعدما أشعلتها في مهد حضارتنا. إن تراثنا الثقافي العربي وحضارتنا يشكلان مدخلين رئيسين لتبين الإشكالات التي تحاول فهم بنية العقل العربي، بما أنها بوصلة تفتح أمامنا أفاقا للبحث عن أسباب هفواتنا وعثراتنا وهما بوابتان تؤديان حتما إلى معرفة المستقبل والمصير ناهيك عن الموقع المركزي للتراث وخصوصيته الكبيرة في ثقافة الشعوب والمجتمعات. فالتاريخ والتراث هما بطاقة هوية للشعوب وليسا مجرد قصص وأحداث سردية، وما يهمنا في هذين العنصرينِ هي الجوانب الحضارية الرائعة، التي شكّلت مكونات أساسية في الهوية والذات العربية. وكل همنا العمل عليه وتطويره من أجل توظيفه في مشروع تجددي وتوعوي يهدف إلى تثقيف الوعي الشعبي العربي وتحفيزه، ومن ثم بناء البيئة الشعبية والمجتمعية الحاضنة لمشروع التغيير والتجديد في واقعنا. حتى نجد أنفسنا أمام إعادة قراءة لسير ثقافتنا في سياق تكونها التاريخي والإبستمولوجي لدفع تاريخنا نحو ما نؤمن به، وما نريد القيام به. نعم إنها مهمة صعبة للغاية، ولكنها ليست مستحيلة…

    ولعل مدبّري السياسات في عالم اليوم مطالبون بإعادة النظر في علاقتهم بالعلم والعلماء وبالثقافة والحضارة وحريتها والمقصود بذلك استقلاليتها من السياسة وصخب التجارة. فهي مأساة الإنسان الأكبر في القرن الواحد والعشرين الذي صار وقودا للعبٍ سياسية حكمت منظومة القيم الثقافية والسياسية في بلداننا. تلك النار التي استهدفت حياة شعوبنا و ثقافتنا وتاريخنا المعاصر ولم تكتف بنهب ثرواتنا وترسيم حدودنا السياسية والجغرافية ؛ بلْ أصبحت عاملاً محددا لمستقبلنا ومسار ثقافتنا . هذا وقد سبقت الإشارة إلى أن الأدب والفن قد قدّما قراءات للمستقبل كما فعلا مع الماضى وتقدّما كثيرا عن التطورات الإنسانية بشوط كبير.

    لقد حذرتنا بعض الأفلام والروايات وحضرتنا لمغادرة كوكب الأرض إذ يبدو الأمر مخيفا ومهيبا، فهذه الحروب البشرية الموبوءة تضعنا أمام مرحلة وعي جديدة تتطلب منّا التنقيب في ثقافتنا و تراثنا وتاريخنا إذ إنها مليئة بتساؤلات والتوقعات حول مستقبل الكون وقائده الإنسان. الآن، وتاريخنا البشري يمرُّ بهذه المرحلة الحرجة، أجدُني ألمح ابن رشد ومعه غوستاف لوبون وهما يقضيان عطلة التاريخ في مدينة مليئة بالفراغ في ضاحية قرب إشبيلية جالسين في مقهى متخم بالسُعْرِ يلوحان لآلهة سومرية، وهي تمرُّ بالجانب الغربي من الطور الأيمن، يقولون لها “لا عليكِ، لا عليك ِ، تلزمنا قُبلة كي نكمل اللُعبة”

    صوفية الهمامي صناعة الأفكار جزء من صناعة الأمل ..

    كل صباح ومساء أسمع وأقرأ جملة مكررة تقول إن العالم سيتغير بعد زمن الكورونا، وأن حياتنا لن تكون كما كانت قبله. أسئلة كثيرة تدور في رأسي وأنا أتابع الأخبار وهي تركض وراء عدو متخف صامت لا صوت له ولا حركة، يتسلل سرا إلى الدم والخلايا وحين يصبح جزءا من البشر يرشق الرئتين بأشواك الموت ويتحرك في صمت لتتبع من يتحرك. لا أظن أن لغز هذا الوباء سيُكشف يوما ما، سيما إذا تأكد أنه عبارة عن حرب جرثومية عاشتها البشرية جمعاء على وجه الكرة الأرضية في زمن واحد.

    ومن الأكيد أن هذا المرض الماكر الذي شغل البشرية جمعاء، سيغير وجه العالم كما غيرته الحرب العالمية الثانية، فجميع المعطيات المعلنة والخفية تؤكد أن العالم سيمر إلى حالة جديدة وهو ما أكده علماء المستقبل المحترفون. والحقيقة أن العالم آخذ في التغيّر من حولنا منذ زمن بعيد، بينما بلداننا العربية تعاني من ترسب البنى الفكرية والسياسية والإجتماعية الموروثة، فهل ستغيرنا الكورونا هذه المرة بإتجاه استشراف المسافات البعيدة لمستقبلنا لنجعل من التهديدات غير المرئية تهديدات مرئية. إن الشعوب العربية وما تملكه من حيوية وإمكانات بشرية بحاجة اليوم إلى المفكرين والمثقفين من صناع الأفكار، لأن إنتاج الأفكار مسألة جوهرية خاصة في المرحلة التي نعيشها اليوم والتي تشي بتحول هائل. فالطلبوب اليوم من المفكرين المختصين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية أن يبادروا بصناعة أفكار جديدة مناسبة استعدادا لعالم ما بعد الكورونا، تماما كما استعد من قبلهم المفكرون والمؤرخون لقرائة المراحل وتصنيفها إعتمادا على ما أنتجته الحربين العالمتين ..

    الصين مولد الوباء، أخذت طريقا يتصل بالإقتصاد في صناعة أفكارها الجديدة، على إعتبار أن ركيزة العالم الأولى في المستقبل المنظور هي الإقتصاد، وكل شيء يجيء بعده على عكس ما ذهبت إليه أمريكا ودول الغرب إعتمادا على القوة العسكرية التي كانت تُثبت سلطتهم وسطوتهم في العالم. ولكن هذه القوة العسكرية لم تستطع أن تحمي حاملة الطائرات الأميركية “يو أس أس ثيودور روزفلت” من عدوى كوفيد 19، مع انها لم تصب بعدوى الاختلاط لأنها بقيت في عرض البحر طول فترة ما قبل الكورونا وراهنها، ولا أحد يعلم كيف أصيب خمسة آلاف جندي من بحارة البارجة العملاقة بهذا اللغز الغامض، المرض الذي فاجأ العالم، مما دفعهم للاستغناء عن القبطان دون أن يفسروا إخفاقه في أن يجنّب هذه البارجة الوقوع في العدوى.

    الأكيد أن العالم بعد كورونا سيولد من جديد، ولابد لمن سيعيش هذا العالم أن يعّدَ له مصانع تنتج أفكارا ويهيء لجيل من الشباب سيولد حتما مع هذ العالم الجديد، وهو جيل يتسم بصناعة الأفكار. وصناعة الأفكار ينبغي تأسيسها على قواعد متينة أهمها امتلاك إرادة الحياة وعدم الإستسلام للخوف من الموت، فمن يخاف الموت سيحمله على كتفيه بحسب تعبير لوركا، وإن من لا يتمسك بالأمل سوف لن يكون مسكونا برؤية المستقبل وبطاقة الوصول إليه. وبهذا الأمل يمكننا الوصول إلى ما بداخلنا من قدرة على صناعة الأفكار. وهي صناعة لابد أن تقترن بإمتلاك الأمل كطاقة يحملها صناع الأفكار الجديدة وهم يغرسون في تربة الواقع اليوم بذورهم الجديدة لتكون حصادهم في الغد القريب.

    إن المفكر مثله مثل الفلاح الذي يختار نوع البذور التي يزرعها ويهتم بها إلى أن يحصد محصولها. وما البذور إلا خلق الأفكار الجديدة لتَصوُرِ مستقبل تُزرع بذوره في تربة الواقع المريض الذي نعيشه اليوم

    من أجل أمن إعلامي قومي … بقلم : سميرة رجب

    من أجل أمن إعلامي قومي … بقلم : سميرة رجب

    تعتبر المعلومة احد الابعاد الاستراتيجية لأي نظام كان، والمقصود هنا بالنظام ليست الدولة فقط، بل النظام الذي يعتمد على مجموعة من المفاهيم مثل النظام السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، أو النظام الذي يمثل كتلة متناسقة أو شبه متناسقة من الأفراد والمجموعات مثل نظام المجتمع أو المؤسسة أو الشركة أو المنظمة أو الجمعية الى غير ذلك. وفي هذا السياق يعتبر النظام، نظرياً، الجسم المتناسق الذي يتأثر عمله وتوازنه سلباً أو إيجاباً بتفاعل العوامل الداخلية والخارجية المكونة له، والذي تلعب فيه المعلومة الجزء الرئيسي. بمعنى أن أي إخلال في سير المعلومة، وبأية طريقة كانت، يؤثر سلباً أو إيجاباً في عمل النظام. وعلى هذا الأساس، وقع اعتبار أمن أي نظام كان في ارتباطه الوثيق بطريقة عمل المعلومة داخل هذا النظام. ولعلّ أبرز النظريات التي مهدّت لهذه الفلسفة، هي نظريات الاتصال، التي اعتبرت منذ منتصف القرن الماضي أن أي خلل في عمل نظام الاتصال، مردّه خلل في قيمة المعلومة المرسلة للنظام. وانطلاقا من هذا أصبح للإعلام والاتصال المنزلة الأقوى في المجتمعات. هذه المنزلة أصبحت غير مسبوقة مع بداية القرن الحادي والعشرين الذي شهد التحول الفعلي من الدور الأحادي لوسائل الإعلام التقليدية (الصحف، الإذاعات والتلفزيونات) إلى الدور التفاعلي لوسائل الاتصال الإلكترونية (اندماج وسائل الإعلام التقليدية وانصهارها في المشهد الإعلامي الإلكتروني الجديد، شبكات التواصل الاجتماعي ودعمها لفلسفة التشارك وإعادة تقاسم سلطة الإعلام). فلا يمكن في الوقت الراهن لأي بلد مهما كان حجمه العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، أن يغفل عن الدور المحوري الذي تلعبه وسائل الإعلام والاتصال داخل المجتمع أو في تفاعله مع المجتمعات والدول الأخرى. ويبدو أن المشهد الإعلامي العالمي، ومن ورائه المشهد الاقتصادي والتكنولوجي العالمي، قد تطوّر من حالة “الضبطـ” النسبي، التي كانت تسيطر فيها وسائل إعلام ووسائل إنتاج تعمل ضمن أطر قانونية، ومعايير مهنية واضحة، أو أقل ما يقال عنها شبه منظمّة، إلى حالة جديدة تتماشى مع ملامح عالم جديد وإعلام جديد، أقل ما يقال عنه أنه يتّسم بـ”الفوضى”… هذا العالم الجديد يبشّر بفلسفة “اللاحدود”، من خلال فضائيات، وإنتاج، وتوزيع، واقتصاد، وفضاء ثقافي، وحريات، وثراء، وفقر، جميعها بلا حدود… عالم جديد خال من الحدود. هذه الفوضى الجديدة المتوفرة على الأرض تلازمها فوضى مشابهة في السماء، يجسّدها الحضور المتنامي لأقمار الاتصالات والأقمار المتحركة وأقمار المراقبة والرصد، والتشبيك الكوني… وحرب السيبر. ويرى البعض أن الثورة الحقيقية التي تقودها التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، أحيانا بشيء من المغالاة، تمثّل في واقع الأمر عملية احتلال المعلومات لصدارة القوانين والقيم المنظمة لحياة الفرد والمجتمع. فالتطور التقني إنما يجري على نحو يمنح المعلومات مركزية إنتاج النفوذ وإدارة العالم. أمام هذه الفوضى الجديدة وتناقضاتها، تعدّدت التساؤلات المطروحة عن الدور الجديد للإعلام والاتصال داخل المجتمع؟. وعن إمكانية أن يتحوّل تدفق معلومات شبكات الإعلام والاتصال بطرق غير أخلاقية إلى أدوات وأسلحة جديدة يمكن أن تساهم في إضعاف مفهوم الدولة التي ما فتئت تخسر من سيادتها واستقلاليتها في ظل عولمة الاقتصاد والثقافة؟. والأهم من ذلك هل يجب على الدول أن تتحدث اليوم بكل قوّة على أمنها الإعلامي بنفس قدر أمنها العسكري أو الغذائي؟. يتفق معظم الباحثين في العلوم السياسية والعلوم العسكرية وعلوم الإعلام والاتصال حول أهمية المعلومة التي يمكن أن تؤدي إلى حرب شاملة، أو تساهم في توقيع معاهدة سلام دائمة، كما هم متفقون على اعتبار أن وسائل الإعلام والاتصال هي “القوات الخاصة النفسية والدعائية” التي تناور وتعزّز صفوف الجيوش. وإن كان الوضع في أغلب الأحيان لا يتطلب جيوشا فوق الأرض، في ظل وجود أسلحة إعلامية واتصالية يمكن أن تحسم الحروب قبل بدايتها أصلا. وأشدد هنا، أن العالم اليوم يعيش مع نوع جديد من الأسلحة، تتمثل في النفوذ اللامادي للمعلومة، التي تتحول إلى سلاح أشد فتكا من النفوذ المادي، لأن استخدام الأسلحة المادية يمكن تقنينها بسهولة، لكن استخدام سلاح المعلومة، أصبح يصعب تقنينه، بسبب مواقف منظمات حقوق الإنسان ومنظمات الدفاع عن حرية الرأي والتعبير. وهنا يُطرح سؤال محوري : أين حقّ الدولة في حماية أمنها أمام خطر سلاح تدفق المعلومات المغلوطة والافتراءات الباطلة والفوضى المعلوماتية، في عالم الإعلام والاتصال وثورة التكنولوجيا المعلوماتية الحديثة، والتشبيك الفضائي، الذي نعيشه.؟.

    الباحثة هدى عمارة

    الباحثة هدى عمارة

    قراءة في كتاب : أسس صناعة المعجم المحوسب للدكتور يحيى أحمد اللتيني

    من ثمار المعالجة الآلية للغات الطبيعية ظهور المعجمات المحوسبة في اللغات جلها، واللغة العربية لم تكن يوما متخلفة عن الركب، بل لها من المقومات ما يجعلها في مصاف اللغات العالمية الوازنة، لذلك لا يمكن استثناؤها من الاستفادة من التقانة الحديثة، والبرمجيات الحاسوبية في دراسة لبناتها. برؤية علمية ثاقبة، وبمنهج وصفي تحليلي، خاض الدكتور يحيى أحمد اللتيني تجربته الرائدة في مجال الصناعة القاموسية، بهدف وضع تصور شامل عن الأسس الواجب توافرها لإنجاز معجم قوامه السمات المميزة والتفريع المقولي . يقع الكتاب في 298صفحة من الحجم المتوسط، وقد رآى النور عام 2019 من دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، بغلاف جذاب من تصميم محمد أيوب. سعى المؤلف من خلال كتابه هذا إلى بسط الأدوات اللسانية والآليات الحاسوبية التي ينبني عليها المعجم المنشود. فكان عمله مقسما ضمنيا إلى شقين كبيرين: شق نظري عرض فيه بعض التجارب السابقة، واقفا على بعض ثغراتها، مقترحا حلولا لتجاوزها. وشق تطبيقي ارتآى من خلاله المؤلف ممارسة تصوره بشكل فعلي على مجموعة من المفردات وتحليلها تحليلا شاملا انطلاقا من آليات وبرامج معينة .فأي عمل من هذا النوع لا بد أن يستند إلى النظريات اللسانية والمدارس اللغوية قديمها وحديثها ، وهو ما نجده بالفعل في الفصل الأول حين تطرق إلى النظرية التوليدية ومقوماتها مع التركيز على علمي الدلالة التوليدي والتصوري والعلاقة بينهما ، مبرزا دور كل من السمات المميزة والتفريع المقولي في التوليد الدلالي .لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن البرنامج الأدنوي ودوره في صناعة المعجم المحوسب ، مستحضرا أهم الآليات المعتمدة فيه وعلى رأسها ترميز السمات ، واعتماد الجذوع لا الجذور، شارحا في الوقت نفسه مبدأ منوال الرأسية العاملية في اللسان العربي، ودوره في تحقيق هذا المشروع المأمول. أما الفصل الثاني، فقد خصصه صاحبه لعرض نماذج مشاريع أنطولوجيا اللغة العربية، وأهمها: مشروع اللغة العربية، وليد جامعة بير زيت بفلسطين / أنطلوجيا النحو العربي لصاحبه طارق المالكي. شبكة وردنت الأوروبية / شبكة الأطر الدلالية / بنك الأبنية الحملية / أنطولوجيا غولد/ شبكة وردنت العربية. وحري بنا أن نشير إلى أن المؤلف لم يقف عند عرض هذه التجارب وتوصيفها فحسب، بل بين أهدافها وطريقة عملها، مبديا ملاحظاته حولها. ليمر إثر ذلك للحديث عن مجموعة من الواسمات التي ترتكز عليها مشاريع الحوسبة إلى جانب محللات نحوية وصرفية خادمة للمعجم المقترح. أما الفصل الثالث والأخير فخصصه صاحبه لآليات الحوسبة والمعالجة الآلية التي يراها الأنسب لتحقيق تصوره حول المعجم المحوسب للغة العربية، وذلك بوساطة عرض مدونة قوامها 260مدخلا معجميا محللا تحليلا دقيقا. كما اقترح تصميم محللات لغوية كالمحلل الصرفي والمحلل النحوي والمحلل الدلالي، إلى جانب تطبيقات كالمعرب الآلي والمدقق النحوي والإملائي والمترجم الآلي. واثق الخطى، مترفعا عن المباحث الكلاسيكية المستغرقة في التعريفات بالعلوم ونشأتها، عازما على الانطلاق من حيث انتهى السابقون، مستفيدا من المشاريع الرائدة المنجزة في هذا الحقل، برع الدكتور يحيى أحمد اللتيني في رسم مسار مشروع، وتقديم رؤية شاملة لما ينبغي أن يكون عليه المعجم المحوسب للغة العربية.

    ArabicEnglishSpanish